يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من عبدالله العطار:
في تصعيد خطير يعكس الرغبة في إحكام القبضة على ما تبقى من مفاصل العدالة، كشف تقرير حقوقي حديث عن حصاد مرير من الانتهاكات الممنهجة التي تمارسها جماعة الحوثي بحق المحامين والمحاميات في العاصمة المختطفة صنعاء.
التقرير الذي حمل عنوان “محامون تحت القمع”، وصدر عن منظمة “دي يمنت للحقوق والتنمية”، لم يكن مجرد رصد إحصائي، بل جاء كصرخة استغاثة مهنية تصف واقعاً كارثياً تعيشه “جناح العدالة الثاني”، حيث وثق التقرير 382 انتهاكاً جسيماً خلال الفترة من مطلع عام 2023 وحتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، ما يشير إلى استراتيجية حوثية واضحة تهدف إلى تجريف المهنة وتحويلها إلى أداة تابعة لمشروعها السياسي والعقائدي.
أرقام صادمة.. تصاعد دراماتيكي لمنحنى الانتهاكات
كشفت البيانات الإحصائية التي تضمنها التقرير عن مسار تصاعدي مقلق في حدة الاستهداف، حيث سجل عام 2025 الذروة بـ 159 حالة انتهاك، مقارنة بـ 135 حالة في عام 2023 و88 حالة في عام 2024. هذا التذبذب المتبوع بقفزة حادة يفسره مراقبون بأنه انتقال من مرحلة التضييق الإداري إلى مرحلة “البطش المباشر”، لا سيما مع ارتفاع معدلات الاعتداءات الجسدية واللفظية التي لم تفرق بين محامٍ مخضرم أو محامية تمارس حقها القانوني في الدفاع عن موكليها.
وتنوعت طبيعة هذه الجرائم لتشمل طيفاً واسعاً من التجاوزات التي تضرب عرض الحائط بالدستور اليمني والقوانين الدولية؛ إذ رصدت المنظمة 12 حالة اختطاف، و7 حالات إخفاء قسري، بالإضافة إلى 83 حالة اعتداء جسدي وإصابات. ولم تقتصر الانتهاكات على الفضاء العام أو ردهات المحاكم، بل امتدت لتطال حرمة المنازل بـ 6 حالات اقتحام، ووصل الأمر إلى حد ممارسة التعذيب والمعاملة القاسية في 5 حالات موثقة، ما يعكس توحش الأجهزة الأمنية التابعة للجماعة في التعامل مع حماة القانون.
وفي سياق متصل، برز “الترهيب المهني” كأداة أساسية للسيطرة، حيث شكلت حالات التهديد والتحريض النسبة الأكبر بواقع 30% (115 حالة)، تلتها عمليات الطرد المهين من قاعات المحاكم بنسبة 26%. هذه الأرقام تؤكد أن الهدف ليس مجرد معاقبة أفراد، بل خلق بيئة طاردة للمحامين تجعل من ممارسة المهنة مخاطرة غير مأمونة العواقب، وتدفع بالكوادر القانونية نحو الانكفاء أو الرضوخ للإملاءات الأمنية.
استراتيجية “تكميم الأفواه”: تغييب الدفاع لشرعنة الانتهاكات
يرى التقرير أن استهداف المحامين ليس فعلاً عشوائياً، بل هو فعل “ممنهج” يرمي إلى تعطيل وظيفة الدفاع القانوني وتقويض ضمانات المحاكمة العادلة. فمن خلال منع المحامين من الترافع (55 حالة) وطردهم من المحاكم، تسعى الجماعة إلى تجريد الضحايا من أي غطاء قانوني، مما يسهل تمرير الأحكام السياسية الجائرة تحت غطاء “القضاء” الذي تم إفراغه من محتواه المستقل.
وفي هذا الصدد، يؤكد المحامي خالد الريمي، نائب رئيس نقابة المحامين في مأرب، أن استهداف المحامين يأتي في سياق سياسة تكميم الأفواه، موضحاً في تصريح خاص لـ”يمن مونيتور” أن: “المحامين هم الفئة الأكثر قدرة على كشف الاختلالات والانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون، وهو ما يجعلهم هدفاً مباشراً للاختطاف والابتزاز والإهانات، بهدف إسكات أي صوت قانوني يجرؤ على كشف عوار الممارسات الحوثية”.
هذا الاستهداف لم يتوقف عند الحدود الجندرية، حيث طالت الانتهاكات 86 محامية بنسبة 23%، ما يشير إلى رغبة الجماعة في كسر الخصوصية المجتمعية والمهنية للمرأة العاملة في سلك المحاماة. إن اتساع نطاق القمع ليشمل الجنسين وفي كافة مديريات أمانة العاصمة العشر، يعكس شمولية المعركة التي تخوضها الجماعة ضد منظومة الحقوق والحريات، ومحاولتها إحلال سلطة “المشرف” محل سلطة “النصوص القانونية”.

تقويض “حصن العدالة”: تسييس القضاء وإحلال الموالاة
يتجاوز القمع الحوثي فكرة الاعتداء الجسدي ليصل إلى تدمير البنية التشريعية لمهنة المحاماة والسلطة القضائية. فمن خلال التعديلات القانونية الأخيرة التي فرضتها الجماعة، يتم السعي إلى شرعنة إدراج عناصر غير مؤهلة من الموالين لها في سلك القضاء، وهو ما وصفه المحامي فهد الوصابي بمحاولة “إسكات المحامين وإخضاعهم لسيطرة الميليشيات والتدخل الفج في شؤون نقابتهم”.
ويضيف الوصابي في حديثه لـ”يمن مونيتور” أن الاعتراض على هذه التعديلات كان شرارة لتصعيد الانتهاكات، محملاً في الوقت ذاته مجلس القضاء الأعلى في مناطق الحكومة الشرعية المسؤولية عن “سلبية التحرك لحماية المواطنين ومساءلة المتورطين”. إن هذا الربط بين التعديلات القانونية والانتهاكات الميدانية يكشف عن رغبة الحوثيين في خلق “قضاء موازٍ” لا يعترف باستقلالية المهنة أو حصانة المحامي.
من جانبه، شدد فهمي الزبيري، مدير مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة، في حديثه لـ”يمن مونيتور”: على خطورة الوضع بقوله: “المحامون في مناطق سيطرة الحوثيين يتعرضون لأبشع الانتهاكات التي وصلت إلى اعتقالهم ومحاولات اغتيالهم وتهديدهم بشكل مباشر، والهدف النهائي هو العبث بالمؤسسة القضائية وهدمها كلياً”.
مشيراً إلى أن المحاميات ينلن نصيباً وافراً من المضايقات والمنع من الترافع في إطار هذا العبث الممنهج.
نحو تحرك دولي لكسر قيود القمع
اختتمت منظمة “دي يمنت” تقريرها بمطالبات حازمة وجهتها للمجتمع الدولي والحكومة اليمنية، بضرورة الوقف الفوري وغير المشروط لكافة أشكال الملاحقة والاعتقال التعسفي، مع التشديد على ضرورة الإفراج العاجل عن المحامي عبدالمجيد صبرة وكافة زملائه المحتجزين خلف القضبان دون مسوغ قانوني.
إن بقاء الانتهاكات بحق المحامين بعيداً عن مقصلة المساءلة الدولية، يمنح جماعة الحوثي ضوءاً أخضر للاستمرار في تقويض الحق في الدفاع، وهو ما يتطلب تفعيل ولاية المقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين بالأمم المتحدة، وإدراج هذه الجرائم ضمن تقارير مجلس حقوق الإنسان لضمان عدم الإفلات من العقاب. فالمحامي ليس مجرد صاحب مهنة، بل هو السور الأخير الذي يحمي حقوق المواطن، وانهيار هذا السور يعني الدخول في نفق مظلم من الفوضى القضائية التي لن ينجو منها أحد.
The post بين سندان الترهيب ومطرقة القمع.. كيف يقوم الحوثيون بتركيع مهنة المحاماة في صنعاء؟ appeared first on يمن مونيتور.