فاكهة عبدالجليل.. حكاية امرأة تختزل وجع اليمن (قصة صحفية)
أهلي
منذ 52 دقيقة
مشاركة
أعد القصة لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: لطالما استحضر العرب سيرة الخنساء عند كل حادثة تضحية تقدمها امرأة، فقد كانت مضرب المثل في التضحية والصبر على فقد الأحبة. غير أن حكاية “فاكهة عبدالجليل سفيان” في جبل صبر بمحافظة تعز (جنوب غرب اليمن) تختزل وجع اليمن ومأساته المنسية، منذ عقدين من الزمن، حين بدأت جماعة الحوثي المصنفة إرهابية تمردها في جبال صعدة. زوجان وشقيقان قتلتهم جماعة الحوثي منذ الحرب الأولى عام 2004، حتى وصلت رصاصهم إليها في عقر دارها أثناء عودتها إلى بيتها بمحافظة تعز، صبيحة أمس الجمعة 30 أكتوبر/تشرين 2026. إنها حكاية امرأة يمنية تجرعت على مدى 22 عاماً أوجاع حروب الحوثيين التي لم تمنحها فرصة للنجاة من مآسيها. لم تكن “فاكهة” مجرد قصة امرأة فقدت زوجها وأخيها، بل حكاية أمٍّ ترملت مرتين، وواصلت الحياة من أجل طفليها، قبل أن تنهي رصاصة قناص الحوثيين حياتها وهي تحاول تأمين احتياجات منزلها. بداية المأساة.. مقتل زوجها في العام 2004، استقبلت فاكهة عبدالجليل سفيان خبر مقتل زوجها محمد، الذي كان جندياً في الجيش اليمني، الذي قتل وهو يواجه تمرد جماعة الحوثي ضمن قوات الحكومة اليمنية في صعدة. بحسب مصادر مقربة تحدثت لـ”يمن ديلي نيوز” فإن زوجها محمد قتل بعد فترة وجيزة من حصوله على مولوده الوحيد منها، لتجد نفسها أرملة في وقت مبكر من حياتها. لم يكن أمام الأسرة سوى محاولة تضميد جراحها. ليقرر أخو محمد، عم الطفل، الزواج بفاكهة حفاظًا عليها وعلى ولدها اليتيم، وبدأت الأسرة الجديدة فصلًا جديداً من الحياة، تحاول فيه طي ألم الماضي وأوجاعه. وبعد سنوات، رُزقت الأسرة بطفل جديد، أضاف إلى حياتهما فرحة جديدة، وربما أطلقا عليه اسم محمد، تيمناً باسم عمه الراحل، ليظل اسمه حاضرًا في حياة الأسرة. لم تكن تعلم فاكهة أن الفقد سيعود إليها مرة أخرى بمأساة شقيقها. مقتل شقيها.. أحزان تتجدد بعد سنوات من مقتل زوجها، استقبلت فاكهة خبر مقتل شقيقها الجندي “ياسين عبدالجليل” الذي قُتل في مواجهات مع جماعة الحوثي في الحرب الرابعة، التي امتدت من فبراير إلى يونيو 2007، في إحدى جبهات صعدة. تجددت أحزان فاكهة، التي فقدت الزوج والأخ، وكانت تعتقد أن مآسيها ستقف عند هذا الحد. لكنها لم تكن تعلم أن الحرب ستعود إليها، وأنها ستفقد المزيد من أحبابها. مقتل زوجها الثاني في العام 2009، وبعد عامين من مقتل شقيقها، وصلها خبر مقتل زوجها الثاني في صعدة، خلال معارك الجيش مع جماعة الحوثي في الجولة السادسة من حروب الجماعة ضد الدولة اليمنية. لم تكن فاكهة قد تجاوزت ألم فقد زوجها الأول وشقيقها، حتى وجدت نفسها أمام فقد جديد، وهذه المرة كان عليها أن تواجه الحياة بطفلين، يحملان وجع اليتم قبل أن يفهما معنى الموت والحرب. مرت السنوات ثقيلة وبطيئة على فاكهة، التي كانت تنهض وتستأنف الحياة بصعوبة بعد كل فاجعة ومصيبة. شقيق ثالث ومأساة جديدة في العام 2014، تمددت جماعة الحوثي نحو العاصمة صنعاء، واستولت على العاصمة ومؤسسات الدولة، وبدأت بالتمدد نحو المحافظات الأخرى، بما فيها محافظة تعز. كانت فاكهة تنتمي إلى هذه المحافظة، وقد ذاقت جرائم الجماعة منذ نشأتها وإعلان تمردها الأول في جبال صعدة، تعرف أكثر من غيرها جرائم هذه الجماعة على اليمنيين، دون استثناء. في فبراير من العام 2015، كان مسلحو الجماعة يقصفون منازل المواطنين في قرى مديرية الأقروض بجبل صبر في إطار محاولتهم السيطرة على جبل صبر والسيطرة على مدينة تعز. كان “يوسف عبدالجليل سفيان” شقيق فاكهة، جنديًا شابًا من منتسبي قوات رئاسة الفرقة الأولى مدرع، والمنتمي إلى كتيبة الـ “بي إم بي”. وأحد أوائل سكان الأقروض الرافضين لتواجد الحوثيين، فقرروا في 11 نوفمبر 2015، مقاومتهم بأسلحتهم الشخصية. مواجهة غير متكافئة وفارق في التسليح، رجح الكفة لصالح الحوثيين، فقُتل يوسف وعدد من المقاومين في اليوم الأول من المواجهات، لكنهم أشعلوا شرارة الرفض المسلح، لتتكلل تضحياتهم بعد أسابيع بالنصر ودحر الحوثيين من قرى الأقروض. احتفى الأهالي بالنصر والحرية، في حين كانت فاكهة تحصي أوجاعها وفقدان أحبتها، فقد أخذت حروب الحوثيين منها زوجين وشقيقين، وتركتها أمًا لطفلين يتيمين، تحاول أن تصنع لهما حياة وسط كل تلك المآسي. الرصاصة الأخيرة لم يكن في بال فاكهة أنها ستكون واحدة من ضحايا حروب الحوثيين، وأن الجماعة التي تنتج الحروب ستعود بعد سنوات لتقتلها هي الأخرى. فبعد مرور 11 عاماً على مقتل شقيقها يوسف، عادت جماعة الحوثيين لمحاصرة الأقروض مرة ثانية، لكنها بشكل أكثر وحشية. في ظل حصار تعيشه قرى صبر، وقصف متواصل تشنه جماعة الحوثي على المنازل والأسواق، تسللت فاكهة صباح الجمعة إلى السوق لتحضر احتياجات المنزل. ربما ظنت أن الجماعة لن تستهدف النساء، أو أن رصاصة القناص لن تجد طريقها إليها. لكنها أخطأت، كما أخطأ كثيرون حين أحسنوا الظن بهذه الجماعة. حين قرر القناص المتمركز في موقع “حصن المخعف” قتلها، لم تكن فاكهة تحمل سلاحًا، ولم تكن طرفًا في معركة، بل كانت عائدة من السوق إلى منزلها، في يديها بعض احتياجات الأسرة، فأطلق عليها رصاصة قاتلة أثخنت جراحها ونزيفها. حاول الأهالي إسعافها، غير أن مسلحي الجماعة حاصروهم بالقصف، واستهدفوا سيارة الإسعاف، فلم يكن أمام الأهالي سوى حملها على الأكتاف، عبر طرق وعرة وجبلية، للوصول الى أقرب مركز صحي. حملها الرجال، بينما كانت روحها تفارق الحياة، ولم يكن في وسعهم سوى مواصلة السير بها، لعلهم يتمكنون من إنقاذها، لكن روحها فاضت وهي على أكتافهم. تبقى “فاكهة” وقبلها حافظة القرآن “مشيرة النقيب” وغيرهن – بحسب سكان محليين – مثالاً على المأساة التي تعيشها اليمن، منذ ظهور جماعة الحوثي التي جلبت الموت والدمار لليمن من أقصاه إلى أقصاه. ظهرت المقالة فاكهة عبدالجليل.. حكاية امرأة تختزل وجع اليمن (قصة صحفية) أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية