يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ من عبدالسلام بن هادي
لم تعد المخاطر المرتبطة بتوسع سيطرة جماعة الحوثيين على الساحل اليمني محصورة في قدرتها على تهديد السفن العابرة للبحر الأحمر وباب المندب. فالجغرافيا الجديدة التي تفرضها الحرب تضع الجماعة على تماس مباشر مع واحدة من أكثر البيئات البحرية حساسية في العالم؛ حيث تتقاطع طرق الملاحة الدولية مع شبكات تهريب السلاح والبشر، والجماعات المسلحة، والقرصنة الممتدة بين اليمن والقرن الأفريقي.
لهذا لا يتعلق السؤال فقط بقدرة الحوثيين على مهاجمة سفينة تمر عبر باب المندب، وإنما بما يمكن أن يحدث إذا التقت السيطرة المسلحة المتزايدة على الساحل اليمني مع شبكات قائمة بالفعل على الجانب الآخر من خليج عدن.
وهذا الاحتمال لم يعد افتراضاً. فتقارير متعاقبة لخبراء مجلس الأمن وثقت خلال العامين الأخيرين تطور العلاقات بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، بما يشمل تهريب أسلحة، وتدريب مقاتلين، وانتقال أفراد بين الضفتين، ونقل خبرات مرتبطة بالعبوات الناسفة والطائرات المسيّرة.
وتضاعفت أهمية هذه المعطيات مع التحول العسكري الأخير على الساحل الغربي. ففي 15 سبتمبر/أيلول 2026 قال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة خالد خياري أمام مجلس الأمن إن الوضع حول باب المندب أصبح «متقلباً بصورة متزايدة»، وإن القتال اشتد على الساحل الغربي مع تقدم الحوثيين باتجاه المضيق، وسيطرتهم على عدة جزر في جنوب البحر الأحمر.
هذه التطورات لا تعني تلقائياً نشوء تحالف بين الحوثيين والقراصنة والجماعات المسلحة في القرن الأفريقي، لكنها تغير البيئة الأمنية جذرياً؛ لأن اتساع السيطرة على السواحل والجزر يعني اقتراب جماعة مسلحة تمتلك قدرات صاروخية ومسيّرات وخبرة بحرية من طرق تهريب تاريخية تربط اليمن بالصومال والقرن الأفريقي.
علاقات تتجاوز تهريب البنادق
في تقرير فريق خبراء مجلس الأمن بشأن اليمن الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قال الخبراء صراحة إن أنشطة التعاون والتهريب بين الحوثيين وحركة الشباب شهدت زيادة.
وأبلغت مصادر رسمية الفريق بتحقيق يتعلق بنحو 70 صومالياً مرتبطين بحركة الشباب يشتبه في تورطهم في تهريب السلاح من الحوثيين في اليمن إلى الصومال. كما وثق الفريق مصادرات لأسلحة ومتفجرات وشبكات تهريب تعمل بين ضفتي خليج عدن.
لكن التطور الأخطر لم يكن في حركة السلاح وحدها، بل في انتقال المعرفة العسكرية.
فوفق التقرير، أكدت مصادر سرية وجود تدريبات قدمها الحوثيون لعناصر من حركة الشباب داخل اليمن في تصنيع العبوات الناسفة المتطورة واستخدام تقنيات الطائرات المسيّرة. وأشار الخبراء إلى أن حركة الشباب كانت تمتلك القدرة على استخدام المسيّرات في الاستطلاع وتسعى إلى تطويرها لتنفيذ هجمات.
كما درس الفريق قضية صومالي قال إنه عمل حلقة اتصال بين الجانبين، وعثر المحققون، بحسب التقرير، على أدلة دعمت أجزاء من إفادته. وذكر الرجل أن مهندسين عسكريين حوثيين انتقلا إلى مدينة جيليب الصومالية لتدريب عناصر من الحركة على صناعة العبوات، وتعديل المسيّرات وصيانة الأسلحة.
كما تحدث عن تسهيل انتقال نحو 400 صومالي إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون للحصول على تدريب عسكري وأيديولوجي-حسب إفادة ذكرت في تقرير فريق الخبراء.
وتكشف هذه المعطيات أن المسألة لم تعد سوقاً لتهريب البنادق والذخيرة فقط. فالسلاح يمكن اعتراضه في البحر، لكن نقل الخبرة في تصنيع العبوات أو تعديل المسيّرات يمكن أن يرفع قدرات جماعة مسلحة لسنوات.
المقاتلون يعبرون البحر
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 قدم فريق خبراء مجلس الأمن المعني بحركة الشباب دليلاً آخر.
قال الفريق إنه حقق في الروابط بين الحركة واليمن ووجد أن حركة الشباب أرسلت مقاتلين للحصول على التدريب هناك. ووفق التقرير، انتقلت خلال عام أربع مجموعات تضم كل منها نحو 30 مقاتلاً إلى اليمن.
ووصف الخبراء مسار إحدى المجموعات بالتفصيل: غادر 30 مقاتلاً الساحل الصومالي أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2024 على متن مركب يمني، ووصلوا إلى المكلا، ثم نُقلوا إلى أطراف الحديدة حيث تلقوا تدريباً استمر قرابة شهرين على البنادق والأسلحة المضادة للطائرات والعبوات الناسفة.
ما يلفت الانتباه هنا ليس التدريب وحده، بل البنية اللوجستية التي سمحت بتنقل المقاتلين: ساحل صومالي، ومركب صغير، وساحل يمني، ثم طريق داخلي ينتهي قرب الحديدة.
أي أن البحر نفسه أصبح جزءاً من شبكة التدريب والتسليح.
«علاقة انتهازية وليست أيديولوجية»
الاختلاف الفكري والمذهبي بين الحوثيين وحركة الشباب قد يبدو للوهلة الأولى عائقاً أمام التعاون، لكن فريق خبراء مجلس الأمن قدم تفسيراً مختلفاً.
ففي تقرير سابق وصف العلاقة بين الطرفين بأنها «تعاملية أو انتهازية وليست أيديولوجية».
وقال إن دولة عضواً أبلغت الفريق بعقد اجتماعين على الأقل في الصومال بين ممثلين عن حركة الشباب والحوثيين، طلبت خلالهما الحركة أسلحة أكثر تطوراً وتدريباً. وفي المقابل، كان مطلوباً منها، وفق المعلومات التي تلقاها الخبراء، زيادة أنشطة القرصنة في خليج عدن وقبالة الصومال، واستهداف سفن الشحن وتعطيل حركتها والحصول على الفدى.
ويعتبر ذلك واحدة من أكثر النقاط حساسية في التقارير الأممية؛ لأنها تربط بين ثلاثة عناصر عادة ما يجري التعامل معها منفصلة: الجماعات المسلحة، والسلاح، والقرصنة.
ولا تعني هذه المعلومات أن كل عملية قرصنة حدثت لاحقاً نفذت بتنسيق حوثي؛ لكنها تؤكد على الأقل أن فكرة توظيف القرصنة ضمن علاقة تبادل مصالح سبق أن ظهرت في معلومات درستها آلية خبراء مجلس الأمن.
والقرصنة تعود
تصبح الخلفية السابقة أكثر أهمية لأن القرصنة نفسها عادت بقوة خلال 2026.
ففي يوليو/تموز أعلنت المنظمة البحرية الدولية أنها سجلت خلال ثلاثة أشهر فقط 24 حادثة ومحاولة قرصنة وسطو مسلح على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن.
وبحلول 24 أغسطس/آب، أعلن الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز أن ست سفن أصبحت محتجزة لدى قراصنة ومسلحين، وأن أكثر من 90 بحاراً كانوا في الأسر.
وقال دومينغيز محذراً: «لا يمكننا أن نسمح بعودة ظهور القرصنة في خليج عدن والمياه المحيطة به دون اتخاذ أي إجراء».
أما الباحث كريستوفر هوكي، الباحث الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI والمتخصص في شرق أفريقيا، فيرى أن التعامل مع ما يحدث باعتباره مجرد عودة إلى القرصنة الصومالية القديمة يغفل التحول الأهم.
وفي تحليل نشره في 23 سبتمبر/أيلول 2026، أشار هوكي إلى أنه خلال نحو 14 عاماً، بين انهيار موجة القرصنة الكبرى عام 2012 وبداية 2026، لم تُختطف سوى ثلاث سفن تجارية قبالة القرن الأفريقي. لكن منذ أواخر أبريل/نيسان 2026 وحده استولى القراصنة على ست سفن.
وبحسب هوكي، فإن القرصنة الحالية تعمل داخل بيئة بحرية تتداخل فيها شبكات المهربين والجماعات المسلحة وطرق التجارة غير المشروعة، وليس داخل اقتصاد قرصنة معزول كما كان يُنظر إلى الظاهرة قبل أكثر من عقد.
"ما يحدث في سواحل اليمن لا يبقى في #اليمن.."
خبير يؤكد أن 8 مليارات إنسان حول العالم سيتأثرون بارتدادات الحرب على الساحل اليمني وسلاسل توريد النفط والغاز، في ظل هشاشة غير مسبوقة تواجه التجارة الدولية عبر البحر الأحمر. pic.twitter.com/FBWOXruRO1— يمن مونيتور (@YeMonitor) September 28, 2026
شبكة واحدة أم مصالح متقاطعة؟
الخطر لا يتطلب وجود غرفة عمليات مشتركة تجمع الحوثيين وحركة الشباب والقراصنة. وربما تكون هذه النقطة هي الأهم لفهم المشهد الجديد.
فالجماعات ربما تظل منفصلة تنظيمياً وأيديولوجياً، بينما تستخدم الوسطاء أنفسهم، ومراكب التهريب ذاتها، وطرق التمويل والمرافئ غير الرسمية نفسها.
يمكن لمهرب سلاح أن ينقل شحنة لجماعة مسلحة في رحلة، ومقاتلين في رحلة أخرى. ويمكن لربان المركب نفسه أن يعمل مع تجار شرعيين ومهربين. ويمكن للقراصنة شراء السلاح عبر الشبكات نفسها التي تستخدمها جماعات مسلحة.
وهو ما يجعل مفهوم «التقارب» أكثر دقة من الحديث عن تحالف موحد.
فتقارير الأمم المتحدة تثبت وجود التعاون الحوثي–الشبابي في مجالات محددة، لكنها لا تثبت حتى الآن أن الحوثيين يديرون شبكات القرصنة الصومالية أو يوجهون عملياتها الحالية.
والفارق مهم؛ إذ أن المشكلة الحقيقية قد تكون أن البيئة نفسها أصبحت تسمح بتبادل الخدمات؛ السلاح مقابل المال، التدريب مقابل التسهيلات، والممرات البحرية مقابل النفوذ.
ماذا يغير التقدم نحو باب المندب؟
هنا تظهر أهمية الجغرافيا الجديدة؛ فحتى وقت قريب كان جزء مهم من الساحل القريب من باب المندب خارج السيطرة الحوثية. ومع التقدم الحوثي في سبتمبر، تقلصت هذه المسافة، بالتزامن سيطرة الحوثيين على جزر في جنوب البحر الأحمر.
السيطرة على الساحل لا تساوي تلقائياً إنشاء قواعد للتهريب، لكنها تمنح أي طرف مسلح خيارات أوسع: تشغيل مرافئ صغيرة، مراقبة الحركة البحرية، نقل المعدات والأفراد، واستخدام مناطق ساحلية أكثر قرباً من خطوط الملاحة وطرق العبور باتجاه القرن الأفريقي.
وما يجعل ذلك أكثر حساسية أن حركة السلاح بين اليمن والصومال ليست جديدة. فقد أشار فريق خبراء حركة الشباب نفسه إلى أن تجار الأسلحة يستخدمون منذ سنوات الطرق البحرية من شمال الصومال لنقل الأسلحة القادمة من اليمن.
الجديد إذن ليس اكتشاف الطريق وإنما احتمال التقاء شبكة تهريب قائمة مع طرف يوسع سيطرته على الساحل اليمني ويمتلك قدرات عسكرية أكبر بكثير من قدرات شبكات التهريب التقليدية.
من القرصنة إلى «التهديد الهجين»
في موجة القرصنة السابقة كان النموذج مفهوماً نسبياً: قراصنة يستولون على سفينة، ينقلونها إلى الساحل، ثم يفاوضون للحصول على فدية.
أما البيئة الحالية فقد تصبح أكثر تعقيداً. يوجد قراصنة لديهم خبرة في الاقتراب من السفن والسيطرة عليها. مهربون يعرفون السواحل والطرق البحرية. جماعة مثل حركة الشباب تمتلك شبكات ومقاتلين على الأرض. والحوثيون يمتلكون خبرة في المسيّرات والصواريخ والعمليات البحرية.
ليس ضرورياً أن تنصهر هذه الأطراف في تنظيم واحد حتى يصبح التهديد أكبر.
يكفي انتقال التكنولوجيا والخبرات والأموال والخدمات بينها؛ لذلك يصبح الخطر المحتمل هو ظهور ما يشبه سوق أمنية سوداء عابرة للحدود: طرف يوفر السلاح، وآخر التدريب، وثالث القوارب والممرات، بينما توفر شبكات الجريمة التمويل والنقل.
الخطر ليس هجوماً واحداً
لذا فإن قياس الخطر فقط بعدد السفن التي يمكن للحوثيين استهدافها يعطي صورة ناقصة.
من هنا يبدو التعامل مع التمدد الحوثي باعتباره مجرد تغير جديد في خريطة الحرب اليمنية قراءة غير كافية. فباب المندب ليس خط تماس داخلياً، بل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق إلى قناة السويس. والسيطرة المسلحة على ساحله وجزره تمنح نفوذاً تتجاوز آثاره حدود اليمن.
ولهذا لا تكفي التطمينات المرحلية بعدم استهداف السفن. فالمشكلة ليست فقط فيما يقال اليوم، وإنما فيما يُبنى على الأرض للمستقبل.
ولا يحتاج المجتمع الدولي إلى التكهن بنوايا الحوثيين حتى يدرك حجم المخاطر. بين يديه بالفعل تقارير صادرة عن خبرائه تتحدث عن السلاح والتهريب والتدريب وانتقال المقاتلين والاتصالات مع حركة الشباب.
ما يستحق التفكير فيه منذ الآن هو شكل التهديد الذي قد تواجهه هذه المنطقة إذا لم يعد مصدر الخطر مجرد قراصنة يبحثون عن الفدية، بل شبكة أكثر تعقيداً تلتقي فيها القرصنة مع الإرهاب وتهريب السلاح والمسيّرات والصواريخ، وتمتد بين القرن الأفريقي وساحل يمني تسيطر عليه جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة.
عندها لن تكون القضية يمنية أو صومالية فحسب، بل قضية أمن بحري دولي تمتد آثارها من المحيط الهندي إلى باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.
والمفارقة أن عناصر هذا السيناريو ليست غائبة عن المجتمع الدولي؛ فهي موجودة بالفعل في تقارير الأمم المتحدة.
المطلوب أن تُقرأ هذه التقارير جيداً، قبل أن تتحول تحذيراتها إلى واقع يصعب احتواؤه.
The post من باب المندب إلى القرن الأفريقي.. هل تتحول السواحل اليمنية إلى مظلة جديدة للإرهاب والقرصنة؟ appeared first on يمن مونيتور.