تجهيل العقول وصناعة الطاعة.. التعليم والإعلام في مشروع مليشيا الحوثي
حزبي
منذ ساعة
مشاركة
صحيفة الثوري ـ تقرير يبدأ الخطر على التعليم حين يفقد الطالب حقه في السؤال، ويصبح المطلوب منه ترديد الإجابة التي تعتمدها السلطة. وفي مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، تضع التقارير الأممية والحقوقية مسألة التعليم أمام هذا الخطر: تعديلات في المناهج، وتعبئة داخل المدارس والمراكز الصيفية، وخطاب إعلامي وديني يسهم في استقطاب الأطفال إلى الحرب. وراء هذه الممارسات سؤال يتجاوز مصير العام الدراسي: أي إنسان يراد للمدرسة أن تصنعه؟ إنسانا يمتلك أدوات المعرفة والاختيار، أم تابعا يتلقى تفسير العالم من قيادة تمنح نفسها سلطة تحديد الحقيقة والصواب والعدو؟ وتتيح الوقائع الموثقة قراءة التجهيل بوصفه عملية يمكن أن تجري داخل المؤسسة التعليمية نفسها؛ عبر تضييق مصادر المعرفة، وإضعاف التفكير النقدي، وربط قيمة الفرد بمقدار ولائه للجماعة. من المنهج إلى التعبئة أفاد فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، في تقريره لعام 2025، بأن منظومة التجنيد الحوثية تستخدم قنوات رسمية وغير رسمية، بينها جهاز التعليم الخاضع للجماعة. وأشار إلى توظيف المراكز الصيفية والمدارس القرآنية في تلقين الأطفال أيديولوجيا الجماعة، وإلى تعديلات في المناهج تستهدف ترسيخ أهدافها الفكرية. وتحدث التقرير أيضا عن استخدام الفعاليات الثقافية والزوامل والدعاية البصرية في تمجيد القتال والموت في الحرب. تكمن الدلالة التربوية لهذه الممارسات في تغيير وظيفة المعرفة. فالمدرسة تمنح الطفل، في الأصل، فرصة لتوسيع عالمه؛ يتعلم فيها أن يسأل عن الدليل، ويقارن بين التفسيرات، ويصحح خطأه. وعندما تخضع هذه الوظيفة لمقتضيات التعبئة، يغدو النص مادة للحفظ والامتثال، ويقاس الفهم بسلامة الترديد. وهنا ينبغي التمييز بين التعليم الديني والتوظيف السياسي للدين. دراسة الدين جزء من الحياة الثقافية للمجتمع، أما تقديم تفسير جماعة مسلحة بوصفه مرجعا لا تجوز مساءلته، ثم ربطه بواجب الطاعة والقتال، فيجعل سلطة الجماعة حكما على المعرفة وعلى ضمير المتعلم معا. الطفل بين المدرسة ومشروع المقاتل سبق لفريق الخبراء، في تقريره لعام 2024، أن رصد ممارسات تقوض الحق في التعليم، بينها تغيير المناهج، وتحدث عن الترويج للكراهية والعنف والتمييز عبر المراكز الصيفية. كما أشار إلى استخدام خطاب ديني متشدد في الإعلام والمساجد ومنابر عامة لدعم الاستقطاب، وإلى إفادات عن تقديم مواعظ ودروس تعبئة داخل المدارس. من منظور ثقافي، تعيد هذه العملية ترتيب خيال الطفل عن مستقبله. فبدلا من أن تتسع أمامه صور الطبيب والمعلم والمهندس والفنان، تتقدم صورة المقاتل بوصفها الطريق الأرفع إلى الاعتراف الاجتماعي. ويتعاظم الأثر عندما تحيط به الرسالة نفسها في المدرسة والشارع والشاشة والمناسبة العامة. ولا يعني ذلك أن كل طفل حضر مركزا صيفيا أصبح مقاتلا، أو أن جميع الأسر تقبل بهذا المسار. لكن توثيق الصلة بين التلقين والتدريب والتجنيد يستدعي مساءلة البيئة التي تتيح نقل الطفل من مقعد الدراسة إلى خدمة مشروع عسكري. الاصطفاء السلالي وتقويض المساواة في دراسة عن تجنيد الأطفال في مأرب وشبوة، تناول مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية توظيف المراكز الصيفية الحوثية في غرس أفكار تمجد القتال، وتروج لحق إلهي وحصري في الحكم لبعض المنحدرين من نسل النبي، ومن بينهم أسرة الحوثي. يضرب هذا التصور أساس المواطنة المتساوية. فعندما يقدم النسب بوصفه مصدرا لحق سياسي موروث، يجري فصل السلطة عن رضا المواطنين ومحاسبتهم، ووضع تفاوت سابق على الكفاءة والعمل والقانون. وتصبح المسألة أشد خطورة حين يتلقى الطفل هذه الفكرة في سياق تعليمي يمنحها حصانة أخلاقية. إذ قد ينشأ على قبول الامتياز باعتباره ترتيبا طبيعيا، أو يشعر بأن موقعه أدنى بحكم مولده. وفي الحالين، يتضرر إدراكه لذاته ولحقوق الآخرين. ومواجهة هذا الخطاب تقتضي نقد ادعاء الامتياز وممارساته، مع رفض تحميل المسؤولية لأي جماعة نسبية أو مذهبية بكاملها. فالحقوق متساوية، والمسؤولية تتحدد بالأفعال والقرارات. الإعلام حين يغلق دائرة السؤال تساعد الوقائع المتعلقة بالتعبئة على فهم العلاقة بين المدرسة والمنبر الإعلامي. ويمكن تحليلها بوصفها دائرة متكاملة: تقدم المؤسسة التعليمية الفكرة، وتكررها وسائل الدعاية، ثم يعيد المروجون تداولها باعتبارها حقيقة مستقرة. في هذه الدائرة، قد يحل وصف صاحب السؤال محل الإجابة عنه. فبدلا من مناقشة الاعتراض، يجري امتحان ولاء المعترض أو التشكيك في دوافعه. ويؤدي ذلك إلى رفع كلفة السؤال، حتى حين يتعلق بأمر ملموس مثل راتب المعلم، أو محتوى كتاب، أو حق الأسرة في حماية طفلها من التجنيد. ويشمل دور المروجين وأنصار الجماعة إعادة إنتاج هذه اللغة في النقاش اليومي. غير أن تقييم هذا الدور يجب أن يستند إلى ما يقولونه ويفعلونه؛ فالعيش تحت سلطة المليشيا، أو الصمت خوفا منها، لا يثبت الموافقة على مشروعها. والمعيار الفاصل بين الإعلام والدعاية هو قابلية الرسالة للفحص: هل تقدم مصدرا يمكن مراجعته؟ هل تتيح تصحيح الخطأ؟ هل تجيب عن السؤال، أم تعاقب صاحبه معنويا؟ الفقر يضيق مساحة الاختيار وثقت منظمة العفو الدولية، منذ عام 2017، حالات استقطاب حوثي لأطفال، وتحدثت عن استغلال الحوافز المالية، وعن أسر تخشى الانتقام إذا اعترضت. وربطت شهادات أوردتها المنظمة بين انقطاع الأطفال عن الدراسة وصعوبة تحمل تكاليف الوصول إلى المدارس وبين ازدياد تعرضهم للتجنيد. وتكشف هذه الشهادات أن حماية الوعي تحتاج إلى شروط مادية. فالطفل الذي يفقد مدرسته، والمعلم الذي يعجز عن مواصلة عمله، والأسرة التي يرهقها الجوع، يواجهون خيارات أضيق وقدرة أقل على مقاومة الضغط. لذلك تمر مواجهة التجهيل عبر انتظام التعليم، ودفع أجور المعلمين، وتخفيف نفقات الدراسة، وتوفير أنشطة آمنة تمنح الأطفال مساحة للعب والفن والتعلم. كما يحتاج من تعرضوا للتجنيد إلى العودة إلى التعليم والدعم النفسي والاجتماعي، بعيدا عن الوصم والعقاب. استعادة وظيفة التعليم تبدأ استعادة المدرسة بحماية استقلالها المهني، وإخضاع المناهج لمراجعة تربوية شفافة، ومنع استغلال الطلاب في التعبئة العسكرية. ويكمل ذلك تعليم مهارات التحقق وقراءة الصور والأخبار، والتمييز بين الوقائع والآراء، ومناقشة الأفكار دون تخوين أصحابها. ويظل المعلم شريكا أساسيا في هذه المهمة، وكذلك الأسرة التي تحتاج إلى معلومات موثوقة ووسائل آمنة لحماية أبنائها. أما تحميل المعلمين والطلاب مسؤولية ما يفرض عليهم، فيضعف فرص الإصلاح ويعاقب المتضررين. إن أخطر ما يفعله مشروع التجهيل هو تدريب الإنسان على التنازل عن حكمه الشخصي، حتى تصبح الطاعة فضيلة تغني عن الفهم. وفي مواجهة ذلك، تقاس قيمة التعليم بما يتيحه للطفل من قدرة على التفكير، وبما يحفظه له من حق في مستقبل يختاره؛ مستقبل تتسع فيه الحياة لأكثر من دور، وأكثر من رأي، وأكثر من طريق. The post تجهيل العقول وصناعة الطاعة.. التعليم والإعلام في مشروع مليشيا الحوثي first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية