تُحذر تقارير دولية من مخاطر تفشي المجاعة في اليمن، الذي يُصنف حالياً في المرتبة الرابعة عالمياً ضمن قائمة الدول الأكثر معاناة من انعدام الأمن الغذائي.
وبحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن التوقعات الخاصة بـ “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” للفترة الممتدة من سبتمبر 2025 وحتى فبراير 2026، تؤكد أن أكثر من نصف السكان أي قرابة 18 مليون نسمة سيواجهون مستويات متفاقمة من انعدام الأمن الغذائي بحلول مطلع عام 2026.
ويواجه اليمن حالياً أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي المصنفة ضمن المرحلة الرابعة عالمياً. فخلال عام 2025 وحده، انزلق أكثر من 148 ألف شخص إلى مستويات حرجة من الجوع، في حين أكد 97% من المشاركين في استطلاع أجرتْه “لجنة الإنقاذ الدولية” (IRC) أن توفير الغذاء يمثل حاجتهم الأساسية والأكثر إلحاحاً في ظل التدهور المعيشي الراهن.
مواضيع مقترحة
مؤشرات التدهور
تحذر أحدث بيانات التصنيف الدولي من أن مليون شخص إضافي باتوا مهددين بجوع حاد يهدد حياتهم (المرحلة الثالثة وما فوق). كما يُتوقع ظهور “جيوب مجاعة” تؤثر على أكثر من 40 ألف شخص في أربع مناطق مختلفة خلال الشهرين المقبلين، وهو السيناريو الأسوأ الذي تشهده البلاد منذ عام 2022.
ويأتي ذلك في ظل مستويات استهلاك غذائي تثير قلقاً بالغاً؛ إذ عجزت 61% من الأسر اليمنية عن تلبية احتياجاتها الغذائية الدنيا في نوفمبر 2025.
وتوزعت نسب الحرمان الغذائي الحاد جغرافياً على النحو التالي: ففي المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين سجلت محافظة البيضاء النسبة الأعلى بـ (52%)، تليها ريمة (47%)، ثم الجوف (46%) وحجة (45%). وفي المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة: تصدرت محافظة الضالع القائمة بنسبة (51%)، تليها أبين (42%)، ثم لحج وشبوة بنسبة (40%).
تظل التوقعات قصيرة ومتوسطة المدى في اليمن “هشة للغاية”. ففي المناطق الخاضعة للحكومة، أدت التوترات السياسية والعسكرية في ديسمبر 2025 بما في ذلك المواجهات في حضرموت والمهرة والمكلا إلى زعزعة الاستقرار وتفاقم المخاطر الأمنية، مما قد يؤدي إلى: تآكل قدرة الأسر: مع اقتراب موسم الجفاف ونقص المساعدات، تزداد احتمالية اتساع رقعة “مستوى الطوارئ” (المرحلة الرابعة).
بالإضافة إلى انهيار الخدمات الأساسية: تهدد الصراعات بتقويض الحوكمة وانهيار شبكات المياه، والرعاية الصحية، والطاقة. تقييد الوصول الإنساني: قد تؤدي الاضطرابات الأمنية إلى عرقلة وصول الإغاثة للمناطق المتنازع عليها، مما يضع حياة الملايين على المحك.
الإنهيار الإقتصادي
لم يكن التدهور الحاد في الأمن الغذائي وليد الصدفة، بل جاء نتاج سنوات من الصراع والنزوح التي دمرت سبل العيش وقيدت الوصول إلى الخدمات الأساسية. إذ تعمق الجرح بفعل الانهيار الاقتصادي الشامل الذي أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، بالتزامن مع انخفاض حاد وغير مسبوق في حجم المساعدات الدولية.
وتكشف البيانات المالية بنهاية عام 2025 عن عجز تمويلي هو الأسوأ منذ عقد من الزمن؛ حيث لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية 25%. وتتجلى خطورة الموقف في القطاعات الحيوية المنقذة للحياة، إذ لم يتلقَّ قطاع “الأمن الغذائي والزراعة” سوى 15% من احتياجاته، بينما هبط تمويل “مجموعة التغذية” إلى ما دون 10%، مما أدى إلى شلل فعلي في الخدمات الإغاثية.
بينما تعصف أزمة الجوع بالبلاد، تُقدم الأدلة الميدانية من المناطق التي تدعمها “لجنة الإنقاذ الدولية” (IRC) جنوب اليمن صورة جليّة لهذه التداعيات؛ فبعد تقليص تمويل المانحين في أوائل عام 2025، انخفضت خدمات التغذية بنسبة 63% خلال عام واحد، مما أسفر عن إغلاق مرافق صحية ومراكز للتغذية العلاجية. وقد انخفضت معدلات دخول المستشفيات لحالات سوء التغذية الحاد الوخيم، ليس لتحسن الحالة الصحية، بل لعجز المرضى عن الوصول إلى مراكز الخدمة المتبقية.
وتشير تقييمات اللجنة إلى أن 80% من الأسر تعاني من جوع شديد، بينما يواجه طفل واحد على الأقل خطر سوء التغذية في نصف الأسر التي تضم أطفالاً دون سن الخامسة. وفي غضون ذلك، يهدد انهيار أنظمة الرصد والمراقبة بإخفاء الحجم الحقيقي للمأساة، ما يجعل الوفيات الناجمة عن الجوع تمر دون توثيق.
في السياق تقول كارولين سيكيوا، المديرة القطرية للجنة الإنقاذ الدولية في اليمن: “يستذكر الشعب اليمني بمرارة تلك الأيام التي كان يجهل فيها مصدر وجبته التالية، وأخشى أننا نعود إلى ذلك الفصل المظلم مجدداً بمسار أكثر حدة.
وتضيف:” لم يعد انعدام الأمن الغذائي خطراً محتملاً، بل تحول إلى واقع يومي يفرض على الآباء خيارات مستحيلة؛ إذ تضطر بعض الأسر لجمع النباتات البرية لإطعام أطفالهم تحت وطأة التضخم وعبء النزوح” .
نافذة الإنقاذ
تُحذر التقارير الدولية من أن التقاعس عن اتخاذ إجراءات فورية لاستعادة وتوسيع نطاق المساعدات الغذائية المتكاملة سيؤدي حتماً إلى ظهور ظروف شبيهة بالمجاعة في مناطق يمنية عدة بحلول أوائل عام 2026. ومع ذلك، لا تزال هناك نافذة ضيقة لمنع الخسائر الجماعية في الأرواح وتحقيق الاستقرار في المجتمعات الأكثر هشاشة، شريطة توفر التمويل العاجل والفعال خلال الأشهر الستة المقبلة.
وتؤكد لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) أن هذه الأزمة ليست حتمية؛ إذ إن الاستجابة الفورية والموجهة من قبل المانحين كفيلة بمنع وقوع كارثة إنسانية وشيكة. وتُشدد اللجنة على أن “المساعدات النقدية” تمثل الأداة الأكثر فعالية وكفاءة لتمكين الأسر من تلبية احتياجاتها بكرامة، وحماية الأطفال من اللجوء إلى استراتيجيات البقاء القاسية والضارة. إن الوقت لم يفت بعد، ولكن التحرك العاجل الآن هو السبيل الوحيد للحيلولة دون وقوع مأساة إنسانية كبرى.
أخبار ذات صلة.