حزبي
صحيفة الثوري – (رأي)
نجيب الكمالي
من قلب جبهة تعز، قال أحد المقاتلين «خاطري أرفع علم الجنوب فوق جبال الحالمة إجلالًا لرفقاء السلاح
أنتم السند والمدد بعد الله، ودينكم في رقابنا».
تكشف هذه الكلمات عمق الروابط الميدانية والإنسانية بين تعز والجنوب، وتعيد طرح سؤال سياسي مهم
ماذا لو نوقشت مبكرًا دعوة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي إلى أبناء تعز ومأرب والقوى المناهضة للحوثيين ضمن إطار سياسي موحد؟
وأقولها بصراحة كنت من أكبر المتحمسين لهذه الدعوة، وكتبت حينها مقالًا صحفيًا في صحيفة «14 أكتوبر» و«عدن الغد»، حاولت من خلاله التوقف عند أهمية الطرح وما يمكن أن يفتحه من مسارات سياسية أمام القوى المناهضة للحوثيين.
وربما لو أُعيدت قراءة هذه الدعوة اليوم، لوجدنا أنها كانت تحمل بُعدًا استراتيجيًا أكبر مما ظهر في لحظتها. وربما كنا اليوم في حال سياسية وميدانية أفضل لو جرى التعامل معها بجدية أكبر؛ لأنها لم تكن تتعلق بالجغرافيا أو السياسة وحدهما، بل كان يمكن أن تشكل مدخلًا واسعًا لمواجهة الانقلاب سياسيًا واقتصاديًا،
وإضعاف مصادر قوته، إلى جانب المعركة العسكرية.
أنا لا أقول إن هذا الطرح كان سيحل كل مشكلات اليمن، لكنني أرى أن تجاهله، وتغييب صاحبه عن المشهد، بدأت تظهر نتائج وخيمة، خصوصًا في ظل استمرار التشتت بين القوى المناهضة للحوثيين. فقد ظل الانقسام ثغرة يستفيد منها الحوثيون، بينما يدفع الناس ثمنها في الجبهات، وتتعاظم كلفة الفرص السياسية الضائعة.
تعز والجنوب ومأرب وليسا مجرد منطقتين متجاورتين؛ فقد جمعتهما سنوات الحرب والتضحيات والمصالح المشتركة. وما يحدث في تعز ينعكس على الجنوب، والعكس صحيح. والتلاحم المعمد بالدم والبارود بين أبناء تعز وإخوانهم الجنوبيين في خنادق الشرف، يفرض على الجميع الانتقال من مشهد التضامن الميداني إلى صيغة سياسية أكثر تماسكًا.
ولذلك ما زال الوقت متاحًا لفتح مسار سياسي جاد، يضم القوى المناهضة للحوثيين، ويناقش مختلف المبادرات، ومنها مشروع الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، باعتباره خيارًا ضمن رؤية أوسع لتوحيد الصفوف، وبناء مسار سياسي موحد في إطار دولة قادرة على استيعاب الجميع، وحل الخلافات السياسية العميقة، بما يمهد لتوحيد الجانب العسكري.
فالمعركة لا تُحسم في الجبهات وحدها، وما يقدمه المقاتلون يجب أن يجد طريقه إلى طاولة القرار. فالدم الذي يُسفك ليس رقمًا في الأخبار، والتضحيات لا ينبغي أن تذهب سدى، بل يجب أن تنعكس على توحيد الصف وتقريب المواقف وصناعة مسار سياسي يترجم ما يُقدَّم في الجبهات.
وفي السياسة، أحيانًا لا ندرك قيمة الفكرة إلا بعد أن تتغير الظروف وتظهر تكلفة تجاهلها. وما فات يجب أن يكون درسًا، وما بقي يتطلب شجاعة في مراجعة الأخطاء، وتوحيد المواقف، وفتح مسارات جديدة.
فالدم له حرمته، والفرصة لها وقتها، ولا ينبغي أن نؤجل مرة أخرى ما كان يمكن أن نناقشه بالأمس.
The post تعز والجنوب.. دم في الجبهات وتكلفة الفرص الضائعة first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.