مكفوفو الأرياف خارج نطاق لغة ‹برايل›
تقارير وتحليلات
منذ 8 ساعات
مشاركة

قبل أن ينزح الكفيف محمد عارف، 16 عاما، برفقة عائلته من محافظة الحديدة إلى عزلة شرجب بمديرية الشمايتين غرب محافظة تعز بسبب الحرب، كان يتلقى تعليمه في إحدى المدارس المخصصة لتعليم المكفوفين، وكان طالبا مجتهدا له آمال وطموح مستقبليه لكن أحلامه تبخرت بسبب انعدام وسائل التعليم المتخصصة.

يقول محمد لـ “ريف اليمن”: “بعد استقرارنا في عزلة شرجب، بدأنا نبحث عن مدراس أو جمعيات مختصة بتعليم المكفوفين بلغة برايل في منطقة سكننا والمناطق الأخرى المجاورة في المديرية، لكن للأسف لم نجد”.

لا يزال المكفوفون في الأرياف اليمنية يواجهون حرمانا واسعا من حقهم الأساسي في التعليم، في ظل انعدام كامل للخدمات التعليمية المتخصصة، وعلى رأسها تعليم لغة برايل الخاصة بهم، ما يجعلهم أمام تحد مضاعف.


مواضيع مقترحة


يزداد هذا الواقع تعقيدا بسبب غياب الإحصائيات الرسمية الدقيقة حول أعداد المكفوفين في اليمن، وهو ما أكده الأمين العام للجمعية اليمنية لراعية وتأهيل المكفوفين، ضيف الله عجلان خلال حديثه لـ”ريف اليمن.

تشير التقديرات إلى أن عدد المكفوفين في البلاد يقارب 800 ألف شخص، لكن عجلان يقول إن هذه الإعداد شهدت تصاعدا خلال السنوات الماضية، لافتا إلى أن النسبة الأكبر من المكفوفين تتركز في المناطق الريفية.

هذا الواقع الصعب للمكفوفين في الأرياف دفع محمد لإكمال تعليمه في جمعية الشمايتين لذوي الاحتياجات الخاصة مع المبصرين على الرغم من عدم استفادته وحصوله على التعليم بالشكل المطلوب، بسبب عدم توفر التعليم بلغة برايل في الجمعية.

بجانب معاناته في التعليم، يقطع محمد يوميا مسافة تبعد حوالي ثلث ساعة من منزله إلى الجمعية بمساعدة شقيقته، متحملا بعد المسافة وتكاليف المواصلات، متمسكا بأحلامه على أمل أن تستطيع الجمعية مستقبلا توفير آلات برايل وكوادر متخصصة، حتى لا يضيع ما تعلمه سابقًا سدى.

طلاب كفيفون في قرية ضية بريف تعز جنوب غربي اليمن (ريف اليمن)

محمد انموذجا لواقع المكفوفين في الأرياف اليمنية حيث تنعدم الجمعيات أو المراكز المتخصصة في تعليم لغة برايل، في مقابل تركز معظمها في المدن، الأمر الذي يترك مكفوفو الأرياف بعيدا عن التعليم، في انتظار تدخل حاسم من قبل المعنيين.

يوضح عجلان أن للجمعية التي تأسست عام 1989م، فروعا في ثماني محافظات يمنية، غير أن معظم هذه الفروع والمراكز تتركز في المدن الرئيسية والمناطق الحضرية، بينما تظل فرص انتشار خدمات تعليم لغة برايل في الأرياف ضعيفة جدًا أو معدومة.

ويقول في حديثه لـ”ريف اليمن”: “نتلقى طلبات كثيرة من أسر في الأرياف والمناطق النائية لتعليم لغة برايل وتقديم خدمات تدريب وتأهيل للمكفوفين، إلا أن ضعف الموارد المالية، وصعوبة الوصول إلى المناطق الريفية، وقلة الكوادر المدربة، إلى جانب غياب التنسيق المؤسسي مع وزارة التربية والتعليم لدمج تعليم برايل ضمن النظام التعليمي، حالت دون قدرتنا على تلبية هذه الاحتياجات”.

هذا الغياب الكلي للخدمات التعليمية للمكفوفين في الأرياف، نجد صورته بوضوح في أرياف مديرية الشمايتين، (كبرى مديريات محافظة تعز)، التي تمثل نموذجا واضحا لواقع التعليم في الريف اليمني، فالمديرية، التي تضم 33 عزلة، توجد فيها ثلاث جمعيات تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، ولا يوجد في أي منها تعليم لغة برايل الخاصة بالمكفوفين.

تقول خيرية الكباب، رئيسة جمعية الشمايتين لذوي الاحتياجات الخاصة، لـ “ريف اليمن”، إن الجمعية استقبلت عددا من المكفوفين الراغبين في التعلم، لكنها عجزت عن تقديم خدمة تعليمية لهم بسبب عدم حصولها على دعم لتوفير آلة برايل والأدوات المخصصة لتعليم المكفوفين، رغم سعيها الدؤوب.


عجلان:نتلقى طلبات كثيرة من أسر في الأرياف لتعليم لغة برايل للمكفوفين، إلا أن ضعف الموارد المالية حالت دون قدرتنا على تلبية هذه الاحتياجات”.


ينطبق الحال ذاته على جمعية ذبحان لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يقول محمد قاسم، رئيس الجمعية، في حديثه لـ”ريف اليمن”: ” تلقت الجمعية طلبات من أكثر من 25 كفيفا للتعلم، لكننا لم نتمكن من توفير التعليم لهم لغياب المعدات والوسائل الخاصة بتعليم لغة برايل”.

ويوضح أن الجمعية تمكنت من توفير فصلان لتعليم المكفوفين إلا أنه ينقصهم الأدوات التعليمية الخاصة بهم، مشيرا إلى أنهم سعوا لتوفيرها من خلال التواصل مع عدة جهات ومنظمات، لكن حتى كتابة التقرير لم يصل لهم شيء.

قصة محمد هي مرآه لقصص الكثير من المكفوفين في الأرياف اليمنية الذين حرمهم غياب تعليم برايل من فرصة التعليم، إذ لا يتوقف أثر غياب التعليم عند حدود الأمية، بل يمتد ليؤثر سلبًا على الحالة النفسية والاجتماعية للكفيف.

في هذا السياق، يقول أستاذ علم النفس، جمهور الحميدي، إن الحرمان التعليمي يخلّف آثارًا نفسية عميقة لدى المكفوفين، تتمثل في تزايد الضغوط النفسية والشعور بالعجز وعدم الأمان والاستقلالية.

ويضيف في حديثه لـ “ريف اليمن”، أن هذا الحرمان يضع المكفوف في حالة نفسية هشّة، حيث تصبح احتياجاته مكشوفة دون قدرة على حماية خصوصيته أو إدارة شؤونه بنفسه، الأمر الذي ينعكس سلبًا على ثقته بذاته وتوازنه النفسي، مشيرًا إلى أن هذه الآثار تتفاقم بشكل أكبر في الأرياف نتيجة غياب الخدمات التعليمية المتخصصة.

وعن الأثر الاجتماعي تقول الأخصائية الاجتماعية، سوسن رشيد، إن غياب لغة أدوات التواصل التعليمي للمكفوفين في الريف وعلى رأسها لغة برايل يجعلهم يواجهون صعوبة في التفاعل الاجتماعي والاندماج مع المجتمع المحيط بهم الأمر الذي يؤدي إلى انعزالهم مجتمعيًا.

وتتابع حديثها لـ “ريف اليمن”:” كما أن حرمان المكفوفين من التعليم يؤثر على تعلمهم للمهارات الاجتماعية وتحقيق الاستقلالية التي يمنحها التعليم، مما يحد من مشاركتهم في الحياة الوظيفية ويجعلهم في حالة اعتماد دائم على الآخرين”.

يعود الأمين العام للجمعية اليمنية لراعية وتأهيل المكفوفين، ضيف الله عجلان ليؤكد أن معالجة فجوة تعليم برايل في الأرياف تتطلب تدخلات سريعة وواقعية، في مقدمتها تأهيل معلمين مختصين في تعليم لغة برايل، سواء من كوادر الجمعية نفسها أو عبر شراكات فاعلة مع منظمات محلية ودولية، بما يضمن قدرتهم على العمل في المناطق الريفية والنائية.

لافتا أن زيادة التمويل المخصص للمراكز والفروع تمثل خطوة أساسية لتمكينها من توفير آلات برايل والمواد التعليمية اللازمة، إلى جانب تنفيذ مشاريع تعليمية متنقلة وحملات ميدانية تصل بشكل دوري إلى القرى المحرومة من أي خدمات تعليمية متخصصة.

كما يشدد على أهمية تعزيز الشراكات مع وزارة التربية والتعليم والمنظمات الدولية لتوفير المناهج الدراسية بصيغ برايل، بالتوازي مع حملات توعية مجتمعية تستهدف الأسر في الريف، لرفع الوعي بحق المكفوفين في التعليم وتحفيز الطلب عليه.

من جهته يؤكد الأمين العام لجمعية ذبحان لذوي الاحتياجات الخاصة، أن التخفيف من معاناة المكفوفين في التعليم يبدأ بـ توفير أدوات وكتب تعليم برايل بشكل عاجل، إلى جانب تدريب المدربين على تعليم اللغة واستخدام التقنيات المساعدة.

ويضيف في حديثه لـ “ريف اليمن” أن تطوير المناهج التعليمية بما يتلاءم مع احتياجات المكفوفين يُعد ضرورة ملحّة، إلى جانب توفير التكنولوجيا المساعدة، مثل قارئات برايل الإلكترونية وأجهزة الحاسوب المزوّدة ببرامج ناطقة.

داعيا إلى توفير الموارد المالية واللوجستية، والعمل المشترك مع الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وتوسيع الفرص التعليمية والتدريبية للمكفوفين، بما يضمن دعمهم في تحقيق طموحاتهم والاندماج الكامل في المجتمع.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية