اليمن بين خيار التغيير التوافقي ونزعة الانتقام: قراءة في مسار تقويض الدولة بعد ثورة 11 فبراير
أهلي
منذ ساعتين
مشاركة

يمن مونيتور / وحدة التحاليل / خاص

في الذكرى الخامسة عشرة لثورة 11 فبراير، لا تبدو القراءة في أوراق الماضي مجرد ترف فكري، بل هي ضرورة لفهم كيف جرى تقويض الدولة اليمنية، وفتح الملفات التي شهدتها اليمن بين عامي 2012 – 2014، وتشكل تحالفات “النكاية السياسية” ودوافع الانتقام إلى سقوط مريع للدولة في فخ الانقلاب الحوثي. يتتبع هذا التقرير محطات صناعة الأزمات التي قادها علي عبدالله صالح، بدءاً من تعطيل المبادرة الخليجية، وصولاً إلى تسليم مفاتيح المدن للمشروع الإمامي والانقلاب على الجمهورية والثورة، ومحاولة وأد حلم اليمنيين بدولة مدنية حديثة.

بخلاف دول الربيع العربي كانت ثورة 11 فبراير في اليمن تقود إلى مسار تجربة جديدة في انتقال السلطة، وإحداث التغيير، من خلال توافق وطني، واتفاق واضح قدمته المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ورقابة دولية، وبعد 9 أشهر من الفعل الثوري والحوار السياسي، تم التوقيع في نوفمبر 2011م على نقل السلطة؛ تتضمن مرحلة انتقالية من عامين، تبدأ بنقل السلطة من الرئيس لنائبه، يحصل النظام وأركانه على الحصانة، وتتشكل الحكومة بالمناصفة؛ يحتفظ النظام بـ 50% وقوى الثورة تشارك بنصف، إعادة هيكلة الجيش، وإقامة الحوار الوطني الشامل، وصياغة دستور جديد، إقامة انتخابات تُكسب السلطة الجديدة الشرعية، ورفع ساحات الاعتصام والبدء بمسار العدالة الانتقالية، رؤية متكاملة تلبي تطلعات الشعب اليمني من جميع الفئات.

بدأ علي صالح المحتفظ بالمال والنفوذ ويشارك بنصف الحكومة، ليدشن حرب شعواء بدافع الانتقام من كل شيء، ويحقق ما ظل يهدد به المعارضة كلما رفعت صوتها بـ “هدم المعبد عليّ وعلى أعدائي” لم ينتقم من شباب الثورة الذين عبروا سلمياً عن حقهم الدستوري، لكنه هدم الدولة، وتحالف مع مشروع الإمامة الجديدة، الحوثيين، فانقلب على ثورة 26 سبتمبر والنظام الجمهوري، ومد يده للأعداء التاريخيين، وسقطت صنعاء ودخلت البلاد في حرب لم تنتهِ منها حتى اليوم.

المبادرة الخليجية .. التحول إلى المسار السياسي

 تحول مسار ثورة 11 فبراير إلى مسار سياسي، وانتهى الفعل الثوري، ومثل الحوار الوطني ومخرجاته الوثيقة التاريخية التي شخصت الواقع اليمني ووضعت الحلول بمشاركة واسعة من جميع الأطياف والفئات، ومنذ أول إعلان عن المبادرة الخليجية التي جاءت بطلب صالح للأشقاء بتاريخ 3 أبريل، حتى 23 نوفمبر من ذات العام، شهدت الساحة حوارات ونسخاً متعددة من البنود وآلية تنفيذية، حتى خلصت إلى التوقيع. حاول صالح الانقلاب على المبادرة، ولكن الفعل الثوري والحرص السعودي على كبح جماحه في بث الفوضى، والانزلاق نحو الحرب الأهلية، وحضور الثورة بزخمها مع الجيش المساند، أجبر صالح على تسليم السلطة، ليتحول بعدها إلى الفعل المضاد من خارج السلطة، ما يكشف تحوله للانتقام بكل ما ملك من نفوذ ومال لإجهاض الدولة التي لا يزال يملك نصفها، واختيار نائبه ليكون خليفته.

