حزبي
وافق مجلس النواب، الاثنين، على طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي إعلان التعبئة العامة، في خطوة تأتي على وقع تصعيد مليشيا الحوثي في جبهات عدة، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن ما تعنيه التعبئة العامة وما يترتب عليها سياسيًا وعسكريا وقانونيا.
وفي قراءتين لأبعاد القرار، تناول الأستاذ سعيد ثابت سعيد، مدير مكتب الجزيرة في اليمن، دلالاته السياسية والعسكرية، فيما ركز توفيق الحميدي رئيس منظمة سام للحقوق والحريات على الإطار الدستوري والقانوني للتعبئة، وما يترتب على إقرارها من مسؤوليات وإجراءات تنفيذية.
الخلفية والمضمون
جاء القرار بعد أسابيع من تصعيد مليشيا الحوثي المدعومة من ايران ،فقد أدان أعضاء مجلس الأمن في 25 سبتمبر استمرار هجمات الحوثيين على السعودية، وحذروا من تقدمهم في باب المندب.
وأعربوا عن قلقهم إزاء تقارير عن مقتل وإصابة ونزوح ما لا يقل عن 125 ألف مدني منذ مطلع سبتمبر، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
ووافق مجلس النواب، في قراره على طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي إعلان التعبئة العامة الوارد في مذكرته المؤرخة في 27 سبتمبر، على أن يُعمل بها وفق الدستور وقرار نقل السلطة، وقوانين الاحتياط العام (رقم 23 لسنة 1990) وإنشاء مجلس الدفاع الوطني (رقم 62 لسنة 1991) والدفاع المدني (رقم 24 لسنة 1997).
ويبدأ سريان القرار من تاريخ إعلانه وينتهي بزوال الأسباب الداعية إليه، دون مدة محددة.
وكان رئيس المجلس رشاد العليمي قد دعا إلى التعبئة في خطاب يوم 25 سبتمبر. وبعد الموافقة، وجّه بتسريع الإجراءات التنفيذية، وقال إن التعبئة لا تعني حشد المقاتلين فقط، وإنما تعبئة شاملة للموارد البشرية والمادية والمعنوية. ويسير معها قرار «العودة الآمنة» الذي يمنح من يترك القتال في صفوف الحوثيين ضمانات بتسوية وضعه.
قرار في سياق التصعيد العسكري
يربط سعيد ثابت توقيت إعلان التعبئة العامة بالتصعيد العسكري الذي شهدته البلاد، معتبرا أن القرار يعكس تحولا في طريقة تعامل القيادة السياسية مع المواجهة، في ظل ما وصفه بتراجع فرص التوصل إلى تفاهمات أو هدن مستقرة.
وأشار ثابت إلى أن اليمن شهدت خلال مراحل سابقة دعوات إلى النفير العام، لكنه اعتبر أن إقرار التعبئة هذه المرة من خلال مؤسسات الدولة يمنحها بعدًا قانونيا مختلفا، لافتا إلى استناد القرار إلى المادة 37 من الدستور وموافقة مجلس النواب عليه خلال اجتماعه عبر الاتصال المرئي.
وقال إن قرار 28 سبتمبر 2026 يمثل، من وجهة نظره، علامة فارقة في تاريخ اليمن، معتبرا أن الخطوة تنقل الدولة من حالة السلام، أو ما وصفه بحالة الاسترخاء، إلى وضع تُوضع فيه الإمكانات المدنية والعسكرية في خدمة المعركة.
ووصف ثابت القرار بأنه "إعلان حرب شامل"، معتبرا أن دلالته ترتبط بما قد يترتب عليه من خطوات لاحقة.
ماذا تغير بعد موافقة البرلمان؟
جرى المسار على مراحل: خطاب رئيس المجلس في 25 سبتمبر، فمذكرة إلى البرلمان في 27، فاجتماع النواب عبر الاتصال المرئي برئاسة سلطان البركاني، وأعلن المجلس قراره في بيان يوم الاثنين 28.
وفي اليوم نفسه عقد العليمي اجتماعا ضم عضو المجلس سلطان العرادة ومحافظين ورئيس الوزراء شائع الزنداني ووزراء وقيادات عسكرية وأمنية، لبحث آليات التنفيذ.
من زاوية دستورية، يرى رئيس منظمة سام للحقوق والحريات توفيق الحميدي في تصريح خاص لـ"الصحوة نت": أن موافقة مجلس النواب تمثل خطوة مهمة في استكمال المسار القانوني لإعلان التعبئة العامة، وتنقل المسألة إلى مرحلة تتطلب ترتيبات تنفيذية تحدد كيفية تطبيق القرار.
ويستند إعلان التعبئة العامة إلى المادة 37 من الدستور اليمني، التي تنص على أن «تنظم التعبئة العامة بقانون، ويعلنها رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس النواب».
واستند قرار مجلس النواب، بحسب نصه، إلى المادة 37، والمادة 38 بشأن مجلس الدفاع الوطني، والمادة 119/17 المتعلقة باختصاص رئيس الجمهورية في إعلان الطوارئ والتعبئة وفق القانون، إضافة إلى اختصاص رئيس مجلس القيادة بموجب قرار نقل السلطة، وقوانين الاحتياط العام والدفاع المدني ومجلس الدفاع الوطني.
ويرى الحميدي أن موافقة مجلس النواب تنقل المسؤولية إلى السلطة التنفيذية لتحديد كيفية تطبيق التعبئة، وما يترتب عليها من إجراءات وصلاحيات.
ويطرح الحميدي مفهوم الضرورة الدستورية في سياق الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها اليمن، معتبرًا أن الدستور يظل أصل الشرعية وحدودها، فيما يمكن أن تفرض الظروف الاستثنائية الحاجة إلى إجراءات تمنع عجز الدولة عن مواجهة الخطر.
من الدفاع إلى الهجوم
على المستوى العسكري، يرى سعيد ثابت أن التعبئة العامة تمنح القوات المسلحة مساحة للانتقال من الحالة الدفاعية إلى عمليات هجومية أوسع، بما يشمل عمليات عسكرية منسقة ومتزامنة، في إطار ما وصفه بهدف استعادة الدولة ومؤسساتها.
وقال إن القوات المسلحة كانت في حالة دفاع وصد وهجمات، معتبرًا أن التعبئة قد تفتح المجال أمام الانتقال إلى "الهجوم الشامل".
كما أوضح أن التعبئة لا تعني بالضرورة توفير موارد إضافية للجيش بصورة مباشرة، وإنما تضع مؤسسات الدولة بمختلف قطاعاتها، بما فيها المستشفيات والمؤسسات المدنية، في خدمة المعركة المرتقبة.
التعبئة ليست تجنيدًا شاملًا
ويشير توفيق الحميدي إلى أن التعبئة العامة لا تعني أن جميع المواطنين سيذهبون إلى الجبهات، موضحًا أن التعبئة أوسع من التجنيد.
وبحسب الحميدي، فإن التعبئة تعني إعلان الدولة أن الخطر الذي يهددها لا تصبح مواجهته مسؤولية المؤسسة العسكرية وحدها، وإنما تشمل مختلف فئات المجتمع، وبمستويات مختلفة من الجهد.
ويضيف أن التعبئة تشمل تهيئة الموارد البشرية والمادية والإدارية والاقتصادية للدولة لمواجهة الحرب، فيما يحتاج استدعاء الاحتياط أو إلزام فئات معينة بالخدمة إلى إجراءات وأوامر قانونية محددة.
ماذا يترتب على مؤسسات الدولة؟
يرى الحميدي أن التعبئة لا تخص وزارة الدفاع وحدها، وإنما تمتد إلى مؤسسات الدولة المختلفة، بما فيها الصحة والنقل والمالية والاتصالات والسلطات المحلية والدفاع المدني.
ويشير إلى أن هذه المؤسسات يفترض أن تعمل ضمن خطة وطنية واحدة لخدمة متطلبات الحرب، إلى جانب إصدار التشريعات الضرورية والمقيدة لتنظيم الحياة بما يتناسب مع ظروف الحرب والتهيئة لها.
وفي هذا السياق، يبرز مجلس الدفاع الوطني، الذي يرى الحميدي أنه يصبح أحد أهم مراكز إدارة هذه المرحلة، باعتباره المؤسسة المختصة بتقدير الاحتياجات الدفاعية وسياسة تعبئة إمكانات الدولة والإشراف على تنفيذها.
وينص قانون إنشاء مجلس الدفاع الوطني، الذي استند إليه القرار، على أن المجلس يُعد منعقدًا بصفة مستمرة عند إعلان التعبئة العامة، ويباشر جميع مسائلها ويشرف على تنفيذها.
التعبئة وتقييد الحقوق
يشدد الحميدي على أن التعبئة العامة ليست حالة طوارئ مفتوحة، ولا تعني تلقائيًا جواز الاعتقال أو تقييد الإعلام أو مصادرة الممتلكات دون سند قانوني.
وفي ما يتعلق بالإعلام، يميز بين حماية الأسرار العسكرية وتحركات القوات والمعلومات التي يمكن أن يستفيد منها الخصم، وبين تجريم النقد السياسي أو الصحفي.
ويرى أن التعبئة لا تلغي الحق في الرقابة على أداء الحكومة، ولا تحول كل رأي مخالف إلى تهديد أمني، مؤكدًا أن الضرورة تظل مقيدة بالخطر والتناسب والزمن.
رسالة إلى المجتمع الدولي
ويرى سعيد ثابت أن قرار التعبئة يحمل رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن القيادة اليمنية وصلت إلى قناعة بخيار الحسم العسكري، ما لم يتدخل المجتمع الدولي بالضغط على جماعة الحوثيين للامتثال للقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ووضع السلاح والخضوع لمفهوم الدولة.
كما يعتبر أن القرار يسد، وفق قراءته، مساحة المفاوضات والمباحثات المتعلقة بالعمل السلمي، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية التعامل مع التطورات الجديدة.
ما بعد إقرار التعبئة
يرى الحميدي أن السؤال بعد موافقة مجلس النواب لم يعد متعلقًا بإمكانية إعلان التعبئة بقدر ما أصبح متعلقًا بكيفية إدارتها.
ويحدد في هذا السياق عددًا من المسائل التي يرى ضرورة أن تتناولها القرارات التنفيذية المقبلة، بينها تحديد نوع التعبئة ونطاقها، وتنظيم الاحتياط، وتوزيع الصلاحيات، وإدارة الموارد، وحماية المدنيين، وضبط الإنفاق، وتفعيل مؤسسات الدولة.
وبينما يربط سعيد ثابت القرار بالتصعيد العسكري وإمكانية الانتقال إلى مرحلة هجومية أوسع، يركز توفيق الحميدي على الجانب القانوني والتنفيذي، وعلى كيفية تحويل إعلان التعبئة إلى إجراءات تنظم إمكانات الدولة ومؤسساتها في إطار القانون.
بموافقة مجلس النواب، استكمل قرار التعبئة العامة مساره الدستوري، وانتقل إلى مرحلة التنفيذ بتوجيه من رئيس مجلس القيادة الرئاسي. وتشمل التعبئة، بحسب المتحدثين وما أعلنته الرئاسة، الموارد البشرية والمادية والإدارية للدولة، وتضع مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن خطة وطنية واحدة، وتترافق مع قرار «العودة الآمنة» الذي يفتح الباب أمام من يترك القتال. وبذلك تدخل الدولة المرحلة المقبلة مستندة إلى قوانين نافذة، وبتنسيق معلن مع التحالف بقيادة السعودية.