
«صحيفة الثوري» – (رأي):
أمين الجبر
ثمة أحداث تاريخية لا تنتهي بانتهاء زمنها، بل تظل قابلة للاستدعاء كلما تشابهت الظروف، وتكررت بعض عناصر المشهد، وإن اختلفت الأسماء والأدوار. وثمة بلدان يبدو أن موقعها الجغرافي، وتكوينها السياسي والاجتماعي، وحساسية موقعها الإقليمي، تجعلها عرضة لأن تتحول، من حين إلى آخر، إلى ساحة لتقاطع المصالح والصراعات الخارجية.
واليمن واحد من هذه البلدان.
ولعل من المفيد، ونحن نقرأ المشهد اليمني الراهن، أن نستعيد بالتحليل والتأمل تجربة التدخلات الخارجية التي رافقت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، لا بقصد القول إن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا؛ فالتاريخ لا يكرر أحداثه بالصورة ذاتها، وإنما لأن بعض بنياته وعناصره قد تتشابه، خصوصًا عندما تكون الدولة في حالة انقسام داخلي، وتتحول خلافاتها المحلية إلى مداخل لقوى إقليمية ودولية تبحث عن مصالحها ونفوذها.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه: هل تتكرر «العقدة اليزنية» في اليمن بصيغة معاصرة؟
والمقصود بالعقدة اليزنية هنا، بوصفها استعارة تاريخية، ذلك النمط الذي يستدعي فيه طرف داخلي قوة خارجية لمساعدته في حسم صراع داخلي، ثم يجد البلد نفسه، بعد دخول القوة الخارجية، أمام صراع يتجاوز دوافعه المحلية الأولى، وتصبح القوى الخارجية جزءًا من معادلة الصراع، ومصالحها جزءًا من حساباته.
كانت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م حدثًا مفصليًا نقل اليمن من نظام الإمامة إلى النظام الجمهوري، غير أن سقوط النظام الإمامي لم يؤدِّ إلى انتقال سياسي هادئ، بل سرعان ما دخلت البلاد في حرب أهلية طويلة بين الجمهوريين والملكيين، تداخلت فيها العوامل الداخلية بالعوامل الإقليمية والدولية.
فقد انقسمت القوى اليمنية تجاه الثورة والنظام الجديد، كما اختلفت تصوراتها بشأن شكل الدولة ومستقبلها، في الوقت الذي كانت فيه المنطقة العربية تعيش صراعًا محتدمًا بين مشاريع سياسية وأيديولوجية متنافسة.
وفي هذه البيئة المنقسمة، أصبحت اليمن ساحة لتنافس إقليمي ودولي أوسع. فقد دعمت الجمهورية العربية المتحدة، أي مصر الناصرية، النظام الجمهوري، بينما دعمت المملكة العربية السعودية القوى الملكية، كما ارتبط الموقف البريطاني بأمن عدن ومصالح بريطانيا في جنوب الجزيرة العربية، وتداخلت الأزمة اليمنية مع صراع الحرب الباردة والتنافس العربي الإقليمي. وتكشف وثائق الخارجية الأمريكية في الأشهر الأولى للثورة أن واشنطن كانت تنظر إلى الصراع بوصفه حربًا أهلية محتملة بين جمهوريين تدعمهم الجمهورية العربية المتحدة، وملكيين تدعمهم السعودية والأردن، مع ارتباط ذلك أيضًا بالمصالح البريطانية في عدن وأمن السعودية.
وهكذا لم تعد الحرب اليمنية شأنًا يمنيًا خالصًا.
يمكن، بصورة عامة، تصنيف القوى اليمنية الداخلية التي تشكل منها المشهد آنذاك في عدد من الاتجاهات الرئيسية:
أولًا: الجمهوريون.
وهم الذين وقفوا مع الثورة والنظام الجمهوري، وتشكلت نواتهم الأولى من الضباط الأحرار، ثم انضمت إليهم قطاعات من التجار والمثقفين والطلاب والعمال وغيرهم. ولم يكن هذا التيار كتلة سياسية متجانسة، بل ظهرت داخله اختلافات سياسية وفكرية ومصلحية بشأن إدارة الدولة وطبيعة العلاقة مع مصر والقوى الخارجية.
ثانيًا: الملكيون.
وهم القوى التي رفضت الثورة والنظام الجمهوري، والتفت حول الإمام محمد البدر وعدد من أفراد الأسرة المالكة والقيادات القبلية المتحالفة معها، وحظيت بدعم سعودي وأردني بدرجات مختلفة. وتؤكد الوثائق الأمريكية المبكرة أن الأمير الحسن كان في السعودية، ويحصل على السلاح والمال والمساندة لتنظيم المقاومة القبلية ضد النظام الجمهوري.
ثالثًا: اتجاهات سياسية أخرى.
لم يكن الانقسام اليمني محصورًا دائمًا في ثنائية جمهوري/ملكي، فقد ظهرت تيارات وشخصيات جمهورية مختلفة، وقوى كانت تبحث عن صيغة سياسية وسطية أو توافقية، كما حدثت انقسامات داخل المعسكر الجمهوري نفسه حول علاقة الثورة بمصر، وطبيعة النظام السياسي، وموقع القوى الاجتماعية التقليدية فيه.
رابعًا: القبائل.
كانت القبيلة عاملًا حاسمًا في الحرب، لكنها لم تكن كتلة واحدة ذات موقف ثابت. فقد انضمت قبائل إلى الجمهوريين، وأخرى إلى الملكيين، كما تغيرت مواقف بعض القوى القبلية تبعًا للظروف والمصالح وموازين القوة. ولذلك فإن اختزال الموقف القبلي كله في وصف واحد يظل تبسيطًا لتاريخ بالغ التعقيد.
وهنا تكمن إحدى أهم ملاحظات التجربة التاريخية: كلما اتسع الانقسام الداخلي، ازدادت قابلية البيئة المحلية لاستقبال التدخل الخارجي.
كان التدخل المصري أبرز التدخلات الخارجية في اليمن بعد الثورة. وقد أعلنت مصر دعمها للنظام الجمهوري، وأرسلت قوات عسكرية كبيرة إلى اليمن، وتحولت المشاركة المصرية تدريجيًا إلى انخراط عسكري واسع في الحرب.
وتشير الوثائق الأمريكية إلى أن الوجود المصري أصبح عاملًا مركزيًا في الحرب، وأن الجمهورية اعتمدت بصورة كبيرة على الدعم العسكري المصري، في مقابل اعتماد الملكيين على الدعم السعودي. وفي عام 1963، قدرت إحدى الوثائق الأمريكية عدد القوات المصرية في اليمن بنحو ثلاثين ألف جندي، مع سيطرة الجمهوريين على معظم المراكز الرئيسية، في حين احتفظت القبائل الملكية بمناطق واسعة في الشمال والشمال الشرقي.
وكان لهذا التدخل وجهان متلازمان.
فمن جهة، ساعد الدعم المصري على بقاء النظام الجمهوري في مرحلة كان فيها مهددًا عسكريًا، وأسهم في بناء مؤسسات عسكرية وإدارية وتعليمية وصحية، كما ارتبط الوجود المصري بدعم ثورة الرابع عشر من أكتوبر في جنوب اليمن في مراحلها الأولى.
ومن جهة أخرى، تحول الوجود المصري نفسه إلى مصدر توتر داخل المعسكر الجمهوري؛ إذ شعر بعض الجمهوريين بأن القرار اليمني أصبح شديد الارتباط بالقاهرة، وأن الثورة التي قامت باعتبارها فعلًا يمنيًا باتت مقيدة بدرجة من الوصاية الخارجية.
وتؤكد الوثائق الأمريكية من تلك الفترة أن عددًا من القادة اليمنيين كانوا يرون ضرورة إجراء تغييرات في النظام الجمهوري من أجل إنهاء الحرب وتقليص الهيمنة المصرية، وأن العلاقة بين الجمهوريين والمصريين لم تكن خالية من التوتر حتى داخل المعسكر المناهض للملكية.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية: قد تحتاج الثورة إلى الخارج لكي تحمي نفسها في لحظة من لحظات الخطر، لكنها قد تجد نفسها مضطرة، في الوقت ذاته، إلى الدفاع عن استقلال قرارها في مواجهة هذا الخارج.
في الجانب المقابل، اتخذت المملكة العربية السعودية موقفًا معارضًا للنظام الجمهوري، وساندت القوى الملكية سياسيًا وماليًا وعسكريًا، انطلاقًا من حساباتها الأمنية والإقليمية ومخاوفها من امتداد المشروع الناصري والثوري إلى محيطها.
وتوضح الوثائق الأمريكية أن الملك فيصل كان يرى بقاء القوات المصرية في اليمن تهديدًا لمصالح السعودية، وأن الرياض اعتمدت بدرجة كبيرة على القوى الملكية اليمنية لمواجهة النفوذ المصري، مع استمرار الدعم السعودي لها لسنوات.
وهكذا تحول اليمن إلى مسرح لصراع غير مباشر بين القاهرة والرياض.
ولم تكن الحرب بالنسبة للطرفين مجرد خلاف على شكل النظام اليمني؛ فقد ارتبطت بموازين القوة في الجزيرة العربية، وبالصراع العربي الأوسع، وبموقع مصر الناصرية في النظام الإقليمي، وبالمخاوف السعودية من انتقال النموذج الثوري إلى محيطها.
وهنا أيضًا تبدو اليمن، مرة أخرى، أكبر من حدودها الجغرافية في حسابات القوى المتصارعة عليها.
كانت بريطانيا طرفًا آخر في المعادلة، وإن اختلف موقعها عن الموقعين المصري والسعودي.
فبريطانيا كانت تسيطر على عدن وجزء من جنوب الجزيرة العربية، وكانت تنظر بقلق إلى اتساع النفوذ المصري في اليمن وإمكان امتداده إلى جنوب الجزيرة.
وتكشف الوثائق الأمريكية أن ظهور القوات المصرية والنفوذ المصري في اليمن أثارا مخاوف بريطانية متزايدة بشأن عدن والمحمية، وأن الصراع امتد بصورة غير مباشرة إلى الجنوب، بما في ذلك دعم وتدريب قوى مرتبطة بالمقاومة ضد الوجود البريطاني.
ومن ثم أصبح الصراع اليمني جزءًا من صراع أوسع على مستقبل جنوب الجزيرة العربية.
أما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، فقد تعامل كل منهما مع الأزمة اليمنية في إطار الحرب الباردة وحسابات النفوذ الدولي.
والأدق تاريخيًا أن القول إن الولايات المتحدة دعمت الملكيين مباشرة يحتاج إلى تحفظ؛ فالوثائق الأمريكية تظهر موقفًا أكثر تعقيدًا. فقد كانت واشنطن قلقة من النفوذ المصري والناصري، وحريصة على أمن السعودية والمصالح الغربية، وأخرت الاعتراف بالنظام الجمهوري في بدايات الثورة، لكنها في الوقت نفسه لم تتبنَّ منذ البداية سياسة دعم مباشر لاستعادة الملكية، بل سعت في مراحل مختلفة إلى إيجاد تسوية وإخراج القوات الخارجية من اليمن.
أما الاتحاد السوفيتي، فقد اعترف بالنظام الجمهوري، وقدم له أشكالًا من الدعم الاقتصادي والعسكري والتقني، في سياق صراعه الأوسع مع المعسكر الغربي.
وبذلك أصبحت اليمن إحدى ساحات التنافس غير المباشر بين القوى الدولية الكبرى.
أما إسرائيل، فقد ارتبط دورها بدعم الجانب الملكي بصورة سرية وغير مباشرة، في إطار تعاونها مع السعودية ومواجهة النفوذ المصري الناصري.
وكان هذا الدور جزءًا من شبكة أوسع من العمليات السرية التي هدفت إلى إسناد الملكيين وإطالة قدرتهم على الصمود، وهو ما يكشف أن الصراع اليمني لم يكن منفصلًا عن الصراعات الإقليمية والدولية الأوسع.
وهكذا، خلال سنوات الحرب، أصبحت اليمن ساحة تتقاطع فيها القاهرة والرياض ولندن وواشنطن وموسكو، إلى جانب أطراف إقليمية أخرى بدرجات متفاوتة.
حين يتحول التدخل الخارجي إلى استنزاف
لم يستطع أي من التدخلات الخارجية أن يحسم الحرب بالطريقة التي أرادها بصورة سريعة.
فمصر وجدت نفسها في حرب طويلة ومكلفة، والسعودية أنفقت موارد كبيرة في دعم الملكيين، فيما بقيت الحرب اليمنية عصية على الحسم العسكري.
وتظهر إحدى الوثائق الأمريكية لعام 1963 أن الحسم العسكري الحاسم لأي من الطرفين لم يكن يبدو مرجحًا، وأن استمرار الحرب كان يستنزف مصر، في الوقت الذي ظلت فيه السعودية قادرة على استمرار دعم الملكيين.
ثم جاءت حرب يونيو 1967م لتغير المعادلة بصورة جذرية. فقد اضطرت مصر إلى إعادة حساباتها الإقليمية والعسكرية، وانسحبت قواتها من اليمن تدريجيًا، فيما استمرت الأزمة اليمنية إلى أن اتجهت في النهاية نحو تسوية سياسية ومصالحة.
وتشير الوثائق الأمريكية إلى أن الانسحاب المصري ارتبط بصورة مباشرة بالتداعيات التي أعقبت حرب 1967، وبإعادة ترتيب العلاقة المصرية السعودية، وصولًا إلى المصالحة التي أسهمت في إنهاء الحرب، ثم الاعتراف السعودي بالجمهورية العربية اليمنية عام 1970م.
وهكذا انتهت الحرب لا بانتصار عسكري ساحق لطرف خارجي، وإنما عبر تسوية سياسية يمنية، وتغير في موازين القوى الإقليمية، وانكفاء التدخلات الخارجية تدريجيًا.
إذا انتقلنا من الماضي إلى الحاضر، فإننا نجد اختلافًا كبيرًا في طبيعة الدولة والأطراف والظروف الإقليمية والدولية، لكننا نجد أيضًا بعض أوجه التشابه في بنية الأزمة.
فاليمن اليوم ليس هو يمن 1962م، والأطراف ليست هي الأطراف ذاتها، كما أن طبيعة الصراع الإقليمي والدولي تغيرت بصورة جوهرية.
ومع ذلك، ثمة عنصر ظل حاضرًا: الانقسام الداخلي الذي يتقاطع مع صراع إقليمي ودولي.
فالحرب التي اندلعت منذ 2014-2015 تشكلت حول أطراف يمنية متعددة، في مقدمتها جماعة أنصار الله، والقوى الحكومية والمناهضة لها، إلى جانب المجلس الانتقالي الجنوبي وتكوينات سياسية وعسكرية أخرى. كما دخلت السعودية والإمارات بصورة عسكرية مباشرة منذ 2015، بينما ارتبطت جماعة أنصار الله بعلاقات دعم وتعاون متزايدة مع إيران، مع اختلاف التقديرات بشأن طبيعة هذا الدعم ومداه. وقد أسهمت التشكيلات المحلية المدعومة من أطراف إقليمية مختلفة في جعل المشهد اليمني أكثر تعددًا وتعقيدًا.
ولم يعد الصراع محصورًا في الداخل اليمني أو في العلاقة السعودية الإيرانية، بل دخلت قضية البحر الأحمر والتوتر الإقليمي المرتبط بالحرب في غزة وإسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا في الحسابات اليمنية، وهو ما جعل المبعوث الأممي يحذر من أن التطورات الإقليمية تؤثر مباشرة في مسار السلام اليمني.
هل تتكرر العقدة اليزنية؟
هنا تصبح المقارنة أكثر أهمية.
إن «العقدة اليزنية» لا تعني أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه حرفيًا، وإنما تعني تكرار النمط السياسي الذي يجعل الصراع الداخلي مدخلًا لاستدعاء الخارج، ثم يجعل الخارج جزءًا من عملية إدارة الصراع وتحديد اتجاهاته.
ففي ستينيات القرن الماضي، كان اليمن منقسمًا بين جمهوريين وملكيين، وتدخلت مصر والسعودية، ثم تشابكت الأزمة مع بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وإسرائيل وغيرها.
واليوم، يوجد انقسام يمني أكثر تعقيدًا، وتتقاطع معه مصالح السعودية والإمارات وإيران، فضلًا عن الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وأطراف دولية أخرى، خصوصًا مع انتقال بعض جوانب الصراع إلى البحر الأحمر.
لكن الفرق الجوهري أن اليمن الراهن ليس مجرد ساحة صراع بين معسكرين، بل شبكة من الصراعات المتداخلة: صراع على الدولة، وصراع على شكل النظام السياسي، وصراع شمالي جنوبي، وصراعات محلية على النفوذ والموارد، فضلًا عن الصراع الإقليمي والدولي.
ولهذا فإن تشبيه الحاضر بالماضي ينبغي ألا يتحول إلى إسقاط آلي.
ومن أكثر المفارقات التاريخية وضوحًا أن السعودية التي وقفت في ستينيات القرن الماضي إلى جانب الملكيين ضد الجمهورية، أصبحت بعد عقود طرفًا داعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في مواجهة الحوثيين.
وهذا التحول لا يعني ثبات الموقف السعودي، بل يوضح شيئًا أكثر أهمية في العلاقات الدولية: الدول لا تتعامل مع التاريخ بوصفه ذاكرة ثابتة، وإنما مع المصالح والتهديدات كما تراها في كل مرحلة.
وقد تغيرت طبيعة العلاقة السعودية اليمنية بصورة جذرية منذ ستينيات القرن الماضي، كما تغيرت طبيعة التهديدات الإقليمية، وتحولت إيران إلى طرف رئيسي في الحسابات السعودية المعاصرة.
وهذا يؤكد أن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تقوم على ثبات التحالفات، وإنما على فهم أسباب تحولها.
أما إيران، فإن تشبيه دورها اليوم بالدور المصري في ستينيات القرن الماضي يحتاج هو الآخر إلى قدر من الحذر.
فمصر الناصرية تدخلت بقوات عسكرية كبيرة ومباشرة في اليمن، بينما اتخذ الدعم الإيراني للحوثيين أشكالًا مختلفة، وتختلف التقديرات بشأن مداه وطبيعته. وتؤكد دراسات بحثية أن الدعم الإيراني عزز القدرات العسكرية للحوثيين، لكنها تشير أيضًا إلى أن الحوثيين ليسوا مجرد أداة آلية بيد طهران، وأن لديهم حساباتهم المحلية الخاصة.
ومن هنا فإن المقارنة الأكثر دقة ليست بين «مصر وإيران»، وإنما بين وظيفة التدخل الخارجي داخل الصراع اليمني: كيف تستطيع قوة إقليمية أن تعزز قدرة طرف محلي، وكيف يستطيع الطرف المحلي في المقابل أن يستخدم الدعم الخارجي لخدمة أهدافه الخاصة؟
ربما تكون أهم خلاصة يمكن استخلاصها من تجربة الستينيات وتجربة اليمن الراهنة أن التدخل الخارجي، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع أن يلغي العامل الداخلي.
فوثائق تلك المرحلة نفسها تكشف أن مصر والسعودية، رغم ضخامة حضورهما، لم تتمكنا من فرض حل عسكري نهائي على اليمن، وأن التسوية جاءت في نهاية المطاف نتيجة تغير موازين القوى وتراجع التدخلات الخارجية وانخراط القوى اليمنية في المصالحة.
والدرس نفسه يمكن قراءته في المشهد الراهن.
فبعد سنوات طويلة من الحرب، لم ينتج التدخل العسكري حلًا سياسيًا نهائيًا، بينما تؤكد الأمم المتحدة أن الحل المستدام يظل مرتبطًا بمسار سياسي شامل، وأن التوترات الإقليمية تزيد تعقيد هذا المسار.
وهذا يقود إلى قاعدة تاريخية ربما تستحق التأمل:
قد يساعد الخارج طرفًا في الصراع على تحسين موقعه، لكنه لا يستطيع أن يبني وحده دولة مستقرة ومستدامة.
ماذا تقول التجربة اليمنية؟
إن استقراء التجربتين لا يقود بالضرورة إلى وصفة سياسية جاهزة، لكنه يتيح عددًا من الاستنتاجات:
أولًا: الانقسام الداخلي هو البيئة الأكثر قابلية للتدخل الخارجي؛ وكلما اتسعت الهوة بين القوى المحلية، ازدادت قدرة الخارج على التأثير في القرار الداخلي.
ثانيًا: الدعم الخارجي قد يغير موازين القوة مؤقتًا، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف التي وُضع من أجلها.
ثالثًا: التحالفات الخارجية ليست ثابتة. فالحليف الذي يكون خصمًا في مرحلة قد يصبح شريكًا أو طرفًا متقاربًا في مرحلة أخرى، تبعًا لتغير المصالح والتهديدات.
رابعًا: القوى المحلية ليست مجرد أدوات في يد الخارج بالضرورة؛ فهي تمتلك مصالحها وحساباتها، وقد تتفق مع داعميها في مرحلة وتختلف معهم في مرحلة أخرى.
خامسًا: كلما طال اعتماد القوى المحلية على الخارج، أصبح من الصعب التمييز بين القرار الوطني والقرار المرتبط بحسابات الداعم الخارجي.
سادسًا: لا يمكن بناء سلام مستدام في اليمن من خلال التسويات بين القوى الإقليمية فقط، مع تجاوز القوى اليمنية نفسها؛ فالتسوية الخارجية قد توقف جولة من الحرب، لكنها لا تعالج بالضرورة جذور الصراع الداخلي.
سابعًا: إن تجربة الحرب الجمهورية الملكية تؤكد أن نهاية الحرب لم تأتِ نتيجة حسم عسكري خارجي، وإنما من خلال تغير الظروف الإقليمية والدولية، وتراجع التدخلات، ثم انخراط اليمنيين في ترتيبات المصالحة.
ثامنًا: إن أي مشروع سياسي يمني مستقبلي يحتاج إلى معالجة القضايا الداخلية التي أنتجت الصراع، لا الاكتفاء بإدارة التوازن بين القوى الخارجية.
اليمن لا يحتاج إلى «خارج» جديد بقدر حاجته إلى عقد وطني جديد
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: من الخارج الذي سيدعم هذا الطرف أو ذاك؟ وإنما: متى يستطيع اليمنيون أن يجعلوا قرار بلدهم ناتجًا عن توافقاتهم الوطنية قبل أن يكون انعكاسًا لتوازنات الآخرين؟
فالخارج لم يكن في ستينيات القرن الماضي طرفًا واحدًا، ولم يكن له هدف واحد، كما أن الخارج اليوم ليس كتلة واحدة، ولا تتطابق مصالح السعودية والإمارات وإيران والولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها.
وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الدول حين تتحول إلى ساحات مفتوحة لتقاطع المشاريع الخارجية، فإنها تدفع ثمنًا أكبر من قدرة أي طرف داخلي على تحمله.
لقد كان اليمن في الستينيات ساحة لصراع مصري سعودي، ثم تجاوز الصراع تلك الثنائية إلى دوائر أوسع، حتى انتهى الأمر بعد سنوات طويلة إلى تسوية سياسية.
واليوم، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا: أطراف يمنية متعددة، ومصالح إقليمية متباينة، وتوترات دولية متصلة بالبحر الأحمر، ومسارات تفاوضية أممية تحاول عزل الملف اليمني عن تداعيات الصراعات الإقليمية. وقد حذر المبعوث الأممي مرارًا من أن التصعيد الإقليمي يهدد بإعادة اليمن إلى دورة جديدة من الحرب.
ولهذا فإن استدعاء «العقدة اليزنية» ليس لاستحضار أسطورة تاريخية بقدر ما هو محاولة للتنبيه إلى خطر متكرر: أن يبحث اليمنيون عن حسم صراعاتهم الداخلية عبر الخارج، فيتحول الخارج من وسيلة مؤقتة إلى طرف دائم في معادلة القرار.
والتاريخ، وإن لم يكرر نفسه، فإنه أحيانًا يترك لنا البنية ذاتها ويغير الأشخاص والأسماء.
وفي ستينيات القرن الماضي كان السؤال: من يحسم الصراع في اليمن، الجمهوريون أم الملكيون، مصر أم السعودية؟
أما اليوم، فإن السؤال أكثر تعقيدًا:
هل يستطيع اليمنيون أن يصنعوا تسوية وطنية تمنع تحويل بلادهم مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وربما يكون هو الفارق بين أن يبقى اليمن موضوعًا لصراعات الآخرين، وأن يتحول إلى فاعل يقرر مستقبله بنفسه.
The post التدخلات الخارجية في اليمن عقب ثورة 26 سبتمبر 1962م.. هل تتكرر «العقدة اليزنية» راهنًا؟ first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.