بعد انتقال السلطة بموجب المبادرة الخليجية، كانت الفرصة سانحة لبناء الدولة، فلا الثورة انتصرت بكامل مطالبها ولا وُئدت، كما أن النظام لم يسقط أو يرحل، كانت الحلول الوسط والمبادرة والرعاة حفاظاً على مؤسسات الدولة وتجنباً للحرب، مضى تيار الثورة في البناء وانخرط في نصف حكومة، وبقي النظام السابق مسيطراً على النصف الآخر، الذي تحول إلى نصف معطل، كما سنحت الحصانة المقدمة للنظام وأركانه مساحة من التحرك في تعطيل أي تغيير، أو تحسن في مسار بناء الدولة وتوفير الخدمات.

2012 .. عام صناعة الأزمات

 خاض علي عبدالله صالح صراعه الأول ضد هادي، ولم يمضِ شهر على تسليم الصلاحيات حتى هدد الأخير بأنه سيغادر صنعاء إذا استمرت ما وصفها بتدخلات الرئيس علي صالح ورموز نظامه في صلاحياته. وصل الأمر لترؤس ، صالح اللجنة الأمنية، رغم التوقيع على الاتفاق الذي ينص صراحة على تسليم الصلاحيات لنائبه، كما تعمد الدخول إلى دار الرئاسة وهادي مجتمع فيه، وأشارت تقارير حينها إلى امتلاكه مداخل سرية، ما استدعى هادي البقاء في منزله ورفض الانتقال.

خلال عام 2012، استخدم صالح نفوذه في مسار صناعة الأزمات، واستخدام علاقته بتنظيم القاعدة التي كشفتها شهادات ووثائق، لضرب الدولة التي تتشكل، تساقطت الطائرات في حوادث متكررة، تصاعدت الاغتيالات، أُريقت دماء الابرياء بالمفخخات، منها التفجير الذي شهده ميدان السبعين، ومواجهة القاعدة في أبين، وتحريض عصابات تخريب تستهدف أبراج كهرباء محطة صافر الغازية، فضلاً عن استغلال كتلته البرلمانية وحصته في الحكومة لعرقلة أي إصلاحات.

عام كامل خاض فيه حرباً شعواء لإفشال أي جهد لبناء الدولة الجديدة، بكل ما يملك من أدوات في الأمن والجيش والقبائل، والإعلام، والعلاقات لمنع تحقيق أي اختراق للسلطة الجديدة، التي اعتبرها كشفاً لفترة حكمه، ومع ذلك استطاعت الحكومة عمل إصلاحات في قطاعات الطاقة والكهرباء، واستقرار العملة واستيعاب الموظفين، وتنظيم الإيرادات، حيث كانت وزارة المالية المحسوبة على قوى الثورة توقف لأول مرة مخصصات أجهزة الأمن القومي والسياسي ولجنة القبائل حتى تعرف أين تذهب.

تحالف الثأر

اعتبر القيادي في ثورة 11 فبراير وليد العماري أن المسؤولية التاريخية لا تقبل القسمة، لكنها تتوزع كدوائر، واصفاً ما حدث من تحالف بين جماعة الحوثي وعلي عبد الله صالح بتحالف “الثأر” ومسؤوليته في استهداف الدولة مابعد ثورة 11 فبراير “قاتلة” باعتبارهم لم يمارسوا عملاً سياسياً، بل قرروا معاقبة الشعب اليمني كله لأنه تجرأ وحلم بالتغيير، فهدموا المعبد على رؤوس الجميع وسلموا الجمهورية للانقلاب نكايةً في فبراير، وحمّل القيادي في الثورة “النخبة السياسية والأحزاب” جزء من المسؤولية بسبب انشغالهم بتقاسم كعكة السلطة وهي مسمومة، وتركوا ظهر الدولة مكشوفاً بلا حماية، فسهلوا للانقلاب مهمته.

ويرى “العماري” أن شباب للثورة صدقوا الوعود وتركوا الساحات قبل أن يطمئنوا أن الدولة صارت في أمان، فكانت الطعنة غادرة وقاتلة حد وصفه واصفا ذلك بالبراءة السياسية، لكنه يعود ويؤكد أن الانقلاب هو المجرم المباشر والتحالف الذي قاد إليه المسؤول عن نسف الدولة. 

التبشير بالحوثي

 فشلت أدوات نفوذ صالح في إيقاف عجلة التغيير، وشكلت اختراقات حكومة باسندوة في عدد من الملفات الخدمية والمالية هاجس الانتقام السياسي إلى التحالف مع الحوثيين، وتحولت كل أدواته لتكون تحت خدمة المشروع الحوثي الذي وجد فرصة تاريخية لإعادة أمجاد الإمامة، وبدأ بالتمدد في صعدة بفضل الدعم الذي قدمه صالح.

في حروب عمران، استغل صالح نفوذه وعلاقاته مع مشايخ حاشد في فتح “الخط الأسود” وظهر في تسريب مسجل يتحدث بكلمات نابية في حق العميد حميد القشيبي قائد اللواء 310 مدرع الذي قُتل على أيدي الحوثيين بعد مواجهات شهدتها محيط مدينة عمران لأشهر. كما ظهر في تسجيل آخر يعود إلى 2014م يتحدث مع اللواء علي الجائفي قائد قوات الاحتياط حينها، يحذره من أي تحرك ضده خلال تأزم العلاقة بين الرجلين، ويتحدث بألفاظ عنصرية عن الرئيس هادي يقول عنه “صاحب أبين”.

اعتمد الحوثي في تمدده بعد إسقاط صنعاء على المؤتمر، ففي مناطق لا توجد حاضنة أو قبول للحوثيين، شكل المؤتمر بإيعاز من صالح الغطاء الذي أوصل الحوثي إلى الحديدة وإب وتعز، حتى وصل إلى عدن، ولا تزال التحركات من قبل القيادات الموالية لصالح لإرباك المشهد في عدن عقب وصول هادي بعد فراره من صنعاء شاهدة على ما فعله تحالف صالح مع الحوثيين.

تحولت كل القيادات القبلية والمحلية التابعة للمؤتمر في تهامة إلى حمل السلاح وشعارات الحوثيين والإعلان عن إسقاطها قبل أن تصل الأطقم، وسهل قيادات موالون دخول ميناء الحديدة والسيطرة على المنشآت الحيوية والأماكن الحساسة والمعسكرات في الساحل الغربي الممتد من ميدي شمالاً إلى باب المندب جنوباً.

تكرر الأمر في محافظتي إب وتعز، وكانت القيادات الموالية تعمل على إقناع الناس بعدم المقاومة حقناً للدماء والتسليم. وفي تعز كانت معسكرات “قوات الأمن الخاصة” (المركزي سابقاً) التابعة لصالح هي رأس الحربة في قصف المدينة واجتياحها، وبنفس الطريقة قاد العميد عبد الحافظ السقاف المقرب من صالح الفوضى في عدن وكانت المقدمة لسقوط المدينة أو أجزاء منها بيد صالح قبل الحوثيين، لتتحرك ألوية الحرس الجمهوري جنباً إلى جنب مع الحوثيين من ثلاثة محاور (أبين، لحج، الضالع) للوصول إلى عدن.

 انتقاماً من فبراير

يؤكد الباحث والمحلل السياسي عبدالرزاق قاسم أن المسؤولين عن نكبة البلاد معروفين إسماً وصورة، وأي مبادرات للتخفيف من الحديث عن فبراير أو الاحتفاء بها يجب أن تقابل بالتوقف عن مهاجمتها تحميلها إثم الخطيئة التي اقترفوها انتقاماً منها، وأأن ثورة فبراير لا تتحمل وزر ما حدث بعدها من تعطيل مسار بناء الدولة  ومن يجادل في ذلك يحاول تمرير غير الحقيقة ولا يخدع إلا نفسه، ويبقى كلامه محض إفتراء لأن الحقيقة أوضح وأقوى من حجبها.

ويرى “قاسم” أن لاعيب في الاعتراف بإخفاق ثورة فبراير في الوصول إلى غايتها الإستراتيجية وكم هي الثورات التي أخفقت سواءً كان في بداية تحركها أو بعد ذلك في تحقيق أهدافها وبالإمكان النظر لثورة فبراير كثورة ٤٨، ويرى أن تقييم الثورة ليس بمعايير اليوم وإنما بوضع البلاد عند اندلاعها. أمشيرالانهيارات التي تلتها كان من المحتمل حدوثها بفبراير أو بدونها، ولا داعي للدفاع عنها بعاطفية.

 

إفشال الحوار الوطني وسلسلة الاغتيالات

 برزت محاولات واضحة لإفشال الحوار الوطني الشامل، تزامن ذلك مع سلسلة اغتيالات استهدفت خلط الأوراق؛ أبرزها اغتيال مسؤول مكون الحوثي المشارك في الحوار أحمد شرف الدين في نفس اليوم المقرر فيه التوقيع الختامي على المخرجات النهائية للحوار، واغتيال محمد عبدالملك المتوكل، وعشرات الضباط، خاصة المنتمين لجهازي الأمن السياسي والاستخباري، وذلك لإرباك المشهد الأمني وإظهار السلطة الجديدة بمظهر العاجز عن حماية كوادرها، وبالنظر إلى المستفيد من تلك الأحداث يمكن الامساك بخيط الرجل الذي يقف خلفها، ثم إن دقة الإغتيالات والأسلحة المستخدمة، واختيار الشخصيات المستهدفة، تقود لإجابة واحدة، لقد حرص صالح من تلك الفوضى ضرب الثقة بين المكونات السياسية ودفعها للانسحاب من الحوار، وإعطاء مبرر للحوثيين الذين يحاورون في “موفنبيك” ويتمددون بقوة السلاح في صعدة وعمران وصولاً إلى صنعاء.

وبشكل أوضح، أوعز صالح لممثلي حزبه (المؤتمر الشعبي العام) في فرق الحوار الوطني التسع بوضع العراقيل أمام صياغة المخرجات، خاصة في قضية صعدة، والقضية الجنوبية، وشكل الدولة، لضمان عدم خروج الحوار بنتاجات توافقية، والاتجاه نحو الدستور الجديد وترسيخ أسس بناء الدولة.

الشراكة مع الحوثي والارتماء في أحضان إيران

 أعلن صالح الشراكة مع الحوثي، بعد علاقة ظلت في الخفاء وحاول إنكارها، لكن إعلان عاصفة الحزم حشرته في الزاوية، فقامر ودخل في شراكة علنية، وتم التوقيع في أغسطس 2016 على تشكيل المجلس السياسي الأعلى الذي يتقاسم صالح وحزبه من جهة والحوثيين أعضائه، وتخرج من رحم الشراكة في المجلس السياسي حكومة مناصفة، دفع صالح بكوادره والدائرة المقربة منه لتولي الوزارات، لكن المشرفين الحوثيين كانوا هم المسؤولين الفعليين في كل الوزارات والمؤسسات. وبذلك كان على “صالح” أن يقبل بالوضع الجديد، ومع اشتداد الخناق عليه، قرر المواجهة الأخيرة التي أطاحت به، وظلت أحقاده ودوافع انتقامه تلاحق اليمنيين في حربهم مع الحوثيين إلى اليوم، وبعد مرور عشر سنوات لا تزال المعركة على أشدها، ولا تزال العاصمة صنعاء تحت سيطرة شركاء صالح الذين رحب بهم وأوصلهم انتقاماً من قوى الثورة، لتعود اليمن كما لو كانت تعيش حقبة الستينات في حرب الجمهورية والملكية، لتبدأ مشوار الحفاظ على ثورة 26 سبتمبر والنظام الجمهوري في مواجهة الإمامة العنصرية الجديدة..

 

The post اليمن بين خيار التغيير التوافقي ونزعة الانتقام: قراءة في مسار تقويض الدولة بعد ثورة 11 فبراير appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية