تدقيق حقائق
قدم رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في الرابع والعشرين من شهر أيلول الماضي رواية بشأن عنف المستوطنين في الضفة الغربية وأوضاع المسيحيين الفلسطينيين، تضمنت أرقاما وادعاءات حول حجم عنف المستوطنين وعدد ضحاياه، والتغير الديموغرافي المسيحي في مدينة بيت لحم.
وفي ملف المستوطنين، قال نتنياهو إن ما يوصف بأنه “عنف المستوطنين” تقف وراءه “حفنة من الجانحين الأحداث” يبلغ عددهم نحو 150 شخصا، مضيفا أن عدد القتلى الناتجين عن هذا العنف “ربما اثنان أو ثلاثة” سنويا.
وفي ملف المسيحيين، قال إن بيت لحم عندما كانت تحت السيطرة الإسرائيلية 80 إلى 90 في المئة من مواطنيها كانوا آنذاك مسيحيين، قبل أن تصبح اليوم بحسب روايته، 80 الى 90% مسلمة، مضيفا أن المسيحيين “أُخرجوا” منها بعد انتقال السيطرة إلى السلطة الفلسطينية.
الإدعاءات الرئيسية:
– عنف المستوطنين يقتصر على 150 شخصا فقط وعدد القتلى الناتجين عنف المستوطنين “ربما اثنان أو ثلاثة” سنويا.
نسبة المسيحيون في بيت لحم كانت 80٪ عندما كانت بيت لحم تحت السيطرة الإسرائيلية.
المسيحيون “أُخرجوا” من بيت لحم بعد انتقال السيطرة إلى السلطة الفلسطينية.
الادعاء الأول: عنف المستوطنين يقتصر على 150 شخصا فقط، وعدد القتلى الناتجين عنف المستوطنين “ربما اثنان أو ثلاثة” سنويا
تحقق مرصد كاشف من صحة هذا الادعاء بالرجوع إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA حول اعتداءات المستوطنين. وبحسب تقرير OCHA الصادر في 28/8/2026، قُتل 23 فلسطينيا وأصيب أكثر من 1040 آخرين في سياق اعتداءات المستوطنين منذ بداية العام وحتى تاريخ التقرير.
كما وثقت الأمم المتحدة خلال الفترة بين 11 و24 آب 2026 وحدها ثمانين هجوما للمستوطنين أسفرت عن إصابة 55 مواطنا فلسطينيا وأضرار بالممتلكات.
كما وثقت OCHA هجومًا في 21/8/2026 شارك فيه أكثر من 50 مستوطنا قرب سعير في الخليل، وأدى إلى استشهاد طفل فلسطيني وإصابة آخر بجروح خطيرة، إضافة إلى إحراق منشأة وتضرر أربعة مبانٍ سكنية وتدمير نحو 7 أطنان من الأعلاف.
وفي 20/8/2026، أصيب 11 مواطنا فلسطينيا في هجوم على المغير قضاء رام الله، وأصيب 11 آخرون في هجوم على تجمع دير شمس قرب الظاهرية في الخليل، تخلله، بحسب OCHA، سرقة أكثر من 240 رأسا من الأغنام وإلحاق أضرار بالمنازل والمركبات ومنشأة للحيوانات.
كما قام فريق المرصد بالرجوع إلى البيانات الرسمية الفلسطينية الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. وبحسب التقرير الصادر عن الهيئة، وقع 3,488 اعتداء مباشرا نفذه مستوطنون خلال الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني وحتى 30 حزيران من العام 2026، وأسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد 17 مواطنا فلسطينيا.
كما رصد التقرير تهجير خمس تجمعات بدوية فلسطينية تضم عشرات العائلات، بعد تعرضها لاعتداءات وتهديدات وضغوط من المستوطنين دفعتها إلى مغادرة مساكنها وأراضيها الرعوية، ولا سيما في مناطق الأغوار وشرق رام الله والخليل.
نتيجة التحقق الأول
الأرقام الواردة في تقرير OCHA وتقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تؤكد أن تصريحات نتنياهو مضللة عندما ادعى أن “عدد القتلى الناتجين عن عنف المستوطنين ربما اثنان أو ثلاثة سنويا” حيث كشفت التقارير عن استشهاد قرابة العشرين مواطنا فلسطينيا نتيجة اعتداءات المستوطنين منذ بداية العام الجاري 2026 وحده.
كما أن ادعاء نتنياهو بأن عنف المستوطنين يقتصر على 150 شخصا فقط هو مضلل أيضا، خصوصا وأن الاعتداءات تتم على مساحة جغرافية واسعة من محافظة الخليل جنوبا وحتى محافظات شمال الضفة الغربية وفي ذات التوقيت، وهناك أمثلة كثيرة تكشف زيف هذا الادعاء، علما أن اقتحاما واحدا للمستوطنين لقبر يوسف في مدينة نابلس يشارك به المئات وفقا لهذا الفيديو الذي نشر بتاريخ 27/8/2026، وهو ما يعطي مؤشرا على أعداد المستوطنين الذين يشاركون في الاقتحامات والاعتداءات على المدن والقرى الفلسطينية.
الادعاء الثاني: نسبة المسيحيون في بيت لحم كانت 80٪ عندما كانت بيت لحم تحت السيطرة الإسرائيلية.
تحقق مرصد كاشف من صحة هذا الادعاء بالرجوع إلى التعداد السكاني الذي أجري بعد حرب حزيران عام 1967 أي عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية بما فيها بيت لحم، وبلغ عدد السكان وفقاً للتعداد نحو 603,000 نسمة (ولا يشمل هذا الرقم مئات الآلاف الذين نزحوا قسراً إلى الأردن ودول أخرى فور وقوع الحرب).
أما بالنسبة لعدد المسيحيين في مدينة بيت لحم وفقاً للإحصاءات الرسمية المتاحة لعام 1967، فقد بلغ 6,231 نسمة، وهو ما كان يُمثّل نسبة 46.1% من إجمالي سكان المدينة البالغ حينها 14,439 نسمة (بينما بلغ عدد المسلمين 7,790 نسمة بنسبة 53.9%).
نتيجة التحقق الثاني: مضلل. حيث تُظهر بيانات تعداد 1967 أن المسيحيين لم يشكلوا 80–90% من سكان مدينة بيت لحم، بل كان عددهم أقل من نصف السكان.
الادعاء الثالث: المسيحيون “أُخرجوا” من بيت لحم بعد انتقال السيطرة إلى السلطة الفلسطينية.
لم يجد مرصد كاشف أي كتابات تاريخية أو مصادر أو أدلة تدل على وقوع عملية طرد أو تهجير جماعي للمسيحيين من بيت لحم بصفتهم مسيحيين. كما أن انخفاض نسبة المسيحيين لا يثبت بمفرده وقوع عملية طرد من جانب السلطة الفلسطينية. وتحقق كاشف من هذا الادعاء من خلال الخطوات التالية:
أولاً: للتحقق من أسباب هجرة المسيحيين في فلسطين، أطلق مرصد كاشف استطلاعا للرأي مخصص للمواطنين المسيحيين، على عينة مكونة من 384 مشاركا ومشاركة بعد توزيع رابط الاستطلاع على عينة مسيحية قصدية تغطي مجموعات مختلفة من المسيحيين.
ويشار الى أن العينة ممثلة لعدد المسيحيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، عند مستوى ثقة يبلغ 95% ونسبة خطأ تبلغ 5%، خصوصا وأن نسبة المسيحيين تبلغ 1% أي ما يقارب 47 ألفا وفقا لبيانات جهاز الاحصاء المركزي.
أبرز نتائج الاستطلاع:
8 من كل 10 مسيحيين فكروا بالهجرة.. الاقتصاد والاحتلال في صدارة الأسباب
غالبية المشاركين لم يتعرضوا لاعتداءات من السلطة الفلسطينية بسبب الدين
أكثر من 80% لديهم أقارب هاجروا من فلسطين
الهجرة حاضرة في تفكير أكثر من 80% من المشاركين
أظهرت النتائج أن 58.7% من المشاركين قالوا إنهم فكروا خلال السنوات الأخيرة بالهجرة من فلسطين بشكل جدي، فيما أفاد 22.9% بأنهم فكروا بالهجرة ولكن بشكل غير جدي. في المقابل، قال 16% إنهم لم يفكروا بالهجرة، بينما اختار 2.4% عدم الإجابة.
وبذلك، فإن 81.6% من المشاركين أشاروا إلى أنهم فكروا، بدرجات متفاوتة، في الهجرة من فلسطين.
وعند سؤال المشاركين الذين لديهم رغبة في الهجرة عن السبب الرئيسي، جاءت الأوضاع الاقتصادية وقلة فرص العمل في المرتبة الأولى بنسبة 39.9%.
وحلّ الاحتلال بشكل عام في المرتبة التالية بنسبة 25.2%، بينما أشار 14.4% إلى عدم الشعور بالأمان بسبب كفاية الحماية الدينية، وقال 10% إن عنف المستوطنين ومخاطر الاعتداءات يمثل السبب الرئيسي لرغبتهم في الهجرة، فيما توزعت النسب المتبقية على أسباب أخرى.
وفي حال الجمع بين الاحتلال بواقع 25.2% وعنف المستوطنين الناجم عن الاحتلال 10%، فإن النسبة ترتفع الى 35.2%.
وتشير هذه النتائج إلى أن العوامل الاقتصادية والسياسية تشكل الجانب الأبرز في دوافع التفكير بالهجرة.
أكثر من 80% لديهم أقارب هاجروا من فلسطين
وفي مؤشر آخر على اتساع حضور ظاهرة الهجرة داخل العائلات والمجتمعات المسيحية الفلسطينية، قال 80.9% من المشاركين إن لديهم أقارب من الدرجة الأولى أو الثانية هاجروا من فلسطين، مقابل 15.2% قالوا إنه لا يوجد لديهم أقارب من هذه الفئة هاجروا، فيما بلغت نسبة من اختاروا “لا أعرف” نحو 4%.
تحسين الاقتصاد وإنهاء الاحتلال أبرز ما قد يشجع على العودة
وفي سؤال حول العامل الأكثر تأثيراً في إمكانية عودة المسيحيين المهاجرين إلى فلسطين، تصدّر تحسين الأوضاع الاقتصادية النتائج بنسبة 48.4%.
وجاء إنهاء الاحتلال بنسبة 27.9%، ثم تعزيز الحريات الدينية وضمان المساواة بنسبة 16%، بينما رأى 7.7% أن تغيير النظام السياسي الفلسطيني هو العامل الأكثر تأثيرا.
غالبية المشاركين لم يتعرضوا لاعتداءات بسبب الدين
وفيما يتعلق بالتجربة الشخصية مع الاعتداءات على خلفية دينية، أفاد 87.7% من المشاركين بأنهم لم يتعرضوا لأي اعتداء من السلطة الفلسطينية على خلفية الديانة، بينما أجاب 3.7% بأنهم تعرضوا لذلك، في حين اختار 8.6% خيار “أفضل عدم الإجابة”.
ثانياً: التحقق من أوضاع السكان المسيحيين في بلدة الطيبة، بمحافظة رام الله والتي تعتبر آخر بلدة مسيحية بالكامل في فلسطين. تقع الطيبة في منطقة “ب” وفقا لتقسيمات أوسلو، أي أن للسلطة الفلسطينية صلاحيات مدنية كاملة فيها، إضافة الى وجود مركز شرطة فلسطيني فيها لحفظ الأمن، علما أن هذه البلدة تقدم مثالا على تداخل ملف الوجود المسيحي مع قضية عنف المستوطنين والاحتلال بشكل عام.
كشف راعي كنيسة المسيح الفادي في الطيبة الأب بشار فواضلة في مقابلة خاصة مع مرصد كاشف، أن أكثر من 16 عائلة غادرت الطيبة مؤخرا، رابطا مغادرتها بالوضع الأمني والاعتداءات المستمرة من قبل المستوطنين.
وأوضح أن من بين العائلات التي غادرت البلدة عائلات جاءت من قطاع غزة قبل سنوات واستقرت فيها، قبل أن تتعرض منازل وسيارات أفراد منها للاعتداء والحرق، ما دفعهم إلى الانتقال والاستقرار في رام الله.
وكشف تقرير صادر عن مرصد الحضور المسيحي – الأرض المقدسة توثيق 8 اعتداءات خلال عام 2026 وشملت الاعتداء على السكان، إحراق الممتلكات، سرقة المحاصيل والمواشي، إقامة بؤر استيطانية، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
تكشف هذه المعطيات أن الطيبة، لا تقدم وحدها تفسيرًا شاملًا لظاهرة الهجرة المسيحية، لكنها تكشف أن الحديث عن مستقبل المسيحيين الفلسطينيين لا يمكن فصله عن البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية التي يعيشون فيها، بما في ذلك الاحتلال وعنف المستوطنين، خطاب نتنياهو فصل بين قضية المستوطنين وقضية المسيحيين، لكن الطيبة تقدم مثالًا على تداخل الملفين.
ثالثاً: تحقق المرصد من تقرير اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس الذي يوثق 51 انتهاكا ضد المسيحيين ومقدساتهم خلال 2026.
فقد وثقت اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين 51 واقعة انتهاك بحق المسيحيين والمقدسات المسيحية خلال الفترة الممتدة من 4/1/2026 حتى 7/8/2026، وفق التقرير الذي أصدرته اللجنة.
وشملت الوقائع القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وطالت، بحسب اللجنة، الكنائس والمصلين ورجال الدين والأراضي والممتلكات التابعة للمؤسسات المسيحية.
ومن أبرز الوقائع التي أوردها التقرير:
· كنيسة القيامة:
في 20/3/2026، أغلقت الشرطة الإسرائيلية كنيسة القيامة في القدس بحجة الحرب على إيران، وفي التاسع والعشرين من الشهر ذاته، مُنع الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا وحارس الأراضي المقدسة من دخول الكنيسة لإقامة قداس أحد الشعانين، فيما وثقت اللجنة منع مسيحيين فلسطينيين وأجانب من دخولها في الرابع من نيسان الماضي.
وفي 11/4/2026، وثقت اللجنة اعتداء الشرطة الإسرائيلية على مصلين مسيحيين داخل كنيسة مار يعقوب في القدس وطردهم، إضافة إلى عرقلة مسيرة الكشافة واعتقال مشاركين خلال احتفالات النور المقدس.
ويوجد توثيق مستقل لإغلاق كنيسة القيامة في تلك الفترة؛ إذ أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” في نيسان بأن الكنيسة بقيت مغلقة إلى جانب المسجد الأقصى خلال فترة الإغلاق التي فرضتها سلطات الاحتلال.
· رجال الدين والمقدسات
وثق التقرير اعتداءات متكررة على رجال دين ومقدسات مسيحية، بينها البصق على كهنة وراهبات، والاعتداء على دير الأرمن ودير مار يعقوب، إلى جانب استهداف أراضٍ وممتلكات تابعة لمؤسسات وكنائس مسيحية.
· أراضي المؤسسات الكنسية
وفي 15 حزيران 2026، وثقت اللجنة ما قالت إنه استيلاء سلطات الاحتلال ومسؤولين من بلدية القدس على 11 دونما من أراضي بطريركية الروم الأرثوذكس في سلوان.
· التعليم المسيحي
وتحدث التقرير كذلك عن تداعيات عدم إصدار تصاريح عمل للمعلمين الفلسطينيين للعام الدراسي 2026–2027، مشيرًا إلى تهديد ذلك لأكثر من 200 معلم مسيحي، فيما تأثر171 معلما وموظفا بتوقف التصاريح، وفق أرقام اللجنة.
نتيجة التحقق
بعد فحص تصريحات نتنياهو ومقارنتها ببيانات الأمم المتحدة والتعدادات السكانية وبيانات اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس وواقع الطيبة ونتائج استطلاع مرصد كاشف، تظهر الصورة التالية:
– عنف المستوطنين يرتكبه نحو 150 شخصًا
النتيجة: مضلل
لم يقدم نتنياهو منهجية أو مصدرا عاما يمكن من خلاله التحقق من الرقم، بينما يظهر فيديو واحد لاقتحام قبر يوسف مئات المستوطنين المشاركين.
– قتلى عنف المستوطنين اثنان أو ثلاثة سنويًا”
النتيجة: خاطئ.
وثقت أوتشا 23 شهيدا وأكثر من 1040 مصابا في سياق اعتداءات المستوطنين منذ بداية 2026 وحتى 28 آب الماضي.
كانت بيت لحم 80–90% مسيحية عام 1967
النتيجة: خاطئ.
بيانات تعداد 1967 تظهر أن المسيحيين شكلوا 46.1% من سكان مدينة بيت لحم، مقابل 53.9% للمسلمين.
4- أُخرج المسيحيون من بيت لحم بعد استلام السلطة الفلسطينية
النتيجة: مضلل
التراجع الديموغرافي وفق استطلاع كاشف يؤكد أن الهجرة المسيحية سببها الأول الواقع الاقتصاد الصعب والاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية وليس أي اعتداءات أو ممارسات من قبل السلطة الفلسطينية بحق المسيحيين.
إضاءات اضافية:
النائب البطريركي في القدس المطران وليم الشوملي وكاهن رعية الطيبة الأب بشار فواضلة، يتحدثان لكاشف عن واقع المسيحيين في ظل الاحتلال
يفنّد النائب البطريركي في القدس المطران وليم الشوملي وكاهن رعية الطيبة الأب بشار فواضلة، الرواية التي قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن أوضاع المسيحيين في المنطقة، مؤكدين في مقابلة خاصة لمرصد كاشف أن واقع المسيحيين الفلسطينيين يكشف عوامل متعددة تضغط على وجودهم، في مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي وقيود الحركة والوصول إلى الأراضي واعتداءات المستوطنين، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والهجرة.
الشوملي: الهجرة المسيحية ليست ظاهرة جديدة
وقال الشوملي إن الهجرة المسيحية من فلسطين ليست ظاهرة حديثة، موضحًا أن “الهجرة بدأت من فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى بسبب الظروف الاقتصادية، وأيضًا الحكم التركي الذي كان معظم الوقت قاسيا على الجميع بما فيهم المسيحيين”.
وأضاف أن الهجرة استمرت خلال الانتداب البريطاني، قبل أن تتزايد، بحسب وصفه، بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967.
وأشار إلى أن عدد المسيحيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قرابة 49 ألفا، وفي اسرائيل قرابة 180 ألفا، معتبرا أن نسبة المسيحيين شهدت تراجعا في إسرائيل وفلسطين.
قيود الاحتلال تمس حياة المسيحيين
ولا يحصر الشوملي التحديات التي يواجهها المسيحيون في الاعتداءات المباشرة على رجال الدين أو الرموز والمقدسات، بل يضع في مقدمتها القيود التي تمس تفاصيل الحياة اليومية.
وأشار إلى قيود تصاريح العمل، وصعوبات لمّ الشمل، وحرية الحركة والتنقل، موضحا أن بعض العائلات الفلسطينية تواجه سنوات طويلة في إجراءات لم الشمل، فيما قد تضطر عائلات مقدسية إلى السكن خارج القدس بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، بما قد يؤدي إلى فقدان الهوية المقدسية.
وقال إن هذه الإجراءات “تضرب المكون الفلسطيني والمسيحي”، معتبرا أن تأثيرها على الإنسان أخطر من الحوادث التي تظهر بصورة مباشرة في الشارع.
عنف المستوطنين
وفي رده على ادعاء نتنياهو عن نحو 150 مستوطنا وصفهم بالجانحين أو الخارجين على القانون، قال الشوملي إن هذا الرقم لا يعكس، بحسب شهادته، حجم من يمارسون الاعتداءات.
وقال إنهم “ليسوا 150 كما قال”، وإنهم “يؤذون أكثر من ذلك بكثير”، مضيفا أن المشكلة لا تتعلق بالعدد فقط، بل بعدم وقف المعتدين ومحاسبتهم من قبل الحكومة الإسرائيلية.
وتساءل: “إذا كانوا خارجين على القانون، لماذا لم توقفوهم؟“
فرض ضرائب على الكنائس
وفي قضية مطالبة بلدية القدس التابعة للاحتلال الكنائس المسيحية بدفع ضرائب على ممتلكاتها منذ احتلال المدينة عام 1967، قال المطران وليم الشوملي إن الكنائس لم تدفع ضرائب عن الكنائس والأديرة والمقابر والأماكن الدينية، ولن تدفعها مستقبلا، مؤكدا أن هذه الأماكن لا تخضع للضرائب باعتبارها مؤسسات دينية.
وأوضح الشوملي أن الخلاف يتعلق بمطالبات من بعض البلديات الإسرائيلية بفرض ضرائب أو رسوم على مؤسسات كنسية، في ظل محاولات لإيجاد حلول لهذا الملف.
وأشار إلى ضرورة التمييز بين الأماكن الدينية، مثل الكنائس والأديرة والمقابر، وبين المنشآت أو المؤسسات التي تستفيد من خدمات بلدية، والتي يمكن أن يكون موضوع الرسوم المتعلقة بهذه الخدمات محل نقاش.
وأكد أن الموقف الكنسي هو أن “الكنائس والأديرة والمقابر والأماكن الدينية لن تدفع ضرائب عنها”.
فواضلة: الواقع في الطيبة يفنّد الخطاب السياسي
من جهته، يقول الأب بشار فواضلة إن ما يحدث في الأرض المقدسة “ليس أحداثا معزولة”، بل واقع يعيشه السكان، مشيرا إلى الاعتداءات على الأراضي والممتلكات والمزارعين، وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية.
وقال إن “الرد الأقوى ليس بالشعارات أو بالكلام الذي يذاع من خلال منصات الأمم المتحدة“، داعيا إلى النظر إلى واقع الطيبة، وما يواجهه سكانها من مخاوف وضغوط تدفع بعضهم إلى مغادرة البلدة.
وأكد أن هذه الوقائع “ليست أحاديث عابرة من خلال السوشيال ميديا أو كلمات رنانة في الأمم المتحدة”، وإنما واقع يعيشه السكان على الأرض.
أكثر من 16 عائلة غادرت الطيبة
وكشف فواضلة أن أكثر من 16 عائلة هجرت الطيبة، رابطًا مغادرتها، بحسب وصفه، بالوضع الأمني والاعتداءات المستمرة.
وأوضح أن من بين العائلات التي غادرت البلدة عائلات جاءت من قطاع غزة قبل سنوات واستقرت فيها، قبل أن تتعرض منازل وسيارات أفراد منها للاعتداء والحرق، ما دفعهم إلى الانتقال والاستقرار في رام الله.
وقال إن استمرار هذه الظروف لا ينعكس على الأمن فقط، وإنما على فرص العمل والتعليم والأمل بالمستقبل.
“حماية المسيحيين لا تعني فقط حماية الكنائس”
ويرفض فواضلة اختزال حماية المسيحيين في حماية الكنائس والأماكن الدينية، قائلا إن “الكنيسة تبقى واقفة بينما يرحل شعبها”.
وأوضح أن الحماية الحقيقية تعني أن يتمكن المسيحي الفلسطيني من البقاء في أرضه، والوصول إليها، وقطف الزيتون، ورعاية أغنامه، والعمل وتربية أبنائه والعيش بأمن وكرامة.
وشدد على أن المسيحيين الفلسطينيين لا يريدون تحويل قضيتهم إلى مواجهة دينية، قائلا: نحن مسيحيون فلسطينيون، وما نقوله ليس امتيازا دينيا، وإنما الحق في الأمن والكرامة والعمل والبقاء في هذه الأرض”.
فواضلة: آلاف المستوطنين في تلال الضفة
وفي رده على حديث نتنياهو عن نحو 150 شخصا، قال فواصلة إن واقع الطيبة والقرى المحيطة بها لا يمكن اختزاله بهذا الرقم.
وأشار إلى وجود آلاف المستوطنين في تلال الضفة الغربية، قائلا إن الفلسطينيين في الطيبة والقرى المحيطة يعيشون، من دون الشعور بالأمان.
وهنا يلتقي حديث فواضلة مع سؤال الشوملي بشأن المسؤولية عن وقف الاعتداءات: فالقضية، بحسبهما، لا تتعلق فقط بعدد الأشخاص الذين يرتكبون الاعتداءات، وإنما بما إذا كانت السلطات الإسرائيلية توقفهم وتحاسبهم.
بيت لحم.. الشوملي يرفض رواية نتنياهو
ورفض الشوملي كذلك ما أورده نتنياهو بشأن مدينة بيت لحم، بعدما تحدث عن وصول نسبة المسيحيين فيها إلى 80 أو 90% قبل تسليمها للسلطة الفلسطينية، ثم مغادرتهم المدينة.
ووصف الشوملي ذلك بأنه “مغالطة“، مؤكدًا أن المسيحيين لم يكونوا يشكلون 90% من سكان بيت لحم عام 1967.
وأشار إلى أن الهجرة المسيحية كانت قائمة قبل ذلك، فيما تؤثر اليوم عوامل أخرى، بينها الحواجز والقيود العسكرية وتراجع السياحة، على سكان المدينة ومصادر رزقهم.
الاحتلال يطال الأرض والحركة والمقدسات
ويضع الشوملي وفواضلة الاعتداءات على المسيحيين ضمن سياق أوسع يتعلق بالواقع الفلسطيني، مشيرين إلى تأثير الاحتلال الإسرائيلي وقيوده العسكرية والاستيطان واعتداءات المستوطنين على الحياة اليومية.
وأشار الشوملي إلى الأضرار التي لحقت بكنيسة عبود التاريخية بسبب الجدار، مؤكدا أن “مصيرنا كفلسطينيين مسيحيين مثل مصير إخوتنا الفلسطينيين الآخرين، نحن نعاني مثلما يعانون”.
كما تحدث عن تأثير القيود والحواجز على السياحة في بيت لحم، وما يترتب على تراجع السياحة من أضرار اقتصادية على العائلات المسيحية.
الوجود المسيحي.. قضية بقاء لا مجرد أرقام
وتكشف شهادتا الشوملي وفواضلة أن الجدل حول أعداد المسيحيين لا يمكن فصله عن الظروف التي يعيشها الفلسطينيون المسيحيون على الأرض.
فإلى جانب العوامل التاريخية والاقتصادية التي ساهمت في الهجرة، يطرح الرجلان عوامل مرتبطة بالواقع الحالي، بينها الاحتلال الإسرائيلي، وقيود الحركة والعمل ولمّ الشمل، والاستيطان واعتداءات المستوطنين، وصعوبة الوصول إلى الأراضي، والاعتداءات على الممتلكات والمقدسات، وتراجع السياحة.
وبالنسبة لفواضلة، فإن معيار حماية المسيحيين لا يتوقف عند بقاء الكنائس قائمة، بل يبدأ من بقاء أهلها في أرضهم. أما الشوملي، فيرى أن مصير المسيحيين الفلسطينيين مرتبط بمصير الفلسطينيين عموما، وأن معالجة هذا الواقع تتطلب النظر إلى الظروف التي تدفع السكان إلى الهجرة، لا الاكتفاء بعرض أرقام النمو السكاني.
أخبار ذات صلة.
لا صحة لادعاء وجود علم فلسطيني مفخخ في المغير
كاشف
منذ 13 ساعة