بعد أن ظلت الدراسة الجامعية حلما بعيد المنال لأبناء القرى في محافظة الضالع جنوبي اليمن، أصبح الوصول إليها ممكنا مع افتتاح جامعة الضالع أمام الطلاب وخاصة القادمين من مناطق نائية في المحافظة، ومحافظتي إب والبيضاء.
خلف القاعات الدراسية الهادئة تقف حكايات من الإصرار اليومي، في أوساط الفتيات والشباب القادمين من مناطق ريفية، حيث يقطعون يوميا طرقا طويلة ووعرة، في رحلة تعليمية محفوفة بالتعب والمعاناة في سبيل تحقيق أحلامهم.
تقول الطالبة نعمة (اسم مستعار) إنها تبدأ رحلتها الدراسية اليومية من قريتها النائية في مديرية الرضمة بمحافظة إب، سيرا على الأقدام لمسافة طويلة لتصل إلى الخط الرئيسي حيث ينتظرها الباص الذي ينقلها مع زميلاتها إلى الجامعة.
مواضيع مقترحة
- جامعة تعز التربة: تسهيل لطلاب المناطق الريفية
- عميد كلية ناصر لحج: التعليم التطبيقي مفتاح الأمن الغذائي
- التخصصات الزراعية.. مسار أكاديمي يعود للواجهة
تستغرق الرحلة في الباص أكثر من ساعة، غير أن الوصول إلى مقعد الدراسة لا يعني انتهاء المشقة، إذ تبلغ تكلفة المواصلات اليومية نحو ألفي ريال يمني، وهو مبلغ يشكل عبئا ثقيلا على أسرتها ذات الدخل المحدود، كما تقول.
تضطر نعمة إلى مغادرة الجامعة قبل انتهاء محاضراتها بشكل متكرر، خشية أن يفوتها الباص الوحيد المتجه إلى قريتها، فاختلاف تخصصها عن زميلاتها يجعلها في سباق دائم مع الوقت، تختصر يومها الدراسي خوفا من أن تتعطل في طريق العودة الطويل.
رغم كل تلك المعاناة، تؤمن نعمة أن افتتاح الجامعة في دمت أحدث تحولا إيجابيا في نظرة المجتمع لتعليم الفتيات، فبعد أن كانت فكرة دراستها الجامعية تقابل بالرفض أو الاستغراب، أصبحت اليوم تلقى قبولا وتشجيعا، بل وألهمت فتيات أخريات في قريتها للسير في طريق التعليم.
تحلم نعمة بالتخرج والحصول على عمل يمكنها من الاعتماد على نفسها، ويخفف عن أسرتها أعباء الحياة، وقصتها، في جوهرها، ليست استثناءً، بل صورة مصغرة لإصرار الفتيات اليمنيات في الريف على انتزاع حقهن في التعليم، رغم الطرق الوعرة والتكاليف الباهظة.
نقلة نوعية
يرى محفوظ الشامي، ناشط من أبناء مديرية دمت، أن وجود جامعة الضالع أحدث نقلة نوعية في حياة أبناء المنطقة. ويقول لـ”ريف اليمن”: “أصبح بإمكان طلاب الريف مواصلة تعليمهم بعد سنوات من الحرمان، إذ كانت المسافات وتكاليف الدراسة تحول دون التحاقهم بجامعات صنعاء وتعز وذمار وإب وعدن”.
نعمة:افتتاح الجامعة في دمت أحدث تحولا إيجابيا في نظرة المجتمع لتعليم الفتيات بعد أن كانت فكرة دراستها الجامعية تقابل بالرفض أو الاستغراب
ويضيف:” افتتاح الجامعة لم يغير حياة الشباب فحسب، بل منح الفتاة الريفية فرصة حقيقية للدراسة حيث لم نشهد إقبالاً مماثلا من الفتيات على التعليم الجامعي كما نراه اليوم في جامعة الضالع”.
تشير تقارير دولية منها تقرير البنك الدولي العام الماضي إلى أن غالبية سكان اليمن يقيمون في المناطق الريفية، حيث تواجه الأسر صعوبات كبيرة في الوصول إلى التعليم، وخاصة التعليم العالي، بسبب غياب الجامعات الحكومية في هذه المناطق مما يحد من فرص الشباب والفتيات في التعليم.
لا تقتصر معاناة الوصول إلى الجامعة على الطالبات فقط، بل يمتد الأمر إلى طلاب الريف الذين يواجهون تحديات يومية للوصول إلى مقاعد الدراسة، بحسب نجم الدين قايد، طالب سنة أولى في قسم المحاسبة بالجامعة.
تحديات مشتركة
يقول قائد لـ “ريف اليمن”: أستيقظ في الخامسة فجرا، وإذا لم أجد سيارة تغادر القرية مبكرا، أبدأ رحلتي مشيا على الأقدام في سباق مع الزمن للوصول إلى قرية رمة أو الرحبة، وهناك أحاول العثور على طالب يدرس بالجامعة لديه دراجة نارية لأركب معه إلى الجامعة.”
ويضيف:” الاعتماد على الدراجات النارية ليس سهلا، فعددها قليل، وشراء واحدة أمر صعب، وإذا تأخرت أو استيقظت متأخرا، أفقد فرصة ركوب الدراجة أو السيارة المتاحة، فاضطر للموصلة مشيا حتى أصل إلى الخط الرئيسي وهذا يجعلني أفقد المحاضرة الأولى”.
يشير نجم الدين أنه أحيانا لا يجد بديلا سوى البحث عن مأوى عند أقارب أو أصدقاء في دمت لقضاء ليلة أو أكثر، ليتمكن من استكمال يومه الدراسي، ومع ذلك، يواصل رحلته بلا توقف، مصمما على إتمام دراسته رغم الصعوبات.
رئيس الجامعة:لدينا حاليا أربع كليات والجامعة تستوعب نحو 2200 طالب وطالبة من أكثر من 18 مديرية، ونحو بين 70% من طلاب الجامعة ينحدرون من المناطق الريفية
تتشابه رحلة نجم الدين مع عشرات الطلاب القادمين من مديريات ريفية مثل جبن والنادرة ودمت وقعطبة، حيث يعيش معظم السكان في القرى ويعانون من انعدام وسائل النقل مما يجعل الوصول إلى الجامعة تحديا يوميا للطلاب.
يسلط رئيس جامعة الضالع، الدكتور علي الطارق، الضوء على المراحل التي مرت بها الجامعة منذ تأسيسها، موضحا أن قرار إنشائها صدر عام 2008 إلى جانب خمس جامعات أخرى، لكن الأحداث التي شهدتها البلاد حينها حالت دون التنفيذ، إلى أن أعيد تفعيل القرار مؤخرا.
مئات الطلاب
ويوضح لـ”ريف اليمن”، أن الجامعة بدأت نشاطها في مباني معهد التعليم الفني بدمت سابقا، والتي يبلغ عددها سبعة مبان، تعرض اثنان منها للتدمير وبقي خمسة صالحة للدراسة، مبينا أن الجامعة تضم حاليا أربع كليات وتستوعب نحو 2200 طالب وطالبة من أكثر من 18 مديرية.
ويؤكد أن افتتاح الجامعة كان ضرورة ملحة، نظرا لانعدام الجامعات بالمنطقة حيث توجد أقرب جامعة حكومية على بعد نحو 150 كيلومترا، وهو ما جعل الدراسة خارج المنطقة عبئا ثقيلا، خاصة على الأسر الريفية والفتيات.
لافتا أن افتتاح الجامعة أسهم في ارتفاع نسبة التحاق الطالبات لتقترب من نسبة الطلاب الذكور، منوها أن دعم رجال الأعمال والمغتربين من أبناء المنطقة أسهم في تأهيل القاعات الدراسية، حتى أصبح لدى الجامعة فائض في القاعات يستوعب أكثر من ألف طالب.
وبحسب رئيس الجامعة فإن نحو 70% من طلاب الجامعة ينحدرون من المناطق الريفية في مديريات الضالع وإب، ما جعل الجامعة رافدا تنمويا وعلميا للمناطق الريفية، رغم أن الدعم الحكومي ما يزال محدودا جدا، داعيا إلى مساواة جامعة الضالع بالجامعات الحكومية الأخرى من حيث المخصصات التشغيلية.