فلسفة الوجود القانوني للدولة
رسمي
منذ 3 ساعات
مشاركة

 

سبتمبر نت: مقال/ القاضي صلاح القميري

حين يتجسد الوطن في سكون الفجر، حيث تبدأ الحياة استيقاظها المتجدد، يتراءى علم الجمهورية اليمنية شامخاً فوق ساريات قصر المعاشيق. لربما تأخذه العيونُ الظاهرةُ قماشاً تلهو به الرياح، لكن البصيرة التي تقرأ لغة الجماد تعلم أن هذه الرقعة المنسوجة هي الجسد المرئي للأمة، وأن تلك الألوان المتآلفة ليست سوى خلاصة مهجة الشهداء وأحلام الأحياء. إنه اليمن وقد تجلى في لحظة بصرية جامعة، حاصراً جغرافيا الوطن من صعدة إلى المهرة، ومن صنعاء إلى عدن، في صورة صامتة تنطق بكل لغات الانتماء.

تحول المكان إلى مؤسسة

حين يعلو العلم بناءً حكوميا يحدث انقلاب جوهري في ماهية ذلك المكان. فالجدران التي كانت أسمنتاً وزجاجاً تتحول إلى كيان مقدس قانونياً، إلى خلية نابضة في كيان الدولة. وكأن العلم يخاطب الحجر فيجيبه: “قم فإنك اليوم وطن”. إنها طقوس الصباح التي يمارس فيها الجماد معجزة التحول إلى مؤسسة، حيث تكتسب الجدران روحاً، وتصير المكاتب محاريب لصناعة القرار السيادي.
قد يتساءل البعض أيّ أهمية لقطعة قماش في زمن الاضطراب والدمار? وغفل هؤلاء أن الأمم لا تقوم على الجدران وحدها، بل على الرموز التي تمنح الجدران معناها. فالعلم ليس زينةنضيفها إلى المشهد ، بل هو المشهد في أسمى آياته، إنه اليمن كلّه في سبع عشرة ثانية من التأمل، هو صبر النساء وكفاح الرجال، وصمود الجندي في الثغور، ودمعة الأم على شهيدها، وبسمة الطفل الذي لا يزال يؤمن بأن الغد أجمل.إهمال العلم، إذاً، ليس هفوة إدارية تغتفر. إنه تغييب للدولة في أمسّ لحظات حضورها فالمؤسسة التي لا يظللها علم هي مؤسسة معلقة في الفراغ القانوني، لا تعرف لمن تنتسب، ولا تدرك باسم من تتكلم إنها كإنسان فقد ذاكرته، يمشي بين الناس لا يعرف هويته ولا يعرفونه. جسد بلا روح، وكيان بلا عنوان.

صورة الرئيس بوصلة المؤسسات

وإذا كان العلم هو الوجه الذي تراه العيون، فإن صورة رئيس الدولة هي القبلة التي تستدل بها المؤسسات على اتجاهها ففي كل مكتب حكومي، تشرف صورة الرئيس من الجدار، شاهداً صامتاً على ما يجري. قد يسافر الرئيس، قد يخلد إلى النوم، قد ينشغل، لكن صورته لا تغيب هي الحضور الدائم، والضامن الرمزي لاستمرارية كيان الدولة ليست تلك الصورة تكريماً لشخص الرئيس، بل تجسيداً للفكرة التي يحملها. إنها البيعة المتجددة كل صباح، تذكير دائم للمسؤول بأنه ليس مالكاً للسلطة، بل أميناً عليها. بأنه يعمل باسم رئيس الدولة وبموجب الدستور، وأن أي قرار يصدر عنه لا بد أن يظل في إطار هذه الشرعية هي حبل السرة الذي يربط أصغر دائرة حكومية بأعلى قمة الهرم، حائلاً دون انفلاتها أو انعزالها عندما تغيب هذه الصورة أو تهمل، فإنها تبعث برسالة صامتة لكنها بليغة هذه المؤسسة لا ترى نفسها جزءاً من هذه الشرعية، إنه طعن ناعم في شرعية النظام، لا يبلغ درجة العصيان المعلن، لكنه يؤدي مع الزمن وظيفة التآكل نفسها. كالماء يقطر على الصخر قطرة قطرة، لا يُحدث دويّاً، لكنه مع الأيام يفلق الصخر شطرين.

اليمين الدستورية.. جسر بين الأجيال

اليمين الدستورية التي يؤديها المسؤولون أمام رئيس الدولة هي لحظة الميلاد الجديد في حياتهم الوظيفية. لحظة يتوقفون فيها عن كونهم أفراداً عاديين، ليصبحوا تجسيداً للدولة في مواقعهم. كلمات يسيرة ينطقونها، لكنها تغير كل شيء. فمن بعدها، أقوالهم تصبح قرارات، وصمتهم يتحول موقفاً، وحضورهم يصبح مؤسسة.تأمل اليمين جيداً، تجدها جسراً معقوداً على ثلاث طبقات: جسر مع الماضي، تعترف به الأجيال الحالية أنها امتداد لسلسلة طويلة من خدمة الدولة، وأنها لن تكون آخر حلقاتها. جسر مع الحاضر، تعلن فيه للشعب أنها تحت طائلة المساءلة، وأن سلطتها مستمدة من ثقة المواطنين. وجسر مع المستقبل، تتعهد فيه للأجيال القادمة بأنها ستسلم الدولة أقوى مما تسلمتها.فالحنث بهذه اليمين، إذاً، ليس مجرد إخلاف بوعد. إنه قطع لهذه الجسور الثلاثة مجتمعة هو تفكيك للعقد الاجتماعي، ونسف للثقة بين الحاكم والمحكوم، وتدمير لمستقبل الأجيال. فعندما يحنث مسؤول بيمينه، إنما يخون من حلف أمامهم، ويخون من سيأتون بعده، ويخون من سبقوه ممن حفظوا الأمانة.

جدلية الشكل والمضمون

قد يقول قائل إن رفع العلم وصور الرئيس أمور شكلية بينما اليمين والدستور أمور جوهرية لكن هذه ثنائية خادعة ففي القانون كما في الحياة، الشكل والمضمون وجهان لعملة واحدة، اليمين الدستورية هي القول، والرموز الوطنية هي الفعل الذي يجسد هذا القول حين يقول المسؤول: “أقسم بالله العظيم أن أحترم الدستور والقانون”، ثم لا يرفع العلم، ولا يضع صورة الرئيس، يصبح قوله بلا معنى يصير كمن يقول “أنا أحبك” ثم يدير ظهره فالرموز الوطنية هي ترجمة اليمين الدستورية إلى لغة مرئية هي التي تجعل من الكلمات المجردة مشهداً ملموساً، ومن الالتزامات القانونية حضوراً يومياً، ومن الدولة فكرة متجسدة تراها العين المجردة. وبدون هذه الترجمة، تظل اليمين حبراً على ورق، تذروه رياح النسيان مع أول اختبار.

خطر التحول إلى قاعدة

الخطر الأعظم لا يكمن في المخالفة الفردية، بل في تحول هذه المخالفة إلى قاعدة فالتساهل مع مسؤول لا يرفع العلم يخلق سابقة خطيرة. إذا لم يعاقب الأول، تجرأ الثاني، واقتدى الثالث، وعمت الظاهرة. عند لحظة معينة، يصبح عدم رفع العلم هو القاعدة، ورفعه هو الاستثناء. وهنا تكون الدولة قد انهارت من الداخل، لا بفعل عدو خارجي، ولابمؤامرة مدبرة، بل بفعل التآكل الرمزي البطيء الذي يفتت هيبتها يوماً بعد يوم.
تأمل النسيج الدستوري للدولة كنسيج حقيقي الدستور هو الخيوط الأساسية التي تشكل الهيكل، القوانين هي الخيوط الداعمة التي تمنحه المتانة، المؤسسات هي الإبرة التي تنسج هذه الخيوط معاً، والرموز الوطنية هي الزخارف التي تعطي للنسيج جماله وهويته. عندما تهمل الزخارف، يفقد النسيج جماله. وعندما يفقد جماله، يبدأ الناس في الاستغناء عنه. وعندما يستغنون عنه، ينهار النسيج كلّه.

استعادة الدولة تبدأ من استعادة رموزها الحقيقة التي يجب أن نعيها جميعاً هي أن استعادة الدولة تبدأ من استعادة رموزها. ليس هذا كلاماً شعرياً نزين به خطاباتنا، بل هو قانون سياسي أثبتته تجارب الأمم عبر التاريخ. فكل دولة انهارت، كان انهيارها يبدأ بانهيار رموزها قبل مؤسساتها. وكل دولة نهضت، كانت نهضتها تبدأ بإعلاء رموزها. فالرموز ليست نتيجة الاستقرار، بل هي شرطه المسبق.لذلك، فإن المطالبة برفع العلم وصور الرئيس ليست مطالب شكلية يمكن تأجيلها لحين استقرارالأوضاع. إنها مطالب وجودية، هي المطالبة بأن تكون الدولة حاضرة هنا والآن، وأن تكون المؤسسة معبرة عما تفعله، وأن تكون الشرعية ظاهرة للعيان. والمطالبة بذلك هي واجب وطني قبل أن تكون حقاً قانونياً.والمساءلة عن التقصير في ذلك ليست تشدداً أو تعصباً، بل هي حماية للدولة من أعدائها الخفيين أولئك الذين لا يحتاجون إلى إسقاطها بالرصاص والصواريخ، يكفيهم أن يفرغوها من مضمونها تدريجياً، حتى تصبح قشرة فارغة، وجسداً بلا روح. أولئك الذين يعرفون أن إهمال الرموز هو مقدمة لإهمال كل شيء.في النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه كل مواطن يمني، في عدن أو صنعاء أو تعز أو حضرموت، في الداخل أو الخارج: أين دولتي?
والدولة، في أبسط تعريفاتها وأعمقها معاً، هي حيث يكون العلم مرفوعاً. هي حيث تكون صورة الرئيس موجودة هي حيث تكون اليمين محفوظة هي حيث يكون المواطن واثقاً أن من يدير شؤونه يعرف لمن يتبع، ولمن يلتزم، وباسم من يتحدث هذه ليست تفاصيل صغيرة يمكن التغاضي عنها هذه هي الدولة ذاتها في جوهرها هذا هو اليمن الذي نريد وما عدا ذلك، فهو سراب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية