حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
أ.د. عبدالله غالب المعمري
يا سَدَنة الكهنوت، يا مَن تنفخون في رماد الخوف لتُطفئوا آخر جمرة ثورةٍ في صدر اليمن، هي تعز، يا مَن تتسللون بين الشقوق إلى أرواح الناس، لا لتمنحوها الطمأنينة والسكينة، بل لتُعلِّموها كيف تتعايش مع الذل، وكيف تتصالح مع الامتهان، وكيف تتمضمض بالصمت كلما لوَّث الاستبداد أفواهها، وكيف تدخل محراب الطاعة العمياء وهي تظنّ أنها تدخل محراب النجاة!
رويدكم!
فليست كلُّ سجدةٍ عبادة، وليست كلُّ طاعةٍ فضيلة، وليس كلُّ صمتٍ حكمة. ثمة سجودٌ لله وللحق يرفع الإنسان إلى مقام الحرية، وثمة خضوعٌ للطغيان يُسقطه في قاع العبودية. وبين المقامين مسافةٌ لا تقيسها الأقدام، بل تقيسها الضمائر؛ مسافةٌ بين روحٍ تعرف قدرها، وروحٍ أُريد لها أن تنسى أنها خُلقت حرّة.
يا مَن تُروِّضون المجتمع على الطاعة للمليشيات الحوثية، ماذا تفعلون بأرواح الناس؟ أتريدون لها أن تنسى معنى الكرامة، ومعنى الحب، ومعنى الإنسانية؟ أتريدونها أن تتصالح مع القيد، وأن تتعلّم ترتيل زوامل جلّادها، وأن تهتف لمن صادر حريتها، وأن تُسبّح بحمد مَن صادر خبزها ومستقبل أبنائها؟!
يا للعار!
أيُّ بؤسٍ هذا الذي يجعل الخوف فضيلة، والانحناء حكمة، والتبعية نجاة؟ وأيُّ كهنوتٍ هذا الذي يريد من الإنسان أن يُطفئ نور عقله بيده، ثم يشكر مَن أظلم عليه الطريق؟!
أنتم لا تُروِّضون مجتمعاً فحسب؛ أنتم تحاولون اغتيال الإنسان في أعماقه، ومصادرة روحه، وتحويل الوطن من فضاءٍ للحرية إلى زنزانةٍ واسعة، يتعلّم فيها المقهور كيف يُخفي وجعه، وكيف يبتلع اعتراضه، وكيف يُخفي الحقيقة خلف ابتسامة الخائفين!
لكن هيهات!
ففي بيوت تعز التي أثقلها الجوع والعطش، لا تستأجر الكرامة ذلّاً، ولا تبيع الروح حريتها مقابل رغيف. وفي صدورٍ أرهقها الفقد، وعيونٍ تتظاهر بالطمأنينة بينما تُخفي وراء جفونها وجعاً هائلاً، تسكن مقاومةٌ لا تستطيعون مصادرتها إلى الأبد.
يا سَدَنة الكهنوت، افهموا: ليس كلُّ مَن صمت اقتنع، وليس كلُّ مَن خاف بايع، وليس كلُّ مَن اضطرته الحاجة إلى مسايرة الواقع قد منحكم قلبه.
قد يُخفي الإنسان صوته كي يحمي أطفاله، وقد يؤجّل اعتراضه كي ينجو بأسرته، وقد يصبر لأن أبواب النجاة ضاقت في وجهه؛ لكن لا تجعلوا اضطرار المقهور دليلاً على رضاه، ولا تخلطوا بين صمت الضحايا وشرعية الجلاد.
The post إلى سَدَنة الكهنوت.. لا تُروِّضوا المجتمع على العبودية، ففي أعماقنا روحُ ثورة! first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.