“يمن ديلي نيوز” في إيوو الصينية.. طقوس يمنية تقاوم الغربة في قلب المدينة التجارية
أهلي
منذ ساعتين
مشاركة

أعد التقرير لـ”يمن ديلي نيوز” محمد العياشي: في أقصى الشرق الآسيوي، حيث تتقاطع طرق التجارة العالمية في مدينة ييوو بمقاطعة تشجيانغ الصينية، يصنع اليمنيون لأنفسهم ملامح رمضان مختلفة، تجمع بين روح العبادة وإيقاع الأسواق المفتوحة.

هنا، في مدينة تُعد من أهم مراكز تجارة السلع الصغيرة في العالم وتحتضن السوق الدولي الشهير المعروف باسم Yiwu International Trade Market، تتشكل تجربة رمضانية خاصة تمزج بين الحنين إلى الوطن ومتطلبات الحياة في بيئة غير عربية.

في هذا التقرير، يروي رجل الأعمال اليمني عادل أحمد عوبل، ابن محافظة الحديدة والمقيم في ييوو منذ نحو 13 عامًا، تفاصيل رحلته من اليمن إلى الصين، وأسباب الهجرة التي فرضتها الظروف الاقتصادية والسياسية.

كما يتحدث كيف تحوّل رمضان في الغربة إلى مساحة لإحياء الهوية وصناعة الألفة، وعن موائد الإفطار الجماعية، والمساجد والمصليات التي تحتضن المصلين من جنسيات متعددة، وفي مقدمتها مسجد ييوو الكبير الذي يمتلئ بالمصلين في ليالي الشهر الفضيل، وعن المطاعم اليمنية والعربية التي تتحول إلى ملتقيات للتجار وأبناء الجالية.

كما يستعرض واقع الجالية اليمنية في الصين، وأنشطتها التجارية، ودور شركات الوساطة في ربط السوق الصينية بالعملاء حول العالم، إلى جانب الفروق بين رمضان في اليمن حيث الأجواء العامة مغمورة بالشعائر والطقوس، ورمضان في الصين الذي يُصنع داخل البيوت وضمن دوائر الجاليات.

إنها حكاية رمضان تُعاش بعيدًا عن الوطن، لكنها تبقى مشدودة إليه بروح الانتماء والذاكرة.

من هو عادل عوبل

عادل أحمد عوبل رجل أعمال يمني ينتمي لمحافظة الحديدة يقيم في مدينة أيوو الصينية منذ قرابة 13 عامًا، بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين، درس التعليم الأساسي والجامعي في نفس المدينة، وبدأت هجرته في عام 2013 باتجاه السعودية، ومنها انتقل بعد أشهر قليلة إلى جمهورية الصين الشعبية.

تُعد ميدينة أيوو الصينية واحدة من أهم المدن التجارية في العالم، خصوصًا في تجارة السلع الصغيرة بالجملة، واشتهرت عالميًا بسوقها الضخم المعروف باسم Yiwu International Trade Market، أو (السوق الدولي للتجارة في ييوو) وهو أكبر سوق جملة للسلع الصغيرة في العالم، ويضم آلاف المعارض والمحال التي تبيع الإكسسوارات، والأدوات المنزلية، والقرطاسية، والألعاب، وقطع الغيار، ومواد التغليف، والإلكترونيات البسيطة وغيرها.

يقول عوبل إنها ليست مجرد مدينة صينية عادية، بل مدينة دولية بامتياز، يعيش فيها عشرات الآلاف من الأجانب من أكثر من 100 دولة، خاصة من الدول العربية وأفريقيا والهند وباكستان وتركيا ودول آسيا الوسطى.

وذكر أن المدينة تضم مطاعم عربية ويمنية لا تقتصر وظيفتها على تقديم الطعام، بل تُعد ملتقى للتجار لتبادل الخبرات والمعلومات وعقد اتفاقات تجارية غير رسمية، كما تشكّل نقطة تجمع للجالية في رمضان والأعياد، وتوفر أجواء محافظة وطعامًا حلالًا مضمونًا.

بعض المطاعم – يقول عوبل – تتحول في رمضان إلى أماكن إفطار جماعي يجتمع فيها اليمنيون ومعهم عرب من جنسيات أخرى. لافتًا إلى وجود مساجد ومصليات عدة، من بينها الجامع الكبير في إيوو الذي يتسع لنحو 10 آلاف مصلٍ، خصوصًا خلال صلاة الجمعة وفترات الذروة مثل رمضان والعيد.

أسباب الهجرة والاستقرار في الصين

وعن أسباب مغادرته اليمن، يقول عوبل لـ”يمن ديلي نيوز” إن خيار الهجرة كان صعبًا لكنه ضروري، شأنه شأن كثير من الشباب اليمني.

وتابع: الإقامة خارج الوطن، وتحديدًا في الصين لمدة 13 عامًا، لم يكن قرارًا عابرًا، بل نتيجة عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية متداخلة، في مقدمتها عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي خلال السنوات الماضية، وما نتج عنه من ضعف فرص العمل، وتذبذب العملة، وارتفاع الأسعار، وصعوبة بناء مشروع مستقر داخل البلاد. مشيراً إلى أن الهجرة هنا تصبح خيارًا للاستقرار المالي وليس مجرد سفر مؤقت.

صناعة الروح وسط الغربة

وعن أجواء رمضان في الصين، أوضح عوبل أن رمضان في إيوو يختلف كثيرًا عن أجوائه في اليمن وبقية الدول العربية، إذ لا يغلب عليه الطابع العائلي بطبيعته كما في الوطن، لكننا نحاول أن نصنع روح رمضان بقدر ما نستطيع.

وقال: نقوم هنا بتزيين منازلهم بالزينة الرمضانية وشراء احتياجات الشهر من المأكولات الخاصة بموائد الإفطار، للحفاظ على جزء من الدفء الذي افتقدناه.

وفي تحديد أوقات الإفطار والإمساك يعتمدون على الأذان عبر تطبيقات الهاتف، إضافة إلى الجداول التي توزعها هيئة الإفتاء والمشايخ المسلمين في الصين.

عوبل أكد أن روح الجماعة حاضرة بقوة، رغم قلة المساجد مقارنة باليمن. لافتًا إلى أن رمضان يتحول إلى موسم تزاور بين الأصدقاء، حيث يقيم كثير من التجار وأبناء الجاليات موائد إفطار طوال الشهر، فيما تحرص الجالية اليمنية على إقامة موائد شبه يومية تستضيف مسلمين من جنسيات مختلفة.

وأشار إلى أن شهر رمضان يتزامن غالبًا مع مواسم تجارية مزدحمة في سوق إيوو الدولي ما يتطلب موازنة بين العمل والعبادة، مع الحرص على أداء الصلوات وصلاة التراويح في المصليات الصغيرة وفي مسجد أيوو، حيث يؤم المصلين حفظة متقنون من أبناء الجاليات العربية، بينهم يمنيون، وسط حضور متنوع يشمل مسلمين صينيين، في مشهد يعكس وحدة روحانية رغم اختلاف الجنسيات.

أنشطة تجارية وشركات وساطة دولية

وفي ما يتعلق بأنشطته المهنية، أوضح عوبل أن دوره يتمثل في إدارة شركات وسيطة تهتم بالتصدير الدولي، وتؤدي وظيفة محورية في ربط السوق الصينية بالعملاء حول العالم، خاصة في التجارة الصغيرة والمتوسطة.

وتشمل الخدمات البحث عن المنتجات والموردين، وزيارة المصانع والمعارض، والتفاوض للحصول على أسعار مناسبة، بما يفيد العملاء الذين لا يتحدثون الصينية أو ليست لديهم خبرة في السوق، ويقلل من المخاطر التجارية عند شراء كميات كبيرة.

وأشار إلى أن الخدمات تمتد من البحث عن المنتج حتى التسليم في بلد العميل، مع توفير الترجمة، وفحص الجودة، والشحن، والتخليص الجمركي، وتقديم الاستشارات، مؤكدًا أن الوسيط يؤدي دور جسر ثقافي ولغوي بين التاجر الأجنبي والمصنع الصيني.

وأوضح عوبل لـ”يمن ديلي نيوز” أنه يعمل رئيسًا لشركة “huaxin” المتخصصة في التصدير الدولي والشحن والتخليص وأعمال الوساطة التجارية، كما يرأس شركة “yunzhen” التكنولوجية المتخصصة في البرمجيات والذكاء الاصطناعي، والتي تعمل حاليًا على إطلاق منصة Dopifa.com، وهي منصة مالية ومحاسبية رقمية متكاملة تهدف إلى ربط شركات الوساطة والشحن بعملائها عبر نظام أونلاين ذكي.

النظام يوفر تتبعًا مباشرًا للعمليات التجارية، وإدارة دقيقة للفواتير والمدفوعات والمستندات، مع تقارير تحليلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتعزيز الشفافية والكفاءة ودعم اتخاذ القرار في بيئة الأعمال الدولية.

فروق رمضان بين اليمن والصين

وعن أبرز الاختلافات بين رمضان في اليمن والصين، قال إن رمضان في اليمن حاضر في كل تفاصيل الحياة؛ الشوارع مزينة، والمساجد ممتلئة، والأذان يُسمع في كل حي، والموائد عائلية بطبيعتها، ويتغير نمط الحياة بالكامل ليتماشى مع الشهر.

أما في الصين، فلا تظهر الأجواء الرمضانية في الفضاء العام لأن المجتمع غير مسلم في غالبيته، لذلك تُصنع الأجواء داخل البيوت ومع الجالية، مع الاعتماد على التطبيقات لمعرفة أوقات الصلاة والإفطار، والاجتماع في المصليات الصغيرة أو في مسجد إيوو لأداء التراويح، في ظل استمرار الأعمال وعدم توقفها خلال الشهر.

طقوس يمنية في المهجر

يتحدث عوبل عن حرصه على تحضير موائد الإفطار كما في اليمن، بأطباق تقليدية مثل الشوربة والشفتوت والسمبوسة والمندي والكبسة والسلتة، إلى جانب تزيين المنزل وإحياء صلاة التراويح جماعة، وتنظيم زيارات وموائد إفطار جماعية تعيد جزءًا من روح الأسرة والتجمع اليمني.

الحنين إلى الوطن

وعن أكثر ما يثير شوقه إلى اليمن في رمضان، قال إن الأجواء العائلية الدافئة تبقى في المقدمة، من الجلوس حول موائد الإفطار إلى سماع أذان المساجد في الحارات والتجمعات الرمضانية وروحانيات الليل، إضافة إلى النكهات اليمنية الأصيلة والشعور بالفرح الجماعي الذي يملأ الشوارع والأسواق.

ووصف تجربة البعد عن الوطن في هذا الشهر بأنها “مزيج من الحنين والاشتياق مع محاولة خلق أجواء رمضانية خاصة رغم الغربة”، معتبرًا أن رمضان في الغربة تجربة تجمع بين الصبر والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية، وصناعة الألفة بجهد ذاتي.

ووجّه عوبل عبر “يمن ديلي نيوز” رسالة إلى الشباب اليمني في الداخل والخارج، دعاهم فيها إلى الحفاظ على هويتهم وقيمهم، واستثمار طاقتهم في التعلم والعمل وبناء المستقبل، واستغلال كل لحظة مع العائلة، واحترام التراث والثقافة، والحفاظ على الروابط العائلية والجالية، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي هو أن يكون الإنسان مصدر فخر لنفسه ولوطنه ويترك أثرًا إيجابيًا أينما كان.

الجالية اليمنية في الصين

يشير “عوبل” إلى أن تقديرات رسمية صادرة عن السلطات الصينية تشير إلى وجود نحو 30 ألف يمني، يشملون التجار والطلاب والمقيمين لأغراض العمل أو الدراسة، مع الإشارة إلى أن الرقم قابل للتغير بسبب التنقل المستمر لأغراض التجارة والتعليم.

وبيّن أن الصين تعرف اليمن أساسًا من الجانب التجاري والتاريخي، بوصفه شريكًا اقتصاديًا مهمًا، بينما لا يعرف كثير من الصينيين تفاصيل الحياة اليومية في اليمن، رغم وجود احترام عام للعلاقات الثنائية.

وأشار إلى وجود مطاعم ومحلات يملكها يمنيون في مدن مثل إيوو، تمثل جزءًا من المطبخ الأجنبي المتنوع، وتشكل ملتقى ثقافيًا للجالية اليمنية والعربية.

وأوضح أن الإعلام الصيني الرسمي يتناول اليمن في سياق العلاقات الثنائية أو القضايا السياسية والاقتصادية، دون أن يكون موضوعًا واسع الانتشار في الصحف أو الإذاعة المحلية، بينما تحظى أخبار اليمن باهتمام أكبر على منصات التواصل بين أفراد الجاليات.

وأكد أن كثيرًا من اليمنيين في الصين يتابعون القنوات اليمنية والعربية عبر الإنترنت، حفاظًا على ارتباطهم بالوطن.

وفيما يتعلق بفارق التوقيت، أشار إلى أن الصين تتقدم على اليمن بنحو خمس ساعات، ما يعني اختلاف توقيت الإفطار بحسب المنطقة.

كما أكد وجود يمنيين متزوجين من صينيات، خصوصًا ممن استقروا لفترات طويلة لأسباب تجارية أو دراسية، إضافة إلى وجود يمنيين قدماء يعيشون في الصين منذ عقود، أسس بعضهم أسرًا وحياة مستقرة هناك.

وبذلك يختتم عادل عوبل حديثه لـ “يمن ديلي نيوز” مستعرضًا تجربة تمتد لثلاثة عشر عامًا في الغربة، حيث يتقاطع العمل التجاري الدولي مع الحفاظ على الهوية والحنين الدائم إلى اليمن، خاصة في شهر رمضان المبارك.

ظهرت المقالة “يمن ديلي نيوز” في إيوو الصينية.. طقوس يمنية تقاوم الغربة في قلب المدينة التجارية أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية