حزبي
تخوض محافظة تعز مواجهة متصاعدة مع مليشيا الحوثي، المدعومة من إيران، في ظل تحوّل المواجهات العسكرية خلال الأسابيع الماضية إلى حالة من التعبئة المجتمعية الواسعة، تجسدت في إسناد المقاومة الشعبية والقوات المسلحة، وسط شعور متزايد بأن معركة تعز تتجاوز حدود المحافظة، وتمثل اختباراً وطنياً لمختلف القوى والمكونات اليمنية.
وتجسد تعز، في مشهد واحد، صمود أبنائها وحجم المعاناة التي يتعرض لها المدنيون جراء القصف الحوثي. فقد تداول ناشطون مقطعاً مصوراً لامرأة في جبل صبر تحمل جثمان ابنتها، فيما كان رجال ونساء يرافقونها ويحمل آخرون جثمان والد الفتاة، اللذين قُتلا داخل منزلهما بقذيفة أُطلقت باتجاه المنطقة.
ويختزل هذا المشهد جانباً من مأساة المدنيين في قرى تعز ومناطقها السكنية، كما يكشف حجم المعاناة الإنسانية التي تعيشها الأسر جراء القصف. وفي المقابل، يعكس صمود المرأة التعزية، التي ظهرت في المقطع متماسكة رغم هول الفاجعة، صورة من صور الاحتمال والمقاومة في مواجهة ظروف بالغة القسوة.
وأمام تصاعد محاولات الحوثيين التقدم نحو مدينة تعز، اتسعت دائرة الإسناد المجتمعي للقوات المسلحة والمقاومة الشعبية، مع اندفاع أبناء القرى والمناطق المهددة للمشاركة في الدفاع عن مناطقهم. وهي حالة مقاومة تشكلت بفعل اقتراب المواجهات من التجمعات السكانية، وتحولت إلى تعبير عن تمسك المجتمع بأرضه وحقه في الأمن والحياة.
الهجوم على مدينة تعز
بدأت مليشيا الحوثي تصعيدها العسكري في محافظة تعز خلال أغسطس/آب الماضي، عبر هجمات مكثفة استهدفت الجبهات الغربية للمحافظة، بالتزامن مع تصعيد عسكري في مناطق الساحل المطلة على البحر الأحمر وباب المندب، حيث دفعت الجماعة بتعزيزات عسكرية وسيطرت على عدد من المناطق.
وخلال الأسابيع الثلاثة التالية، واصلت المليشيا الدفع بتعزيزات مكثفة في محاولة للتقدم نحو المدينة، لكنها لم تتمكن، وفق المعطيات الواردة في التقارير الميدانية، من تحقيق تقدم حاسم. وفي المقابل، واصل أبناء تعز الدفاع عن قراهم ومناطقهم، خصوصاً في جبل صبر وعدد من الجبهات الأخرى، بإمكانات ذاتية محدودة، مستندين إلى حالة من التماسك المجتمعي والتعبئة الشعبية.
ومنذ إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، معركة «فجر اليمن» في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، باتت تعز في قلب المواجهة العسكرية والسياسية الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة، بما يجعل إسنادها مسؤولية وطنية تتجاوز حدود المحافظة.
وتشن القوات المسلحة غارات جوية على مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم، فيما يواجه أبناء تعز تحديات كبيرة في الإمداد والتحرك، في ظل القيود المفروضة على الطرق التي تربط المحافظة بمناطق سيطرة الحكومة الشرعية.
وتكشف هذه الظروف حجم الأعباء التي يتحملها السكان والمقاتلون، في ظل استمرار المواجهات والحصار، وما يترتب عليهما من ضغوط معيشية وإنسانية وأمنية.
وفي مواجهة هذه التحديات، تسعى تعز إلى تسخير إمكاناتها المجتمعية والمادية لإسناد المقاتلين، والحفاظ على تماسك المجتمع، وتعزيز قدرته على مواجهة الأعباء الناجمة عن الحصار والتصعيد العسكري.
وأفادت مصادر متعددة لـ«الصحوة نت» بأن الميليشيات حشدت عناصر من المؤسسات الواقعة تحت سيطرتها للمشاركة في القتال، بينهم مجندون في أقسام الشرطة وحراسات المنشآت، إضافة إلى عمال في قطاعات خدمية، من بينها النظافة.
صمود ومقاومة
بالتزامن مع محاولاتها التقدم نحو مدينة تعز، تواصل المليشيا فرض قيود مشددة على حركة التنقل والإمدادات، ما يفاقم معاناة السكان ويحد من وصول المواد الغذائية والمساعدات والوقود والمستلزمات الطبية. كما تتعرض قرى وأحياء سكنية للقصف، وسط مخاوف متزايدة على حياة المدنيين.
وقال محافظ محافظة تعز، نبيل شمسان، إن مليشيا الحوثي حشدت أكثر من 60 ألف مقاتل، مستغلة فترة الهدنة الماضية للتحضير للسيطرة على المحافظة، مشيراً إلى أن هجماتها تنفذ عبر ما يصل إلى سبعة أنساق قتالية.
وأكد شمسان جاهزية القوات المسلحة والمقاومة الشعبية للدفاع عن تعز وإفشال الهجمات، محذراً من التداعيات الإنسانية لاستمرار التصعيد والحصار، وما يمثله ذلك من تهديد خطير لحياة السكان.
ويحمل صمود تعز أبعاداً وطنية تتجاوز حدودها الجغرافية؛ فالمدينة ارتبط اسمها بمحطات مفصلية في تاريخ اليمن الجمهوري، وأسهم أبناؤها في مختلف التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية التي شهدها اليمن خلال القرن الماضي.
وفي هذا السياق، قال القائم بأعمال الأمين العام لحزب الإصلاح، عبد الرزاق الهجري: «حين يُذكر الصبر في تاريخ اليمن الحديث، تُذكر تعز، وحين يُسأل عن المدينة التي أعطت أكثر مما أخذت، يأتي الجواب من جبل صبر، ووادي الضباب، والحجرية والمعافر».
وفي مقال بعنوان «تعز عاصمة الصمود وضمير اليمن»، أشار الهجري إلى أن المدينة بنت مكانتها بالفكر والثقافة، معتبراً أنها أصبحت هدفاً لانتقام المشروع الحوثي الإيراني، الذي وصفه بأنه قائم على الاستعلاء والسلالة والخرافة.
وتتمثل مطالب أبناء تعز، في ظل هذه المواجهة، في الدفاع عن مدينتهم وحماية سكانها من تداعيات القصف والحصار، والحفاظ على حقهم في الحياة والمواطنة المتساوية، بعيداً عن سياسات الإقصاء والتمييز.
وقال الهجري: «لقد كتب أبناء تعز بصبرهم صفحةً من أنصع صفحات اليمن الحديث، وأثبتوا أن المدينة التي تُحاصَر بالحديد والنار يمكن أن تنتصر بالإرادة والثبات».
ووصف الهجري ما يقدمه أبناء تعز بأنه ليس دفاعاً عن مدينة فحسب، بل دفاع عن فكرة اليمن الذي يتسع لجميع أبنائه، والقائم على العدل والمواطنة المتساوية. وأضاف أن أسماء الشهداء وصمود النساء والرجال ستظل عنواناً للكرامة في ذاكرة الوطن.
ما واجب اليمنيين تجاه تعز؟
تستقطب مليشيا الحوثي مقاتلين من مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستفيدة من سنوات غياب مؤسسات الدولة وتدهور الأوضاع المعيشية وانتشار البطالة.
وتتعدد أساليب الاستقطاب بين الإغراء بالوظائف والمزايا المادية، والضغط والتخويف، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة يعيشها السكان.
وفي المقابل، تتزايد مخاوف المواطنين في مناطق سيطرة المليشيا من تداعيات استمرار الحرب واتساع رقعتها، خصوصاً مع ارتباط بعض حملات التجنيد بوعود لا تتضح طبيعتها الحقيقية للمستهدفين. ونقل أحد المواطنين في محافظة المحويت لـ«الصحوة نت» رفض غالبية السكان عروض التجنيد التي تقدمها الجماعة، والتي تأتي أحياناً تحت غطاء توفير فرص عمل ووظائف.
وأمام صمود تعز وما تواجهه من تحديات عسكرية وإنسانية، تبرز مسؤولية وطنية وتاريخية تجاه المحافظة، لا تقتصر على التضامن معها في مواجهة القصف والحصار، بل تمتد إلى تقديم إسناد فعلي يخفف معاناة سكانها ويحافظ على قدرتها على الصمود.
وقال الهجري: «لم تبخل تعز على اليمن يوماً، ففي كل مستشفى طبيب من أبنائها، وفي كل مدرسة معلم تعزي، وأنجبت المهندس والصيدلاني والمحامي والأكاديمي، وأنجبت الشاعر والمفكر والعالم والأديب، ولم تطلب مقابلاً سوى أن يبقى اليمن عزيزاً».
ويرى الهجري أن تعز، بما تمثله من حضور علمي وثقافي واجتماعي، أصبحت في مواجهة مشروع يقوم على التمييز والامتيازات القائمة على النسب، مشيراً إلى أن الجماعة دفعت بمقاتليها وقناصيها وألغامها وقذائفها، وفرضت حصاراً على المدينة.
وأكد أن الوفاء لتعز لا يكفيه الثناء، بل يتطلب إسناداً حقيقياً، محدداً ثلاث أولويات رئيسية:
1. فتح الطرق ورفع الحصار: بما يضمن حرية تنقل المواطنين ووصول الإمدادات إلى المدينة ومناطقها.
2. إيصال الغذاء والدواء والإغاثة: وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان، خصوصاً الفئات الأكثر تضرراً.
3. استعادة السيطرة على محيط المدينة: وإنهاء التهديدات العسكرية التي تستهدف أمن تعز واستقرارها.
وقال الهجري إن على الدولة والمجتمع ومختلف القوى السياسية والوطنية جعل فك الحصار عن تعز أولوية وطنية لا تقبل المساومة، مضيفاً: «فمن يتخلى عن تعز يتخلى عن الوطن الذي نحلم به جميعاً».
وشدد على أن الدفاع عن تعز يرتبط بالدفاع عن الوجه الحضاري لليمن، مؤكداً أن رفع الحصار عنها سيشكل محطة مهمة في تاريخ البلاد.