في قرية معلقة بين الجبل والوادي شمال غرب محافظة حجة، تبدأ صباحات أم داوود، بإشعال موقد الحطب ووضع دلة القهوة على الجمر، ثم تمد يدها إلى مذياع قديم معلق على جدار غرفة إسمنتية عتيقة، تدير الزر، فينساب صوت خافت ودافئ، كهمس جار قديم يروي الحكايات.
لم يكن ذلك الصوت مجرد نشرة أخبار، بل مدرسة غير معلنة، ورفيق وحدة، وجسرا يصل القرية بالعالم الخارجي، في ظل طرق جبلية وعرة، وانقطاع الكهرباء، وضعف شبكات الاتصال، في مثل هذه القرى، ظل المذياع لعقود الوسيلة الأكثر حضورا واستقرارا، خصوصا لدى النساء وكبار السن والمزارعين.
يصادف الثالث عشر من فبراير من كل عام اليوم العالمي للإذاعة، تقديرا لدورها في تشكيل وعي المجتمعات، وفي الريف اليمني ما يزال المذياع حاضرا في حياة الفلاح والخياط وبائع الدكان والنجار، بفضل سهولة استخدامه وانخفاض تكلفته، رغم زحف التكنولوجيا وانتشار الهواتف الذكية.
مواضيع مقترحة
- الإذاعة.. حضور بالأرياف رغم طفرة تطور وسائل الإعلام
- الريف اليمني.. الغائب الأكبر في أجندة الإعلام المحلي
- دواوين الأرياف.. كيف سلبت الهواتف روحها الاجتماعية؟
تقول أم داوود لـ”ريف اليمن”، وهي تضبط الهوائي بحركة اعتادتها:”تعلمت من الإذاعة أشياء كثيرة، كيف أعتني بالمحصول، كيف أقرأ القرآن، وكيف أعرف ما يحدث خارج الريف ولولا هذا الصوت، لبقينا معزولين”.
بدايات مبكرة
لم يكن حضور المذياع في الريف اليمني حدثا عابرا، بل امتدادا لبدايات مبكرة للبث الإذاعي في البلاد، فقد انطلق أول بث إذاعي عام 1940 من مدينة عدن مع إنشاء “إذاعة عدن”، التي عرفت لاحقا بـ”راديو عدن”، كأول إذاعة رسمية في الجزيرة العربية ببث يومي منتظم.
وفي شمال اليمن، بدأ البث عام 1947 بمحتوى ديني وإمكانات محدودة، قبل أن يشق الصوت طريقه تدريجيا إلى القرى، حيث تحول المذياع إلى نافذة للخبر وركن ثابت في الذاكرة الريفية.
ومع الوقت، أصبح الريف جزءا أساسيا من الخارطة البرامجية للإذاعات اليمنية، إذ ركزت العديد من البرامج على الزراعة والمطر والثروة الحيوانية، إلى جانب قضايا الصحة والتعليم والتراث.

يقول مدير إذاعة سيئون الأسبق، أحمد بن زيدان، لـ”ريف اليمن”:”تبنى برامج الريف على احتياجات المجتمع ونتائج استبيانات المستمعين، وتشمل مجالات الزراعة والصحة والتعليم والتراث، إلى جانب البرامج الثقافية والترفيهية والدرامية التي تلامس واقع وآمال المجتمع الريفي”.
يتحدث محمد يحيى، وهو مزارع تجاوز الخمسين، قائلا:” قبل عقدين أو ثلاثة من الألفية، كان المذياع الوسيلة الإعلامية الوحيدة تقريبا، لذلك كان أهل القرية يتحلقون حول جهاز واحد، ثم بدأ الناس يشعرون بأهمية امتلاكه مهما كان ثمنه”.
رفيق المطبخ والحقول
كما فعلت أم داوود حين باعت بعض حليّها لشراء جهاز يعوضها عما فاتها من تعليم، وسرعان ما تبعتها نساء القرية، فأصبح المذياع رفيق المطبخ والحقول، يملأ البيوت بأصوات البرامج المختلفة.
الحاج صالح، مزارع حضرمي تجاوز السبعين، يستعيد تلك المرحلة بابتسامة:”كنا نجتمع مساء في الديوان حول المذياع، نسمع الأخبار من صنعاء وعدن، ونتابع البرامج الزراعية تعلمنا مواعيد الأمطار، وأنواع البذور، وطرق مكافحة الآفات”.
بن زيدان:ما تزال الإذاعة قادرة على الوصول إلى المناطق النائية، وصناعة ذاكرة جماعية عبر برامجها الإخبارية والثقافية والدرامية
ويضيف لـ”ريف اليمن”:لم يكن الصوت ناقلا للمعلومة فقط، بل صانعا للوقت والطقوس اليومية، فنشرة الظهيرة تعلن استراحة العمل، وبرنامج المساء يرافق جلسات السمر، وإذاعة القرآن الكريم تلازم الفجر والمغرب”.
تحتفظ القرى بذاكرتها عبر الحكايات والأغاني والأصوات، وجاءت الإذاعة لتضيف أرشيفا سمعيا غير مكتوب صوت مذيع أعلن حدثا تاريخيا، أو حذر من سيول، أو بشر بموسم زراعي جيد. لحظات لم تُدوَّن في دفاتر، لكنها استقرّت في الوجدان.
تقول بشرى الغيلي، مذيعة في إذاعة «أثير إف إم»:”أن يسكن صوتي ذاكرة قرية، يعني أنني أصبحت ابنة لتلك الأرض، وصوتا لمن لا صوت لهم في القرى، الذاكرة ليست رفاهية، بل تاريخ يحفر في الوجدان”.
الإذاعة والعصر الرقمي
خديجة علي، معلمة ريفية تقول:”حين أسمع نشيدا قديما من الإذاعة، أعود فورا إلى طفولتي، إلى بيتنا الطيني، وإلى أمي وهي تخبز الصوت يحمل الذاكرة أقوى من الصورة”.
وتستحضر الغيلي موقفا مؤثرا حين تواصلت معها إحدى المستمعات بعد حلقة تناولت تسرب الفتيات من التعليم، وأخبرتها أنها قررت العودة إلى الدراسة متأثرة بما سمعت،”كانت تلك أعظم مكافأة يمكن أن يمنحها الصوت لإنسان”، تقول الغيلي.

لم تستطع التكنولوجيا أن تقضي على الراديو، ويقول عبدالمجيد صالح، طالب بجامعة سيئون:”أستمع إلى الراديو أحيانا في السيارة أو عند انقطاع الإنترنت، لكنه ليس خياري الأول”. ويضيف:”في العصر الرقمي نلجأ إليه حين لا تتوفر الخيارات الأخرى”.
مع تغيّر علاقة الجيل الجديد بالصوت، إذ أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل المصدر الأول للمعلومة والترفيه ومع ذلك، لا تزال الإذاعة تحتفظ بأهميتها في القرى التي تعاني من ضعف الشبكة وارتفاع كلفة الإنترنت وانقطاع الكهرباء.
مستقبل الصوت
يؤكد مدير إذاعة سيئون أن الإذاعة المحلية ما تزال قادرة على الوصول إلى المناطق النائية، وصناعة ذاكرة جماعية عبر برامجها الإخبارية والثقافية والدرامية، إلى جانب إبراز التراث والفنون الشعبية، ويرى أن مستقبل الصوت الإذاعي واعد، خاصة مع مواكبة الإذاعات المحلية للتطور الرقمي عبر البث التقليدي والتطبيقات والمنصات الإلكترونية.
ما يزال المذياع حاضرا بقوة في الأرياف، كونه الوسيلة الأسهل وصولا والأقل كلفة، ولا يشغل المستمع عن عمله كما تفعل الشاشات، يمكن للفلاح أن يزرع، وللخياط أن يخيط، وللنجار أن يعمل، بينما يرافقهم الصوت.
ما يزال المذياع حاضرا في الريف اليمني رغم زحف التكنولوجيا وانتشار الهواتف الذكية بفضل سهولة استخدامه وانخفاض تكلفته
ورغم التحولات الرقمية المتسارعة، لا يبدو أن الإذاعة في الريف اليمني تتجه إلى الزوال، لكنها مطالبة بإعادة تعريف دورها، عبر برامج تفاعلية ومحتوى محلي يعكس لهجة الناس وهمومهم، وربط البث التقليدي بالمنصات الرقمية للوصول إلى الأجيال الجديدة.
تؤكد الغيلي أن الخطاب الإذاعي لم يعد رسميا جافا كما كان، بل أصبح أكثر قربا من الناس، إنسانيا وبسيطا، يلامس همومهم اليومية، خصوصا قضايا المجتمع الريفي، إنه ذاكرة جماعية، وصوت لا يشيخ، ونافذة تفتحها بطارية صغيرة على عالم أوسع من الجبال والوديان.
وكانت دراسة لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي أظهرت أن إقبال اليمنيين على الإذاعات تنامى لعوامل كثيرة، أهمها توقف الصحف الورقية وانعدام الكهرباء والتكلفة المالية للإنترنت، إضافة إلى سهولة وصول الإذاعة للمستمعين في كل مكان بوسائل ممكنة ورخيصة.
وأكدت الدراسة أن هذه الطفرة في الإذاعات المحلية لم تكن إلا نتيجة للاستجابة الواسعة من شريحة واسعة في المجتمع والإقبال على سماعها لظروف استثنائية قد تتغير.