سلسلة حلقات يعدها لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: في الذاكرة اليمنية، ثمة أصوات لا تحتاج إلى إذاعة كي تصل، ولا إلى مسرح كي تصنع جمهورها. أصوات تولد في الأزقة، وتمضي مع الناس في الأسواق والساحات، ثم تستقر في الوجدان حتى تصبح جزءًا من الحكاية الوطنية.
ومن بين تلك الأصوات، يبرز اسم محمد البصير، الفنان الكفيف الذي لم تمنعه ظلمة العين من أن يرى أبعد مما يرى الآخرون، ولم يحتج إلى فرقة موسيقية كبيرة أو منصة فنية فاخرة ليصنع حضوره.
كان يحمل دفه على كتفه، ويجوب أحياء صنعاء، يغني للناس ويستمد منهم جمهوره، حتى تحولت أغنيته الأشهر “جمهورية من قرح يقرح”، إلى واحدة من أكثر الأغنيات الشعبية ارتباطًا بذاكرة ثورة 26 سبتمبر.
هكذا تبدأ حكاية رجل بسيط في مظهره، عميق الأثر في ذاكرة وطن، وحكاية أغنية لم تكن مجرد لحن شعبي عابر، بل صارت إعلانًا شعبيًا عن زمن جديد، وعن شعب أراد أن يقول إن الجمهورية لم تعد شعارًا يُسمع، بل واقعًا وإنجازًا للوطن والشعب رغمًا عن الإمامة.
https://x.com/ydnnews1/status/2101348628388262135?s=20
محمد البصير.. عينان لا تريان وبصيرة ترى
اسمه الحقيقي، بحسب الروايات المتداولة، محمد الرخمي، واشتهر باسم محمد البصير. وتنسبه بعض الروايات إلى مديرية الشعر في محافظة إب (وسط اليمن)، فيما تنسبه أخرى إلى عنس بمحافظة ذمار.
ولد فاقدًا للبصر، لكنه لم يولد فاقدًا للحياة أو الرغبة في أن يكون حاضرًا بين الناس.
تلقى في بيئته الأولى تعليمًا دينيًا على أيدي فقهاء القرية، وكان يحفظ القرآن الكريم وعددًا من المتون، وفق رواية ابن أخيه، قبل أن يجد طريقه إلى الغناء الشعبي ويصنع لنفسه مكانًا في شوارع صنعاء.
لم يبدأ البصير فنانًا على مسرح أو في استوديو. كانت بدايته أكثر بساطة؛ علبة حليب فارغة وملعقة يستخدمهما لإصدار إيقاع يرافق صوته، قبل أن يشتري دفًا صار يعلقه على رقبته ويجوب به الشوارع، يغني حسب الطلب، ويتوقف حين يطلب منه الناس أن يغني.
كان يقوده في جولاته أحد أبناء أخيه، ويحمل معه ذلك الفنان الذي لا يرى بعينيه، لكنه كان يعرف طريقه إلى قلوب الناس.
من باب اليمن إلى ميدان التحرير
في صنعاء القديمة، لم يكن محمد البصير يحتاج إلى الإعلان عن حضوره. كان يكفي أن يبدأ بالنقر على الدف حتى يتجمع حوله الصغار والكبار، وتطل بعض النساء من خلف نوافذ البيوت لمتابعة المشهد.
كان يمضي ثابتاً وكأنه يرى الطريق أمامه؛ يتحرك بثقة، يضرب دفه، ويغني، فيما تتحول جولته اليومية إلى مشهد صغير من الحياة الاجتماعية في صنعاء.
وفي مدينة كانت السينما الحديثة فيها تثير دهشة الناس وفضولهم، وجد البصير طريقًا آخر لمحاكاة الفن.
كانت دور العرض الجديدة تقدم للجمهور اليمني صورًا وألحانًا عربية مختلفة، وكان البصير يلتقط من تلك الثقافة ما يناسب موهبته الشعبية، فيقلد الفنان المصري فريد الأطرش في بعض أغانيه، ويؤديها بطريقته الخاصة، وهو ينقر على الدف ويقربه من فمه في بعض المقاطع.
لم يكن يقلد الفن لمجرد التقليد؛ كان يعيد إنتاجه بلغته الخاصة، ويعيده إلى الشارع، حيث الجمهور الحقيقي بالنسبة إليه.
وهنا كانت المفارقة الجميلة: سينما تعرض الفن على الشاشة، وفنان كفيف يعيد الفن إلى الناس في الطريق.
“جمهورية من قرح يقرح”.. حين غنّى الشارع للثورة
لكن محمد البصير لم يدخل الذاكرة اليمنية بسبب تقليده لفريد الأطرش، ولا بسبب جولاته في أحياء صنعاء. اسمه ارتبط بأغنية واحدة جعلته حاضرًا في ذاكرة الثورة حتى اليوم: “جمهورية من قرح يقرح”.
كتب كلمات الأغنية، وفق الرواية التي أوردها عبدالله البردوني في كتابه “اليمن الجمهوري”، الشاعر عبدالله خميس عامر عطية، المنتمي إلى منطقة حريب، وجاءت كلماتها في أعقاب فرار الإمام البدر بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962.
التقطت الأغنية المشهد السياسي بلغة الشارع، وحولت لحظة هروب الإمام إلى صورة ساخرة سهلة الحفظ والترديد، لتصبح الأغنية بذلك أقرب إلى وثيقة شعبية تحفظ تفاصيل اللحظة بقدر ما تحتفي بانتصار الجمهورية.
“جمهورية من قرح يقرح”.. إعلان شعبي عن زمن جديد
تبدأ الأغنية بعبارة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل في تركيبها إعلانًا صريحًا عن التحول الذي أحدثته ثورة 26 سبتمبر: جمهورية من قرح يقرح.. والشعب عاجب بأبطاله.
فالجمهورية هنا ليست مجرد نظام حكم جديد، وإنما ثمرة انتصار يرى الشاعر أن الشعب نفسه صنعها، ولذلك يربطها مباشرة بـ”الأبطال” الذين حملوا مشروع الثورة وأسقطوا الحكم الإمامي.
وبهذه البداية، تنتقل الأغنية من وصف الحدث إلى الاحتفاء به؛ فالشعب لم يعد متلقيًا لما يحدث، بل يظهر في الكلمات بوصفه طرفًا حاضرًا في صناعة التحول، ومحتفيًا بمن دفعوا ثمنه.
“من قارب الظلم ما يربح”.. الثورة في مواجهة الاستبداد
في المقطع التالي، تنتقل الأغنية من الاحتفال إلى تفسير أسباب الثورة: من قارب الظلم ما يربح .. لازم نغير بها الحالة.
هنا تختصر الكلمات صورة النظام الذي قامت الثورة في مواجهته؛ ظلمٌ واستبدادٌ لم يعد بالإمكان استمراره.
ولذلك تأتي عبارة “لازم نغير بها الحالة”، باعتبارها خلاصة شعبية لفكرة الثورة نفسها: تغيير واقع سياسي واجتماعي استمر طويلًا، والانتقال من حالة القهر إلى واقع جديد يرفع شعار الجمهورية.
ثم يذهب المقطع أبعد من ذلك حين يقول: ذي ما يبى شعبنا ينجح .. قد عجّل الله بزلزاله. فتتحول الثورة في الخيال الشعبي للأغنية إلى رد على كل من يقف في طريق نجاح الشعب، وتصبح “الزلزلة” صورة مجازية لانهيار النظام القديم أمام إرادة التغيير.
“والبدر ما عاد ذي أصبح”.. السخرية من لحظة الهروب
وأكثر مقاطع الأغنية التصاقًا بالحدث التاريخي هو المقطع الذي يتناول فرار الإمام محمد البدر: والبدر ما عاد ذي أصبح .. خرج بشرشف وبركالة.
وهنا تتخلى الأغنية عن اللغة السياسية المباشرة، وتستعيد الحدث من زاوية شعبية ساخرة. فهروب الإمام لا يقدم بوصفه واقعة عسكرية أو سياسية فحسب، وإنما يتحول إلى صورة يتناقلها الناس، وهي صورة خروج البدر متخفيًا بملابس نسائية.
وبهذه السخرية، تقلب الأغنية صورة الحاكم الذي كان يُنظر إليه بوصفه رأس السلطة إلى شخصية هاربة، لتصبح لحظة الفرار نفسها رمزًا لانكسار هيبة الحكم الإمامي أمام الثورة.
ولعل هذه الصورة تحديدًا هي التي منحت الأغنية قدرتها على البقاء؛ فهي لا تسجل حدثًا سياسيًا بلغة المؤرخ، وإنما تحفظه بالطريقة التي أحب الناس أن يتذكروه بها: حكاية هروبٍ صارت جزءًا من الذاكرة الشعبية لسبتمبر.
“يحرم على البدر يزور إبْلح”.. صنعاء خارج سلطة الماضي
يواصل الشاعر رسم صورة ما بعد الثورة بقوله: يحرم على البدر يزور ابْلح .. يشوف صنعاء ولا صالة.
فبعد أن كان البدر حاكمًا للبلاد، يأتي الخطاب الغنائي ليعلن أن عودته إلى صنعاء لم تعد ممكنة.
إنها صياغة شعبية لفكرة سقوط السلطة القديمة وانتهاء قدرتها على العودة إلى مركز الحكم.
ولا تتوقف الدلالة عند شخص البدر؛ فالمقصود أوسع من الحاكم نفسه، إذ تبدو الكلمات وكأنها إعلان بانتهاء مرحلة كاملة، وأن صنعاء التي خرجت منها الثورة لم تعد المدينة نفسها التي كانت تحت سلطة الإمامة.
“شعب اليمن للدول صرح”.. الجمهورية في مواجهة الوصاية
ثم تنتقل الأغنية من الحديث عن الإمام إلى الحديث عن اليمن نفسه: شعب اليمن للدول صرح.. ما يدخل إنسان في أحواله.
وهنا تظهر واحدة من أكثر أفكار الأغنية ارتباطًا بمفهوم الاستقلال الوطني. فاليمن، وفق هذا التصوير الشعبي، يعلن نفسه صاحب قرار، ويرفض أن تكون شؤونه الداخلية مجالًا لتدخل الآخرين.
وبذلك تتجاوز الأغنية الاحتفال بسقوط الحكم الإمامي إلى التعبير عن تصور أوسع للجمهورية: دولة يمتلك شعبها حق تقرير مصيره، ولا يسمح للآخرين بأن يحددوا له شكل مستقبله.
من حكاية الهروب إلى حكاية الجمهورية
في نهاية الأغنية، يعود الشاعر إلى اللازمة نفسها: جمهورية من قرح يقرح. لكنها بعد كل هذه المقاطع لم تعد العبارة التي بدأت بها الأغنية. فالمستمع يكون قد انتقل معها من إعلان قيام الجمهورية، إلى تفسير أسباب الثورة، ثم إلى السخرية من هروب البدر، وصولًا إلى تأكيد حق الشعب في تقرير مصيره.
وهكذا تبدو اللازمة في كل مرة وكأنها تعيد تثبيت المعنى الأساسي للأغنية: الجمهورية هي النتيجة التي انتهت إليها تلك اللحظة التاريخية، وهي أيضًا الفكرة التي أراد الشارع أن يحتفي بها ويحميها.
من الشارع إلى منصة التحرير
لم تبقَ الأغنية في الأزقة. فبعد عام واحد من قيام الثورة، كان محمد البصير على موعد مع منصة أكبر، حين أداها في احتفالات الذكرى الأولى للثورة في ميدان التحرير بصنعاء.
هناك، انتقلت الأغنية من صوت فرد يجوب الشوارع إلى هتاف جماعي تشارك فيه الجماهير.
كان البصير يبدأ: “جمهورية من قرح يقرح”. فتأتيه أصوات الناس من حوله، وكأن الأغنية لم تعد ملكًا لصاحبها، بل أصبحت ملكًا للجمهور.
وهنا تحديدًا بدأت الأغنية تأخذ مكانها بوصفها واحدة من التعبيرات الشعبية الأوضح عن الجمهورية في سنواتها الأولى؛ لحن بسيط، كلمات ساخرة، وإيقاع قادر على أن يجعل المستمع مشاركًا لا متفرجًا.
أغنية تحفظ الثورة بلسان الناس
تكمن قيمة “جمهورية من قرح يقرح”، في أنها لم تتحدث عن الثورة بلغة النخب السياسية، وإنما بلغة الناس أنفسهم. فالكلمات بسيطة، والصور مباشرة، والسخرية حاضرة، واللحن قريب من الأهازيج الشعبية؛ ولهذا استطاعت الأغنية أن تغادر لحظة ميلادها وتعيش في الذاكرة الشعبية عقودًا طويلة.
ولم يكن محمد البصير مجرد صوت أدى الكلمات، بل كان جزءًا من الطريقة التي وصلت بها الأغنية إلى الناس، فقد حملها إلى الشوارع والأحياء، وجعلها قابلة للترديد الجماعي، حتى غدت الأغنية في لحظة ما أقرب إلى هتاف شعبي للجمهورية منها إلى عمل غنائي تقليدي.
وربما لهذا السبب تحديدًا بقيت “جمهورية من قرح يقرح”، حاضرة كلما حضرت ذكرى سبتمبر؛ فهي لا تستعيد الثورة باعتبارها تاريخًا بعيدًا فحسب، وإنما تستعيد الطريقة التي عاش بها الناس لحظة انتصارها، بلغتهم، وسخريتهم، وأهازيجهم، وأحلامهم بالجمهورية.
فنان الثورة الذي لم تسجله الإذاعة
على الرغم من انتشار اسمه، لم يحصل البصير على الفرصة التي حصل عليها فنانون آخرون لتسجيل أغنياته في إذاعة صنعاء.
عمل في فترة ما ضمن فرقة إنشادية يقودها الفنان يحيى الشلال، وشارك في إحياء الاحتفالات الوطنية التي كانت تقام بعد الثورة، متنقلًا بين صنعاء وتعز، لكنه ظل في نهاية المطاف فنانًا شعبيًا أقرب إلى الشارع منه إلى المؤسسات الفنية الرسمية.
وربما كان هذا تحديدًا هو أحد أسباب بقاء صوته. فالأغنية التي خرجت من الشارع عادت إليه، والأغنية التي لم تحتج إلى استوديو كي تولد لم تحتاج إلى أرشيف رسمي كي تبقى.. لقد حفظها الناس.
حين تحولت الأغنية إلى موقف
لم تكن “جمهورية من قرح يقرح”، مجرد احتفال بفرار الإمام البدر، بل حملت في كلماتها موقفًا واضحًا من عودة النظام الملكي ومحاولات استعادة الحكم الذي أسقطته الثورة.
وفي هذا السياق، ارتبط اسم البصير بحكاية أخرى أكثر قسوة.
تقول الروايات المتداولة إنه خلال حصار صنعاء في “حرب السبعين يومًا”، وقع البصير في قبضة الملكيين، وحاولوا إرغامه على الغناء ضد الثورة والجمهورية، لكنه رفض.
وتقول الرواية إنه تعرض للتعذيب أيامًا قبل أن يُترك في مكان مهجور خارج صنعاء، ليعود بعدها إلى منزله مثقلًا بآثار ما تعرض له.
وسواء اختلفت تفاصيل الرواية من ناقل إلى آخر، فإن صورتها الأساسية ظلت حاضرة في الذاكرة الشعبية: فنان كفيف، فقير وبسيط، لكنه لم يتخلَّ عن الأغنية التي جعلت صوته عنوانًا للجمهورية.
وهنا يتحول البصير من مجرد مغنٍّ لأغنية ثورية إلى شخصية تختزل علاقة الفن بالموقف؛ حين يصبح الغناء، في زمن الحرب، أكثر من أداء فني.
أكثر من ستة عقود.. وما زال الصوت حاضرًا
مرت أكثر من ستة عقود على ظهور الأغنية، وما زال مطلعها حاضرًا كلما حضرت ذكرى سبتمبر. وربما ذلك، بحسب أدباء ومثقفين، لأن الأغنية لم تكن منفصلة عن الناس.
كانت تشبههم في لغتها، وفي لحنها، وفي طريقتها في رواية الأحداث. لم تتكلف الفصحى، ولم تبحث عن مفردات بعيدة عن الشارع، بل أخذت من البيئة اليمنية إيقاعها ومفرداتها وروحها، ثم حملت رسالة سياسية ووطنية واضحة.
ولهذا بقيت “جمهورية من قرح يقرح”، واحدة من الأغنيات التي لا تحتاج إلى تعريف طويل؛ يكفي أن يبدأ صوتها حتى يتذكر كثير من اليمنيين كلماتها.
محمد البصير.. الجمهورية بصوت رجل بسيط
لا يُعرف على وجه الدقة تاريخ وفاة محمد البصير، كما أن كثيرًا من تفاصيل حياته ظلت محفوظة في روايات متفرقة، يتناقلها أبناء صنعاء ومن عرفوه أو عاشوا قريبًا من تجربته.
لكن ما بقي منه أكبر من تاريخ الميلاد والوفاة. بقي رجلًا يمشي في أزقة صنعاء، يعلّق دفه على كتفه، ويقوده أحد أبناء أخيه، ثم يبدأ بالغناء فيلتف حوله الناس.
بقي فنانًا لم تمنحه الإعاقة البصرية سببًا للانزواء، بل جعل من صوته وسيلته إلى الناس. وبقيت أغنية واحدة تحمل اسمه إلى الأجيال: “جمهورية من قرح يقرح”.
لم يكن محمد البصير شاعرًا كبيرًا، ولا موسيقيًا أكاديميًا، ولا صاحب فرقة فنية ضخمة. كان رجلًا بسيطًا، خرج من هامش الحياة اليومية إلى قلب الذاكرة الوطنية.
وربما تكمن هنا واحدة من أجمل حكايات الثورة نفسها: أن الأغنية التي أصبحت من رموز سبتمبر لم تولد في قاعة فاخرة، ولم تصنعها مؤسسة ثقافية كبيرة، وإنما خرجت من صوت رجل كفيف، ومن دف بسيط، ومن شارع كان يتطلع إلى زمن جديد.
لقد فقد محمد البصير نعمة البصر، لكنه امتلك ما هو أبعد من النظر؛ بصيرة جعلته يرى الجمهورية قبل أن تستقر في وجدان الناس، وصوتًا جعل الشارع يغنيها معه.
وهكذا، حين نعود اليوم إلى “جمهورية من قرح يقرح”، فإننا لا نسمع أغنية قديمة فحسب؛ بل نسمع صدى صنعاء في سنواتها الأولى بعد الثورة، ونسمع صوت رجل بسيط اختار أن يجعل من فنه شاهدًا على زمنٍ كان اليمن فيه يفتح نافذة جديدة على المستقبل.
في حضرة الثورة.. كان كفيفًا لكنه أبصر الجمهورية
حين نستعيد اليوم قصة محمد البصير، فإننا لا نستعيد فنانًا كفيفًا غنّى للجمهورية فحسب، بل نستعيد زمنًا كانت فيه الأغنية جزءًا من الذاكرة الوطنية، وزمنًا خرجت فيه الجمهورية من الكتب والخطب إلى الشوارع، ووجدت لنفسها صوتًا في حناجر الناس.
كان محمد البصير يرى بعينين لا تبصران، لكنه كان يرى ما لم يكن الجميع قادرين على رؤيته: أن الثورة ليست يومًا في التقويم، وأن الجمهورية ليست كلمة في نشيد، وأن الأغنية يمكن أن تصبح ذاكرة شعب.
ولهذا بقي.. بقي في الأغنية، وفي صوت من يرددها، وفي صورة ذلك الرجل الذي يمضي في أزقة صنعاء، يقوده أحد أبناء أخيه، فيما يعلو صوت الدف فوق ضجيج المدينة.
لقد كان “البصير”، كفيفًا.. لكنه أبصر الجمهورية. وكان بسيطًا.. لكنه ترك أثرًا لا يزال يتردد بعد أكثر من ستة عقود.
وفي حضرة الثورة، ربما لا نحتاج إلى أكثر من صوت البصير كي نتذكر، أن الثورات لا تصنعها البنادق وحدها، فأحيانًا تصنعها أيضًا أغنية، ودف، وصوت رجل قرر أن يغني للجمهورية: جمهورية من قرح يقرح.
- في حضرة الثورة.. سلسلة حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية
في حضرة الثورة.. حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية
الحلقة (1): في حضرة الثورة| “دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم
“دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم
الحلقة (2): في حضرة الثورة| “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية
ظهرت المقالة في حضرة الثورة | “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.
أخبار ذات صلة.