في الوقت الذي يعاني فيه أبناء محافظة الحديدة من أوضاع معيشية قاسية وانعدام لمصادر الدخل وارتفاع متواصل في تكاليف الحياة، تلجأ المليشيات الحوثية إلى أساليب ملتوية لاستغلال هذه المعاناة وتحويلها إلى وسيلة تجنيد قسري غير مباشر مستهدفة هذه المرة شريحة واسعة من أصحاب الدراجات النارية.
لقد عمدت المليشيات إلى تقديم ما يبدو في ظاهره “تسهيلات” لأصحاب الدراجات عبر إغرائهم بإعفاءات جمركية وتسهيلات إدارية، لكن هذه الامتيازات لم تكن يوماً بلا مقابل.. فالثمن المطلوب لم يكن مالاً بل كان الحضور الإجباري لما تسمى بالدورات الثقافية وهي في حقيقتها برامج تعبئة فكرية ذات طابع طائفي تهدف إلى غسل الأدمغة وإعادة تشكيل وعي المشاركين بما يخدم مشروع المليشيات وأجندتها القتالية.
هذه الدورات لا تقف عند حدود التلقين الفكري بل تتحول تدريجياً إلى مسار تجنيد منظم، حيث يدفع بالمشاركين لاحقاً إلى الالتحاق بجبهات القتال مستغلين مهاراتهم في قيادة الدراجات النارية لاستخدامهم في مهام ميدانية شديدة الخطورة كثير منها أقرب إلى العمليات الانتحارية التي لا تراعي أدنى معايير السلامة أو قيمة الإنسان.
إن ما تقوم به المليشيات يمثل استغلالاً مزدوجاً.. استغلال الحاجة الاقتصادية للمواطن البسيط الذي يبحث عن وسيلةٍ لكسب رزقه واستغلال مهارته المهنية وتحويلها من وسيلة حياة إلى أداة حرب
وبدل أن تكون الدراجة النارية وسيلة للعمل والتنقل وتوفير لقمة العيش تحولها المليشيات إلى وسيلة زج بأصحابها في أتون معارك عبثية لا تخدم الوطن ولا الإنسان بل تستخدم لإطالة أمد الصراع وتعميق معاناة المجتمع..
الأخطر من ذلك، أن هذا الأسلوب يكشف عن عجز المليشيات عن الإقناع الحقيقي فلجأت إلى الإغراء الاقتصادي المقنع وربطت الإعفاءات الجمركية بالولاء الفكري في انتهاكٍ واضح لحرية الإنسان وحقه في العمل بعيداً عن الابتزاز السياسي والعسكري.. إن أبناء الحديدة المعروفين بسعيهم الشريف وراء الرزق لم يكونوا يوماً وقوداً للحروب ولا أدوات لمشاريع ضيقة وما يحدث اليوم هو محاولة ممنهجة لسلخ المجتمع عن طبيعته المدنية ودفعه قسراً نحو العسكرة.
إن الواجب الوطني والإنساني يقتضي كشف هذه الممارسات ورفض تحويل احتياجات الناس إلى وسائل تجنيد والتأكيد أن كرامة المواطن وحقه في العيش الآمن لا يمكن أن تكون ورقة ضغط بيد أي جماعة.. فالحديدة التي عرفت العمل والتجارة والبحر والحياة لن تقبل أن تتحول طرقاتها إلى ممرات للموت، ولا أن يصبح شبابها مشاريع خسارة في عمليات انتحارية لا تعنيهم.