مواليد صنعاء.. رحلة شاقة بحثاً عن اللقاحات
حزبي
منذ أسبوع
مشاركة
لم تكن تتوقع أن تصبح أولى رحلاتها مع رضيعتها خارج المنزل بحثا عن حق مفقود. فبعد أيام من ولادتها في أحد مستشفيات العاصمة صنعاء، خرجت أم يمنية بحثا عن جرعات التطعيم الأساسية لطفلتها، لكنها عادت بخيبة ثقيلة وسؤال لا تجد له إجابة: أين اختفت اللقاحات؟ تنقلت بين المراكز الصحية بحثا عن جرعة تحمي طفلتها من أمراض الطفولة القاتلة، لكن الإجابة كانت واحدة: «لا توجد لقاحات». وقبل أن تغادر أحد المراكز، فاجأها عامل صحي بنصيحة بدت أشبه بإعلان العجز: «إذا معك قدرة، انزلي عدن.. هنا ما فيش لقاحات». تختصر هذه الحكاية معاناة أسر في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، وسط شكاوى من نقص لقاحات أساسية، بينها اللقاح الخماسي ولقاحات شلل الأطفال والحصبة، ما يضطر بعض الأهالي إلى التنقل بين المرافق الصحية، وربما التفكير بالسفر إلى محافظة أخرى للحصول على جرعات يفترض تقديمها مجانا. أرفف خاوية تؤكد الطبيبة «أرزاق» أن عددا من المستشفيات والمراكز الصحية في صنعاء ومحافظة إب يعاني منذ أشهر نقصا حادا في لقاحات التحصين الروتيني، ما يدفع الأمهات إلى التنقل بأطفالهن بين المرافق الصحية والعودة دون الحصول على الجرعات المقررة. وتقول إن المشكلة لم تعد تقتصر على نقص عابر في بعض الأصناف، بل باتت مصدر قلق للأسر والعاملين في القطاع الصحي، في ظل غياب معلومات واضحة بشأن أسباب الانقطاع وموعد استئناف توفير اللقاحات. وتثير شكاوى النقص تساؤلات بشأن إدارة ملف التحصين لدى السلطات الصحية التابعة للحوثيين، وآليات استلام اللقاحات وتوزيعها، خصوصا أن برامج التحصين في اليمن تعتمد على دعم دولي تقدمه جهات، بينها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، ومنظمة الصحة العالمية، والتحالف العالمي للقاحات «غافي». وبين هذا الدعم وشكاوى الأسر من غياب الجرعات، تبرز الحاجة إلى توضيح أسباب التعثر، والكشف عن وضع الإمدادات ومدى وصولها إلى المرافق الصحية. اللقاح لمن يدفع؟ غير أن معاناة الأسر لا تتوقف عند نقص اللقاحات، إذ تثير شهادة أحد المواطنين شبهة استغلال حاجة الأهالي للحصول على التطعيمات مقابل المال. يروي المواطن «محمد علي» لـ«الصحوة نت» أنه توجه لتطعيم طفله، فأبلغه أحد العاملين بعدم توفر اللقاح، لكنه فوجئ بالموظف يلحق به ويعرض توفير حقنتين مقابل خمسة آلاف ريال. يقول محمد بحرقة: «قال لي ما فيش لقاح، وبعدما خرجت لحق بي وقال بصوت خافت: بوفر لك الحقنتين بخمسة آلاف ريال». ثم يتساءل: «كيف أصبح حق طفلي في التطعيم سلعة تُباع لمن يستطيع الدفع؟». وتثير هذه الشهادة تساؤلات بشأن الرقابة على صرف اللقاحات، واحتمال استغلال ندرتها لتحقيق مكاسب مالية على حساب الأسر التي أنهكها الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية. ويقول «مروان»، وهو ممرض في مستشفى حكومي، إن ضعف الرقابة وغياب الشفافية يفتحان الباب أمام ممارسات استغلالية، يدفع ثمنها المواطنون، خصوصا الأسر التي تعجز عن توفير احتياجاتها اليومية. أطفال بلا تحصين لا تقتصر خطورة الأزمة على معاناة الأهالي في البحث عن اللقاحات، بل تمتد إلى صحة الأطفال، خصوصا الرضع الذين يحتاجون إلى تلقي جرعاتهم الأساسية وفق جداول زمنية محددة. ويحذر مختصون في طب الأطفال والصحة العامة من أن استمرار تعثر التحصين يترك الأطفال دون حماية كافية، ويرفع مخاطر الإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات، أبرزها شلل الأطفال والحصبة والدفتيريا والسعال الديكي. وتتفاقم المخاطر مع تزايد أعداد الأطفال الذين لم يتلقوا تطعيماتهم أو لم يستكملوا جرعاتهم، بما يوسع فجوات المناعة المجتمعية ويهيئ الظروف لعودة تفشيات وبائية يصعب احتواؤها في ظل تدهور المنظومة الصحية. التشكيك باللقاحات وإلى جانب شكاوى نقص الجرعات، يواجه التحصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تحديا آخر يتمثل في خطابات التشكيك بسلامة اللقاحات، التي صدرت خلال فترات سابقة عن قيادات وشخصيات مرتبطة بالجماعة. وأثارت تلك الخطابات مخاوف في الأوساط الطبية من تأثيرها على ثقة الأسر بالتطعيم، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حماية الأطفال من الأمراض المعدية. ويحذر عاملون في القطاع الصحي من أن تزامن نقص اللقاحات مع التشكيك بسلامتها يضاعف المخاطر، سواء بحرمان الأطفال من الجرعات أو بتراجع إقبال الأهالي عليها. ويؤكدون أهمية استمرار برامج التحصين وتوفير اللقاحات والمعلومات الواضحة للأسر بشأن مأمونيتها وأماكن الحصول عليها. بين أم طُلب منها السفر إلى عدن لتطعيم رضيعتها، وأب عُرضت عليه حقنتان مقابل خمسة آلاف ريال، تظل الأسئلة معلقة بشأن أسباب نقص اللقاحات والرقابة على توزيعها، فيما تنتظر الأسر إجابات وإجراءات تضمن وصول جرعات التطعيم مجانا إلى الأطفال، دون أن تتحول حاجتهم إلى الوقاية من المرض إلى فرصة للاستغلال.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية