رحلة الأموال المُشبوهة من الظِلِّ إلى قفص الاتهام
رسمي
منذ 6 ساعات
مشاركة

 

 

سبتمبر نت/ القاضي صلاح القميري

 

بين الواجهة الزجاجية والنوايا الخفيَّة، سردية الجريمة الرقمية خَلْفَ بريق الشَّاشات الصَّامتة في تلك المؤسسات الماليَّة المهيبة، حيث تَسْرِي الأرقامُ كالتيَّار الخفيّ، لم تكن حركةُ الأسهم هي اللُّغز الوحيد، كان ثَمَّةَ حكايةٌ تُنسَج في دهاليز مُحْكَمة الإغلاق؛ حكاية أموالٍ تخلعُ هويَّتها الآثمة لترتديَ ثوبَ المشروعيَّة، إنها سرديَّة “غَسْل الأموال”، الجريمةُ العابرة للقارَّات، التي تَبْرَعُ في تمويه أصول الرِّبْح الحرام، فتحوِّله – بلمسة ساحر – إلى ثروةٍ ناصعةٍ تُتَداول في وضح النَّهار.

تَبْدأ الفصول الأولى لهذه الملحمة الاجرامية غالبا في عوالمَ أخرى مُظلِمة، حيث تُرتَكَبُ الجريمة الأُمّ، سواءً أكانت تجارةً محظورةً أم سلباً منظمًا، لكنَّ الثمرةَ المسمومة لتلك الأفعال – الأموال العائدة – تواجه عائقاً مصيريًّا فهي بحاجةٍ إلى جواز سفرٍ شرعيٍّ لتدخل الاقتصادَ النَّظيف وهنا يأتي “العراجيش الجدد،، أولئك الذين لا يحملون سلاحاً، بل يحملون حساباتٍ مصرفيَّة معقَّدة، وشبكات تحويل دولي، واستثماراتٍ وهميَّة في عقارات فاخرة أو شركات قشِّيَّة.

إنها جريمةٌ لا تُقاس بثقل السُّلاح، بل بِبُراعة الخِداع الماليِّ وَسِعَةِ الخيال في التمويه. لكن، كيف يُمسَكُ بشَبَحٍ لا يتركُ أثراً مادِّياً؟ وكيف تُحاكَمُ أيادٍ لم تَسرق، بل اكتفت بتَطهير السَّرقة؟ هذا هو مَغزى التحوُّل التشريعيِّ الحاسم.

فالقانون، في بصيرته الحديثة، لم يَعُدْ ينظر إلى هؤلاء كمجرَّد أعوان تابعين لمرتكبي الجرائم الأصلية، بل رفعَ فعلَهم إلى مصاف الجريمة المستقلَّة.

لم يَعُدِ الأمرُ ينتظر حكماً باتًّا على مصدر المال الأصلي؛ فالمعيارُ الجوهريُّ هو إثبات الصِّلَة بين هذه الأموال ونشاط إجراميٍّ ما، مع قيام الشَّخص – بعلمٍ أو بإهمالٍ جسيم – بإخفاء هذه الصِّلة أو تَلطيفها.

وأحدُ أكثر المشاهد إثارةً في هذه المسرحية هو الدَّور الذي قد تلعبه المؤسساتُ الماليَّة نفسُها، وَعْياً منها أو غَفلة، تصوَّر موظَّفاً مصرفيَّاً يلاحظ تَدفُّقاً نقديَّاً ضخماً على حساب شركةٍ محدودة النشاط، بحركاتٍ سريعةٍ تتعارض مع طبيعتها. القانون هنا لا يقول له: هذا شأنُ أصحابه بل يُلقي على عاتقه عبئاً فاعلاً، هو واجبُ العناية الواجبة. عليه أن يتساءل، أن يتقصَّى، وأن يرفع رايةَ التحذير إذا ما استنشق رائحةَ شبهةٍ تلوح في الأفق وكانت الكلمة السحريَّة في النصِّ التشريعي: “يعلم أو كان ينبغي أن يعلم”. هذه العبارة هي الفخُّ الذهبيُّ الذي يُمسِكُ بالمتواطئ الذي يختبئ وراء ستار الجهل المتصنَّع. فالمصرفيُّ أو الوسيط الذي يُغمض عينيه عن عملياتٍ مشبوهةٍ جليَّة، مُتذرِّعاً بأنه “لا يعلم يقيناً”، لم يَعُدْ بمنجاةٍ من العقاب. إذا كان من ينبغي عليه – بحكم مهنته وتدريبه والظروف المحيطة – أن يَستدرك الحقيقة، فإنَّ سَيفَ المساءلة القانونية سيُطارده إنها محاكمةٌ للإرادة العمياء، وللتغافل المريب.

وتَتسع دائرةُ الحكاية لتشملَ أبطالاً من نوعٍ آخَر: “وحدة التحريات الماليَّة”. هؤلاء هم صيَّادو الظِّلال الرقميَّة، يستقبلون وابلَ البلاغات عن المعاملات المشبوهة، فيُفَلُّون هذا الكمَّ الهائلَ من البيانات بتقنياتٍ تحليليَّة مُتطوِّرة، باحثين عن النَّمط الشَّاذ، وعن الرِّحلة غير المبرَّرة لقطع النقود. وعندما تتكشَّف الصورة، تنتقل القضيةُ من عالم الإحصاء الصَّامت إلى قاعة المحكمة الصَّاخبة.

العقوبةُ في هذه السردية ليست تقليدية؛ فهي تضربُ في الصَّميم. فهي لا تستهدفُ الفاعلَ الفردَ فحسب، بل قد تصلُ إلى الشخصيَّة الاعتباريَّة للمؤسسة ذاتها. قد تَغرَم الشركةُ مبالغَ طائلة، ويُحاسَب مديروها بالتضامن، وتُسحَب تراخيصُ عملها، إنها ضربةٌ موجعةٌ للهيكل الذي يُتيحُ للجريمة أن تتنفَّسَ بهدوء.

في الخاتمة

تظلُّ قصةُ غسل الأموال صراعاً صامتاً بين ذكاءٍ إجراميٍّ متجدِّد وذكاءٍ قانونيٍّ يقظ. إنها معركةُ عصرنا السِّريَّة، حيث السِّلاحُ هو الخوارزميَّة، والميدانُ هو الأسواق الماليَّة العالمية، والغنيمةُ هي شرعيَّةٌ وهميَّةٌ تسعى للانصهار تحت شمس النَّهار. وهي تذكيرٌ بأنَّ القانون، حين يواكبُ تعقيداتِ العصر، يستطيع أن يُطوِّقَ الظِّلَّ، حتى وإن تحوَّلَ إلى أرقامٍ مضيئة على شاشة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية