حين تصبح الستارة رايةً للرحمة في وجه الحرب..!!
حزبي
منذ 10 ساعات
مشاركة
«صحيفة الثوري» – (رأي): إلهام محمد زارعي لم تكن الستارة التي رفعتها نساء يمنيات حول أمٍّ باغتها المخاض في طريق النزوح مجرد قطعة قماش تستر جسدًا، بل كانت رايةً للرحمة ارتفعت في وجه الحرب، وشهادةً على أن الإنسانية تستطيع أن تصنع من أبسط الأشياء أعظم المواقف. في لحظةٍ كان يفترض أن تكون عابرة، تحولت تلك الستارة إلى مشهد صحفي تختصر فيه اليمن حكاية حربٍ طويلة، وحكاية شعبٍ لم تسمح له القسوة بأن يفقد قلبه. خلف القماش، لم تكن امرأة تضع طفلها فحسب، بل كانت أمةٌ كاملة تحاول أن تلد الأمل من رحم المعاناة، وأن تقول للعالم إن الكرامة لا تحتاج إلى مستشفى فاخر كي تُصان، وإن الرحمة قد تبدأ من أيدٍ عارية، لكنها قادرة على حماية حياة كاملة. فالتحديات، على قسوتها، لم تجعل هؤلاء النساء يستسلمن للعجز، بل حوّلنها إلى فرصة لإظهار أنبل ما في الإنسان من محبة وتضامن وإيثار. لم ينتظرن سيارة إسعاف، ولا غرفةً مجهزة، ولا تعليماتٍ رسمية؛ رأين الخطر فاستجبن له، ورأين امرأةً وحيدة فحوّلن أجسادهن إلى جدار أمان، ورأين طفلًا يوشك أن يأتي إلى عالمٍ مضطرب فقررن أن يكون أول ما يحيط به هو الستر والحنان. وحين غابت الإمكانات، حضرت الإرادة، وحين ضاقت الأرض بالنازحين، اتسعت القلوب لبعضها، وحين عجزت المؤسسات عن توفير الأمان، صنعت الرحمة مساحةً صغيرة احتضنت حياةً جديدة. وهذه ليست بطولةً عابرة، بل درسٌ في معنى المسؤولية: فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من مستشفيات وطرق ومؤسسات، بل بما يفعله أفرادها عندما تنهار الخدمات، وتغيب الحماية، ويصبح إنقاذ الإنسان مهمةً شخصية لا تحتمل التأجيل. إن المشهد يضعنا أمام سؤالٍ أخلاقي كبير: ماذا يبقى للإنسان حين تسقط عنه كل مظاهر القوة؟ الجواب تقدمه تلك النساء بوضوح؛ يبقى موقفه، وضميره، واستعداده لأن يمد يده إلى من يحتاجه. فالحرب قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع وحدها هدم معنى التكافل، ما دام في الناس من يرى ألم الآخر امتدادًا لألمه، وكرامته جزءًا من كرامته. وفي أفنية المستشفيات، حيث يفترش المرضى الأرض انتظارًا للعلاج، وحيث يبيع أبٌ مصدر رزقه لينقذ طفله، تتجلى حقيقة أعمق من الألم: أن الإنسان لم يُخلق ليحمل أوجاعه وحده، وأن تقدم أحدنا وسلامته مسؤولية الأسرة الإنسانية بأكملها. هناك، في طوابير الانتظار، وفي عيون الأمهات، وفي أيدي الآباء المرتجفة، لا نرى أزمةً صحية فحسب، بل نرى ثمن الحروب حين تتحول حياة الناس إلى معركة يومية من أجل الدواء، والماء، والمأوى، والحق في النجاة. ومع ذلك، فإن هذه المشاهد لا ينبغي أن تتحول إلى مادةٍ للاستهلاك العاطفي أو إلى صورٍ مؤثرة تُنسى بعد دقائق. فالتعاطف الحقيقي يبدأ حين يتحول التأثر إلى فعل، وحين تتحول الحكايات الفردية إلى وعيٍ عام يطالب بحماية المدنيين، ودعم النازحين، وإعادة بناء المؤسسات، وضمان وصول العلاج، والوقوف في وجه من يجعلون الأبرياء وقودًا لصراعاتهم. فالرحمة الفردية عظيمة، لكنها لا تعفي العالم من مسؤوليته في إنهاء أسباب المأساة. إن المحن لا تصنع الفضائل من العدم، لكنها تكشف ما تختزنه النفوس من جواهر، كما يكشف الاحتكاك بريق الذهب. وهؤلاء النساء لم ينتظرن أن تنتهي الحرب ليبدأن بصناعة السلام؛ لقد صنعنه بأيديهن، حين أدركن أن خدمة الإنسان أسمى من كل اختلاف، وأن المحبة ليست شعورًا نردده، بل قوةً نحول بها المعاناة إلى عطاء. لقد قدمن تعريفًا عمليًا للسلام: أن تحمي ضعيفًا، وأن تستر محتاجًا، وأن تمنح الخائف شعورًا بأنه ليس وحده. ومن هنا، فإن الدرس الأهم لا يخص اليمن وحده، بل يخص كل مجتمع يواجه الانقسام والفقر والخوف. فالأزمات تكشف هشاشة الأنظمة، لكنها تكشف أيضًا قوة الروابط الإنسانية. وقد لا يملك الفرد القدرة على وقف حرب، أو إعادة بناء مدينة، أو إصلاح مؤسسة، لكنه يملك أن يخفف ألمًا، وأن يمنع إذلالًا، وأن يفتح نافذةً صغيرة للنجاة. وفي أوقات الانهيار، قد تكون هذه الأفعال الصغيرة هي التي تحفظ للمجتمع تماسكه، وللإنسان إنسانيته. ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن طفلًا وُلد خلف ستارة، لكنه جاء إلى عالمٍ استقبلته فيه قلوبٌ أوسع من المستشفيات؛ وكأن اليمن، رغم جراحه، يهمس لنا: قد تعجز أيدينا عن تغيير الظروف كلها، لكنها لا تعجز عن أن تكون سببًا في تغيير حياة إنسان. ذلك الطفل لم يولد في غرفةٍ معقمة، لكنه وُلد وسط درسٍ نقيّ في التضامن. ولم تكن الستارة حاجزًا بينه وبين العالم، بل كانت أول صفحةٍ في قصةٍ تقول إن الأمل قد يولد في أكثر الأماكن قسوة، وإن الكرامة يمكن أن تُحمى بأبسط الوسائل، وإن الإنسان، حين يختار الرحمة، يصبح أقوى من الحرب. ودمتم سالمين The post حين تصبح الستارة رايةً للرحمة في وجه الحرب..!! first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية