أهلي
يمن ديلي نيوز – تقرير خاص: ستون يومًا دفعت خلالها محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، ثمنًا باهظًا من أرضها وأرواح أبنائها، لكنها لم تفقد قدرتها على المقاومة. لقد انتقلت فيها حرب الحوثيين على المحافظة من الانكسار إلى احتواء الصدمة والاستعصاء.
لم تكن المعارك التي دارت رحاها، ولا تزال، في تعز كسابقاتها، ولا مجرد هجوم محدود على جبهة اعتادت دوي المدافع، بل حربًا واسعة أشعلت فيها جماعة الحوثي المصنفة إرهابية عشرات الجبهات، ودفعت بعشرات الآلاف من مقاتليها نحو مدينة استعصت عليها طوال سنوات.
واليوم الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني، تكون دخلت محافظة تعز، شهرها الثالث من المعارك الأعنف منذ سنوات، بعدما أمضت 60 يومًا في مواجهة هجوم واسع على مختلف جبهاتها في محاولة لتغيير خارطة السيطرة واقتحام المدينة.
في هذا التقرير يستعرض “يمن ديلي نيوز” أبرز التحولات التي شهدتها حرب الحوثيين على تعز، منذ مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، وحتى اليوم، وهي الحرب التي كانت الخطط العسكرية للحوثيين تحدد انتهائها في منتصف أكتوبر/ تشرين الماضي.
كما يستعرض التقرير جانباً من الخسائر البشرية، وأبرز الآثار على الوضع الإنساني على محافظة تعز، نتيجة تشديد جماعة الحوثي حصارها للمدينة عقب تقدمها الميداني في الأرياف الغربية والجنوبية للمحافظة.
سبتمبر.. الهجوم الأوسع
بدأ التصعيد في 3 سبتمبر/أيلول، عندما شنت جماعة الحوثي هجومًا واسع النطاق على جبهات تعز والساحل الغربي، هو الأعنف منذ بدء الهدنة الأممية في أبريل/نيسان 2022، مستهدفة مواقع القوات الحكومية في الريف الغربي والجنوبي، بالتزامن مع هجمات باتجاه الساحل ومضيق باب المندب.
القوات اليمنية تكسر أعنف هجوم للحوثيين منذ سنوات بعد أيام من كشف مخطط إيراني
وتركزت الهجمات الأولى في مقبنة والكدحة وجبل حبشي والوازعية، قبل أن تتمدد المواجهات إلى مناطق أخرى، فيما انتهت الاندفاعة للحوثيين نحو الساحل بسيطرة الجماعة على مدينة المخا ومينائها في 10 سبتمبر، في تطور عسكري منحها مواقع استراتيجية مطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
الحوثيون يعيدون السيطرة على المخا بعد 10 سنوات من دحرهم منها
وفي 4 سبتمبر، دخل الطيران الحربي المعركة، ليتحول لاحقًا إلى عنصر رئيسي في إسناد القوات البرية واستهداف مواقع الجماعة وتحصيناتها وتعزيزاتها، بالتزامن مع عمليات المدفعية والطائرات المسيّرة.
الطيران الحربي اليمني يدخل خط المواجهات في تعز والحديدة
ورغم التقدم الذي حققته الجماعة في الساحل والريف الغربي، واجهت محاولات التقدم نحو مدينة تعز دفاعات متماسكة، حيث تمكنت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية من التصدي لهجمات متكررة وإفشال محاولات اختراق في عدة جبهات، لتظل المدينة خارج نطاق السيطرة الحوثية.
أكتوبر.. هجوم على أكثر من 50 محورًا
مع دخول أكتوبر/تشرين الأول، بلغت المواجهات ذروتها، بعدما شنت جماعة الحوثي في الأول من الشهر هجومًا متزامنًا على أكثر من 50 محورًا وموقعًا عسكريًا في محافظة تعز، شمل الجبهات الشرقية والشمالية والغربية والجنوبية، في محاولة لإرباك دفاعات القوات الحكومية وتحقيق اختراقات متزامنة.
شهر من المعارك الدامية في تعز.. اختلال ميزان التسليح لم يكسر صمودها (تقرير)
ووفقًا لتقديرات عسكرية حكومية، أسفرت المواجهات حينها عن مقتل نحو 100 من مسلحي الجماعة وأسر نحو 20 آخرين، دون أن تتمكن من تحقيق اختراق حاسم باتجاه المدينة.
ورغم كثافة الهجوم واتساع نطاقه، لم تتمكن الجماعة من تحقيق اختراق حاسم باتجاه مدينة تعز، واقتصرت مكاسبها على تقدم محدود في بعض المواقع، بينما استمرت القوات الحكومية في الاحتفاظ بمواقع دفاعية رئيسية تحيط بالمدينة.
في المقابل، شهد الريف الجنوبي للمحافظة تطورات ميدانية مغايرة، مع تقدم جماعة الحوثي باتجاه مناطق الحجرية، التي تمثل عمقًا جغرافيًا مهمًا لمدينة تعز وطرق ارتباطها بمحافظة لحج.
وفي 4 أكتوبر، دخل مقاتلو الجماعة مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين، عقب معارك عنيفة مع القوات الحكومية، قبل أن تعلن الجماعة السيطرة على المديرية.
واتسعت رقعة تقدم الحوثيين في الريف الجنوبي لتعز حينها، لتشمل مديرية المعافر وصولًا إلى منطقة البيرين، قبل أن تعلن الجماعة السيطرة على المديرية بالكامل في 5 أكتوبر، بعد يوم من إعلانها السيطرة على مديرية سامع إثر مواجهات عنيفة.
تعز.. تطورات عسكرية متلاحقة بعدد من الجبهات بالتزامن مع عملية “فجر اليمن”
أنساق هجومية لم تكسر دفاعات المدينة
رغم التقدم الذي حققته جماعة الحوثي في الريف الغربي والجنوبي، ظلت الجبهات المحيطة بمدينة تعز عصية على محاولات الحوثيين لإحداث أي اختراق، خصوصًا جبل هان غربي المدينة، وجبهات الشقب والأقروض والمسراخ وجبل صبر جنوبها.
وفي 15 أكتوبر، شهدت جبهة جبل هان ومحيطها مواجهات استمرت أكثر من 12 ساعة، سبقتها اشتباكات متقطعة وتمهيد ناري مكثف، بعدما حاولت جماعة الحوثي التقدم باتجاه المواقع الغربية والشمالية الغربية للمدينة.
تحقق | هل سيطر الحوثيون على جبل هان والأحياء الغربية في تعز؟
وأعلن محور تعز العسكري أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنتا من صد الهجوم واستعادة جميع المواقع التي تسللت إليها عناصر الجماعة في محيط جبل هان والتلال المجاورة، نافيًا صحة الأنباء التي تحدثت عن سقوط الجبل أو تقدم الحوثيين إلى الأحياء الغربية.
وفي جبهة الشقب جنوب المدينة، واجهت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية هجمات متتابعة للحوثيين عبر أنساق قتالية متعددة، بينها هجوم استمر نحو ست ساعات وشاركت فيه ثمانية أنساق، قبل أن تعلن القوات الحكومية إفشاله وإلحاق خسائر بالمهاجمين.
وعكست هذه المواجهات طبيعة المعركة حول مدينة تعز، حيث اعتمد الحوثيون على تكثيف الهجمات وتكرارها والضغط على مواقع متعددة، في مقابل تمسك القوات الحكومية والمقاومة الشعبية بالمرتفعات والمواقع الدفاعية التي حالت دون تحقيق الجماعة تقدمًا حاسمًا نحو المدينة.
من الدفاع إلى الهجمات المضادة
ومع النصف الثاني من أكتوبر، بدأت القوات الحكومية الانتقال تدريجيًا من التصدي للهجمات إلى تنفيذ عمليات هجومية على مواقع الحوثيين، في تحول ميداني عكس استمرار قدرتها على القتال والمبادرة رغم الضغط العسكري المتواصل.
وفي 18 أكتوبر، أعلن محور تعز تحقيق تقدم في منطقتي الصنمات والصراري بجبهة جبل صبر، عقب هجوم شنته القوات الحكومية منذ ساعات الفجر، بالتزامن مع مواجهات في جبل هان والضباب والشقب والأقروض.
القوات الحكومية تعلن عن تقدمات بتعز في اليوم (45) لاستعار المعارك
وفي 26 أكتوبر، شنت القوات الحكومية هجومًا على مواقع الحوثيين في مرتفعات الميدان غربي المدينة، انتهى بإعلان السيطرة عليها، في إطار العمليات الرامية إلى تأمين المواقع الدفاعية المحيطة بالمدينة.
مصادر عسكرية: القوات الحكومية تهاجم غرب تعز وتخوض معارك في ثلاثة محاور
ومع دخول معارك تعز شهرها الثالث، أعلنت القوات الحكومية، الاثنين 2 نوفمبر/تشرين الثاني، تحقيق تقدم جديد في جبهة الأقروض جنوب المدينة، امتدادًا لهجماتها المضادة التي بدأت خلال النصف الثاني من أكتوبر.
القوات الحكومية اليمنية تقول إنها استعادت مواقع وكسرت هجومًا للحوثيين جنوبي تعز
وقال محور تعز العسكري إن قواته، بمساندة المقاومة الشعبية، استعادت موقعي نوبة وثيب وتبة مبارك، عقب مواجهات عنيفة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف مسلحي جماعة الحوثي.
ويعكس هذا التقدم استمرار قدرة القوات الحكومية والمقاومة الشعبية على المبادرة، بعد شهرين من التصدي لهجمات متلاحقة حاولت الجماعة من خلالها اختراق دفاعات المدينة والتقدم نحوها من جبهات متعددة.
الخسائر البشرية العسكرية
وتتحفظ القوات الحكومية اليمنية في تعز على خسائرها البشرية، إلا أن إطلالة سريعة على منصات التواصل الاجتماعي، في حين تفيد مصادر عسكرية تحدثت في وقت سابق لـ”يمن ديلي نيوز” أن الخسائر البشرية العسكرية مابين 70 إلى 100 قتيل.
في المقابل اعترفت جماعة الحوثي “رسمياً” بمقتل 1050 عنصر من ضباطها وأفرادها المقاتلين، منذ مطلع سبتمبر الماضي وحتى 31 أكتوبر/تشرين الماضي، بحسب رصد لـ”يمن ديلي نيوز” في حين تفيد تقارير واردة من مناطق الحوثي بأن الأعداد المعلنة ضئيلة جدا.
ففي سبتمبر/أيلول رصد “يمن ديلي نيوز” تشييع جماعة الحوثي 589 مقاتلاً حوثيا كان معظمهم في الأسبوع الأخير من الشهر والذي شيع فيه الحوثيون خلال الفترة من 22 إلى 30 سبتمبر 229 قتيلاً بينهم 107 قتيلًا قالت الجماعة إنهم يحملون رتبًا عسكرية “ضباط”، بالإضافة إلى 122 قتيلًا لا يحملون رتبًا عسكرية.
رصد: 589 قتيل شيعتهم جماعة الحوثي خلال سبتمبر معظمهم في الأسبوع الأخير
وفي أكتوبر/تشرين الماضي اعترفت جماعة الحوثي بمقتل 482 من مقاتليها الذين شيعتهم، ونشرت أخبارهم عبر منصاتها، وسط تقارير تؤكد أن الحوثيين أخفوا تشييع العشرات من قتلاهم.
ووفق رصد “يمن ديلي نيوز” الذي اقتصر على مانشرته جماعة الحوثي عبر وسائل إعلامها، توزعت حصيلة قتلى الحوثيين خلال أكتوبر الماضي على 13 محافظة يمنية، تسيطر عليها جماعة الحوثي.
وجاءت في صدارة المحافظات محافظة صنعاء بإجمالي 105 قتيل، تلتها ذمار بـ97 قتيلًا، ثم حجة بـ64 قتيلًا، وإب بـ51 قتيلًا، وعمران بـ47 قتيلًا، وصعدة بـ41 قتيلًا.
كما سجلت تعز 18 قتيلًا، والحديدة 21 قتيلًا، والبيضاء 10 قتلى، والمحويت 11 قتيلًا، وريمة 8 قتلى، والضالع 8 قتلى، فيما سجلت محافظة الجوف قتيلًا واحدًا.
الدفاع اليمنية تطالب بتحقيق دولي في بلاغات عن استخدام الحوثيين مواد سامة بتعز
تصاعد الانتهاكات
في المقابل وأمام تعثر معركة الحوثيين في تعز، تصاعدت الانتهاكات الإنسانية المنسوبة لجماعة الحوثي المصنفة إرهابية.
وفي 28 أكتوبر، أعلن محافظ تعز نبيل شمسان، خلال مؤتمر صحفي حكومي في عدن، أن مليونًا و347 ألفًا و762 شخصًا يعيشون في ست مديريات يشملها الحصار، مشيرًا إلى نزوح نحو 6400 أسرة جديدة داخل المدينة.
الحكومة اليمنية تعرض حصيلة الانتهاكات والخسائر الإنسانية في تعز جراء تصعيد الحوثيين
وبحسب بيانات حكومية، نزحت نحو 19 ألفًا و600 أسرة من مديريات المحافظة خلال الفترة من 10 أغسطس حتى 15 أكتوبر، تضم 135 ألفًا و587 شخصًا، بينهم 52 ألفًا و979 طفلًا.
كما تحدث محافظ تعز عن اقتحام ونهب أكثر من 3562 منزلًا في مديريات الساحل والحجرية، وتضرر نحو 676 منزلًا كليًا أو جزئيًا جراء القصف، واعتقال أكثر من ألفي مواطن.
وفي قطاع المياه، قال المحافظ إن احتياج مدينة تعز يبلغ نحو 35 ألف متر مكعب يوميًا، فيما تراجعت نسبة التغطية إلى 8.2%، مع توقف آبار وخروج مصادر مياه عن الخدمة.
وامتدت تداعيات الحصار إلى القطاع الصحي، حيث أعلن المحافظ توقف 120 مرفقًا صحيًا كليًا و66 جزئيًا في المديريات التي سيطرت عليها جماعة الحوثي، وتراجع مخزون أدوية الطوارئ والمستلزمات الطبية إلى 30%، والأكسجين إلى 2%.
ووفقًا لرصد مكتب شؤون الحصار بمحافظة تعز، سقط 330 مدنيًا بين قتيل وجريح جراء عمليات القنص والقصف والألغام التي تتهم السلطات المحلية جماعة الحوثي بالمسؤولية عنها، خلال الفترة من 1 أغسطس/آب حتى 2 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بينهم 78 قتيلًا و252 مصابًا.
وفي 30 أكتوبر، طالبت وزارة الدفاع اليمنية بتحقيق دولي عاجل في بلاغات ميدانية بشأن استخدام جماعة الحوثي قذائف يُشتبه باحتوائها على مواد سامة في جبهات تعز، عقب تسجيل حالات اختناق وإغماء بين مدنيين وأفراد من المقاومة الشعبية.
الدفاع اليمنية تطالب بتحقيق دولي في بلاغات عن استخدام الحوثيين مواد سامة بتعز
وبينما تستمر المعارك للشهر الثالث يشهد الوضع الإنساني تدهوراً جراء حصار الحوثيين، في حين تتضاءل فرص الحوثيين في حسم المعركة، مع تزايد الاهتمام المحلي والدولي بالوضع في تعز، وتحريك جبهات موازية خاصة شرقي اليمن.
ظهرت المقالة حرب الستين يوماً على تعز.. من احتواء اندفاعة الحوثيين إلى الهجوم واستعادة المواقع أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.