حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
أمين الجبر
تجمع أغلب نظريات فلسفة التاريخ، في رؤيتها الكلية للحروب والثورات، على اعتبارها محركا للتاريخ، ومنعطفات مفصلية تؤسس لبزوغ عهد وانقضاء آخر؛ عهد مغاير لسابقه في ثقافته ومعطياته، وتحولاته الاجتماعية والسياسية. كما تمثل هذه الأحداث لحظات فارقة في سياق الصيرورة التاريخية، بما تنطوي عليه من إرهاصات لمستقبل متجدد، وإمكانات للتحرر والتغيير وإعادة تشكيل الواقع.
وقد تجلت هذه الدلالات التاريخية في ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م المجيدة، التي انبثقت من روافد وطنية متعددة، وشكلت امتدادا ثوريا لحركة التحرر العربي، التي مهدت لها الحركة الوطنية في جنوب اليمن بمختلف تعبيراتها السياسية والفكرية. وقد غدت هذه الثورة واحدة من أنقى الأحداث الثورية في تاريخ اليمن المعاصر، ليس لكونها موجهة ضد محتل أجنبي وحسب، وإنما لأنها مثلت حالة نضالية جامعة، التقت حولها قطاعات واسعة من الحركة الوطنية اليمنية، شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا، على اختلاف توجهاتها ومشاربها السياسية والأيديولوجية.
ولعل ما منح هذه الثورة خصوصيتها التاريخية أنها تجاوزت، في جوهرها التحرري، مجرد مقاومة الوجود الاستعماري البريطاني، لتستهدف أيضا التخلص من إرث استعماري سعى، طوال سنوات هيمنته، إلى إضعاف الهوية الوطنية الجامعة، وتغذية الانقسامات المناطقية والجهوية، وإذكاء الصراعات والتناقضات المحلية؛ بما يضمن استمرار نفوذه واستحواذه على مقدرات البلاد لأطول فترة ممكنة.
إن القيمة التاريخية لثورة الرابع عشر من أكتوبر تكمن في كونها فعلا وطنيا خالصا في مواجهة استعمار خارجي متغطرس، وحدثا مفصليا في حياة الشعب اليمني، أسس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لمرحلة ما بعد الاستعمار، ومهد لبناء الدولة الوطنية الحديثة في جنوب اليمن. وهي الدولة التي استوعبت، بدرجات متفاوتة، مفاهيم أكثر حداثة ومدنية، من قبيل المواطنة والمشاركة السياسية وبعض الممارسات الديمقراطية، مهما شاب التجربة من أوجه قصور وتناقضات.
ويكفي هذه الثورة أهمية أنها أسهمت في توحيد العديد من السلطنات والمشيخات في كيان سياسي واحد، ودفعت باتجاه تجاوز الانتماءات الجهوية والنزعات المحلية الضيقة، لصالح هوية وطنية أوسع. وهي، بهذا المعنى، لم تكن مجرد حركة عسكرية لطرد المستعمر، بل مشروعا للتحرر الوطني وإعادة بناء الكيان السياسي والاجتماعي، على قاعدة الانتماء إلى وطن واحد ومصير مشترك.
لقد آمنت حركة القوميين العرب بفكرة الكفاح المسلح في اليمن منذ خمسينيات القرن الماضي، ومع اندلاع ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م في شمال الوطن، تهيأت ظروف موضوعية أسهمت في توفير خلفية مساندة لانطلاق ثورة أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني في جنوبه. وفي خضم تلك التحولات، وصلت قوى سياسية ووطنية، وفي مقدمتها الجبهة القومية، إلى قناعة بجدوى إعلان الكفاح المسلح، بوصفه الطريق نحو الاستقلال الناجز، وهو الخيار الذي تبنته قطاعات من فصائل الحركة الوطنية، وإن اختلفت تقديراتها بشأن توقيته وآلياته ومآلاته.
ومن جبال ردفان انطلقت شرارة الثورة في الرابع عشر من أكتوبر 1963م، وكان الشهيد غالب بن راجح لبوزة في طليعة رموزها، لتتسع دائرة المواجهة وتتجاوز حدودها الأولى، مستندة إلى نضال ميداني رافقه نشاط إعلامي مكثف، اضطلعت فيه الصحافة والإذاعة بأدوار مؤثرة في تعبئة الجماهير، وتعزيز الوعي الوطني، والتعريف بأهداف الثورة. وخلال عامها الأول، اتسع نطاق العمل الثوري ليصل إلى عدن ومناطق عديدة من جنوب الوطن، بما عكس تنامي الحاضنة الشعبية واتساع رقعة المواجهة مع الاستعمار.
غير أن تعدد الفصائل الثورية وتباين مرجعياتها الأيديولوجية ألقيا بظلالهما على مسار النضال، وأفرزا اختلافات في الرؤى والمواقف من الكفاح المسلح، ومن طبيعة المرحلة الانتقالية، وشكل الدولة المنشودة بعد الاستقلال. وقد تبلور جانب من هذه الاختلافات في استقطاب سياسي وفكري بين تيارات وُصفت باليسارية وأخرى باليمينية، لكل منها تصوراتها المتباينة بشأن مسار الثورة ومستقبلها.
ولم تكن هذه التباينات مجرد خلافات عابرة، بل تحولت لاحقا إلى إحدى بؤر الصراع في مرحلة ما بعد الاستقلال، حين انتقلت التناقضات من ميدان مواجهة الاستعمار إلى ساحة التنافس على السلطة وتحديد هوية الدولة واتجاهاتها السياسية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن ما يمكن تأكيده هو أن فكرة الكفاح المسلح، ومطلب الاستقلال الناجز، قد فرضا نفسيهما في نهاية المطاف على حساب المشاريع التي كانت ترى إمكان الوصول إلى تسوية لا تحقق الاستقلال الكامل. ثم دخلت القوى الوطنية في مرحلة جديدة من الجدل والصراع الأيديولوجي، انتهت، وفق ما تسجله المصادر التاريخية، إلى صعود القوى اليسارية وهيمنتها على السلطة.
وإذا كانت الثورة قد حققت استقلال الجنوب من الاستعمار البريطاني، فإن قراءة تجربتها التاريخية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الإنجاز التحرري، بل يتعين أن تمتد إلى ما أعقب الاستقلال من تحولات وإخفاقات وصراعات. فالتاريخ لا يكتمل بمجرد الاحتفاء بالانتصارات، وإنما يستدعي أيضا قراءة نقدية للتجارب، تستخلص دروسها، وتفصل بين عدالة الأهداف الوطنية وبين ما قد يعتري الممارسة السياسية من أخطاء وتناقضات.
إن ثورة الرابع عشر من أكتوبر، أيا كانت ملامح تجربتها السياسية وتوجهاتها الفكرية، ستظل حاضرة في الوجدان الجمعي اليمني، بوصفها محطة مضيئة في مسيرة التحرر الوطني، ورافدا أساسيا من روافد الوعي بالهوية اليمنية الجامعة. وستظل أهدافها التحررية ومبادئها الوطنية قادرة على إلهام الأجيال، متى أحسنا استحضارها بعيدا عن التوظيف السياسي الضيق، وربطنا دلالاتها التاريخية بأسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.
ولعل اليمن، في ظل ما يشهده اليوم من تمزق وصراعات وانقسامات، أحوج ما يكون إلى استعادة القيم الوطنية التي جسدتها ثورة أكتوبر، لا باعتبارها مجرد ذكرى تستعاد في المناسبات، أو خطابا احتفاليا يتكرر كل عام، وإنما بوصفها تجربة تاريخية تحمل إمكانات حقيقية لاستلهام معاني السيادة الوطنية، ووحدة المصير، والتضامن في مواجهة المشاريع التي تنتقص من استقلال القرار الوطني أو تعيد إنتاج الانقسامات المناطقية والجهوية.
إن الذاكرة الوطنية، بما تختزنه من قيم ومبادئ وتجارب، يمكن أن تشكل جسرا للعبور من واقع الاصطراع إلى أفق التوافق، ومن منطق الغلبة والإقصاء إلى منطق الدولة والمواطنة. غير أن ذلك يظل مرهونا بقدرتنا على تحويل الذاكرة من مجرد استدعاء للماضي إلى وعي نقدي بالحاضر، يستوعب أخطاء التجربة، ويتمسك بمبادئها التحررية، ويعيد الاعتبار للمصلحة الوطنية الجامعة.
ولعل أهم القيم السياسية والتاريخية التي نستقيها من ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر هي أن الانتصار للمبادئ الوطنية، مهما طال الطريق وتعاظمت التحديات، يظل شرطا جوهريا لتحقيق الاستقلال وصون السيادة وبناء الدولة المدنية الحديثة. كما تعلمنا الثورة أن الإصرار والصمود في مواجهة العواصف والمؤامرات، أيا كان مصدرها، لا يستمدان قيمتهما من مجرد القدرة على المواجهة، بل من عدالة القضية ووضوح الهدف ونبل الغاية.
وتبقى القيمة الأهم التي ينبغي استلهامها من هذه الثورة هي الثبات على المبادئ الوطنية، ورفض المساومة على السيادة، أو المتاجرة بقيم الدولة المدنية، أو إخضاع المصالح العليا للشعب لحسابات القوى المتصارعة ومشاريع الهيمنة والنفوذ.
تلك المبادئ، في اعتقادنا، ليست أثرا من الماضي انقضى بانقضاء ظروفه، بل هي قيم حية قابلة للتجدد، ما دامت حاضرة في الوجدان الوطني وفاعلة في الوعي الجمعي. وبها يمكن استعادة المشروع الوطني اليمني، وترميم ما تصدع من روابطه، وتجسير الهوة بين مكوناته، ومواجهة واقع الاصطراع الذي كرسه التعصب وأنتجته الحسابات الضيقة.
فالثورات العظيمة لا تخلد بمجرد انتصاراتها، وإنما بقدرتها على إبقاء مبادئها حية في ضمير الأوطان، وبما تتركه من أثر في وعي الأجيال وإرادتهم لبناء المستقبل.
The post في ذكرى ثورة 14 أكتوبر المجيدة first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.