الديانة الحوثية
أهلي
منذ 5 ساعات
مشاركة

 

الدين هو رؤية شاملة للعالم Weltanschauung. غالباً ما تكون تلك الرؤية منقطعة، بصورة شاملة، عن الواقع الثقافي الذي تنشأ فيه.

كيف يرى الناس السياسة؟ كيف ينظرون إلى العمل؟ يتخيلون وظيفية وطبيعة المرأة؟ ما العادل وغير العادل في البناء الاجتماعي الهرمي؟ ما يجوز التفكير فيه؟ من هو الآخر وما الموقف منه؟ ما المقدّس وما المدنّس؟ ما هو شكل النبي، وكيف تبدو صورة الشيطان؟ تتراكم الإجابات عن هذه الأسئلة في شكل بناء ثقافي يتخلّق عبر التاريخ والتجربة واللغة. صحيح أن الثقافة، في جوهرها، مركّب غير مستقر. إلا أن الاجتماع البشري يتواطأ، في آخر الأمر، على شكل ما للمعرفة الشاملة، تأخذ شكل الديانة. تكون مهمّة هذه الديانة، في المقام الأوّل، تثبيت المعادلة السياسية تجنّباً للفوضى، وتعزيز وضع اجتماعي معين للحفاظ على الديناميكية التي نشأت في سياق تاريخي.

هذا التقديم مهم للولوج إلى الفكرة التي نسوقها أمام القارئ: الحوثية دين جديد، بالمعنى الشامل. هذا هو سر أزمتها مع المجتمع اليمني: القطيعة الشاملة.

اليمن، كثقافة، سابق للأديان الكلاسيكية. في عمله المثير “ديانة اليمن السرية” أعاد الباحث اليمني أحمد العرامي إنتاج نظام ديني قديم من الشفرات الثقافية واللغوية المعاصرة. تتمتع الثقافة اليمنية، مثل أي ثقافة أصيلة ومركّبة، بالاستمرارية والقدرة على التخفي والجريان تحت السطح، لذا يمكن إعادة إنتاجها واستخراجها من رموزها وشفراتها. اليمن الثقافي مختلف جذرياً عن اليمن الحوثي، نظامان من “السوفت وير” لا يمكن دمجهما معاً والادعاء بأن الناتج مركّب مستقر.الحوثية ليست ثورة داخل السياسة بل انقلاباً شاملاً على الثقافة، وعلى رؤية اليمنيين للعالم. أول ما فعلته الحوثية هو أنها وضعت سقفاً للتاريخ اليمني، جمّدته عند حدود القرن السابع الميلادي. التحديد هنا ليس دعائياً بل معرفياً وأكاديمياً، فقد استُخرج التاريخ اليمني القديم والحديث من كتب التعليم والدرس الأكاديمي،كما استبعد من مناهج التربية، أي انتزع من الهويّة. تقول أهزوجة حوثية شهيرة “على حضارةْ سبأ نرفع ْشعار الحسين”. بدلاً عن الأساطير والأبطال، التي تشكّل الوقود الأحفوري لأي ثقافة شعبية أصيلة، جاءت الحوثية بأساطيرها وأبطالها. يحتفل الحوثيون سنوياً بحوالي 20 عيدٍ وطني، ربما باستثناء مولد النبي محمد فما عيد آخر يعني اليمني الفرد أو لا اليمني المجموع. وكما حظروا الاحتفال بعيد الثورة اليمنية، فقد فعلوا الشيء نفسه مع صلاة التراويح. احتلال كامل للنظام الثقافي اليمني، وإبادته.

الحوثية، في جوهرها، هي حركة عنصرية استعلائية تتناقض مع خيال اليمنيين حول الحق والعدل، الخيال الذي ورثوه من دياناتهم السابقة وطوروه داخل الإسلام. يفتي الشيخ الحوثي عبر الإذاعة بأن رحم الهاشمية محرّم على أهل اليمن، وأن ذلك امتياز خصّ الله به سلالة من الناس. النقاء الجيني، تؤكد كتب التربية والتعليم الحوثية، امتياز إلهي لا يمكن تفسيره بشريّاً. شيئاً فشيئاً صار اليمني إلى الإنسان الأدنى. تأكد له أن جيناته إشكالية، وأن الجينة الفائقة للحوثية وأخواتها هي تدبير إلهي يصب في صالحه، وما عليه سوى الخضوع. يطلق على الخضوع اسماً مهذباً: الموالاة.

يقدّم النبي محمد بوصفه جد الحوثيين ونبي اليمنيين. يطلب من اليمنيين أن يراجعوا إيمانهم بالنبي محمد ليشمل التسليم بإمامة سلالته من بعده، الإمامة بمعنى “استكمال النبوة”. ينفذ الحوثيون عملية إصلاح ثقافي عميقة وشاملة شعارها ” اللهم إنا نواليك، ونوالي من أمرتنا بموالاته، سيدي ومولاي عبد الملك”.

يقدم الحوثي بوصفه تمثيلاً مباشراً للإرادة الإلهية، تقع على عاتقه مهمتان: الأولى احتكار تأويل الكتاب المقدس “القرآن”، والثانية تدبير شأن المعاد. فهِم اليمنيون، بعد وقت قصير، أن المراد من فكرة المولاة/ الولاية أمران اثنان: أن العقل اليمني غير قادر على إدراك مراد الله بمفرده، وأن المجتمع اليمني غير قادر على تدبير شؤونه السياسية استناداً إلى رجاله وثقافته. هذا الإنسان الأدنى، فرداً وجماعة، بحاجة إلى راعٍ ولو على رغم أنفه!

بعد مواجهات عسكرية يائسة جاء الرد ثقافياً، إذ بادر اليمنيون إلى إحياء خطهم القديم “المسند”، واستخرجوا أبطالهم الشعبيين. نشطت الثقافة المحلية عبر وسائطها التعبيرية المختلفة بما في ذلك الشعر الشعبي. لم تنتج هويتها وحسب، بل جسّدت الفاشية الحوثية في صورة ثلاثية الأبعاد، وأمكن معاينتها وتخيلها. يدرك الناس على نحو متزايد أن الحوثية ديانة غير مسالمة، وأنها لا تعيش على إبادة الآخر ثقافياً.

الحوثية رؤية شاملة للعالم، تتناقض مع رؤية وخيال اليمنيين. احتكرت السياسة، الثقافة، الاقتصاد، الطهارة، النقاء العرقي، وقدّمت نفسها كبوابة إجبارية إلى السماء. حتى ما بدا بسيطاً وعفوياً في تدين اليمنيين، كالإيمان بالله ورسوله، أصبح منقوصاً وغير كافٍ في الرؤية الحوثية. يتوجب على اليمني أن يستكمل إيمانه المعلّق، الناقص، من خلال الولاء غير المشروط للحوثي. تربط مناهج المدرسة بين الحوثي والنبي محمد، وتربط مناهج الجامعة بين الحوثي والإله، وتخيّر الدعاية الثقافية أهل اليمن بين الحوثي والشتات.

انقلاب شامل، ديانة مكتملة الأركان تريد أن تستقر على أنقاض ثقافة عميقة  ومعقدة تشكلت داخل اللغة والرموز والتاريخ. ما يعني أن الحوثية ستبقى مركّباً غير مستقر، ودالة ثقافية مغلقة وغير قابلة للامتزاج مع نظام ثقافي أقدم منها وأكثر تعقيداً وجاذبية من حقيقتها.

من شروط الولي، في التعريف الحوثي للإمامة، أن يكون قادراً على المبادرة إلى السيف كما هو قادر على الإمساك بالفتوى. الفتوى، أي الديانة، عجزت وبقي السيف في يد الحوثي. منذ صيف العام 1995، حين أبلغ صالح جنراله السلالي الشهير المتوكّل أنه ينوي تأسيس جماعة زيدية مسلّحة، والحوثي يمسك بالسيف. حدث أن الزيدية نفسها، كمذهب وكقبيلة، اكتشفت الخديعة. فالديانة الحوثية بالغة العنصرية والقسوة، تتطلب استسلاماً شاملاً، وتسليماً لا رجعة فيه. وهي حقيقة جعلت الحوثية تبدو غريبةً حتى على المذهب نفسه، على خطابه الفكري- الفلسفي. ولا نبالغ إذ قلنا أن الزيدية ذاهبة الآن، كردّة فعل على الحوثية، إلى تفكيك نفسها كمذهب لصالح اكتشاف يمنيتها وهويتها وحتى ديانتها الأقدم.

The post الديانة الحوثية appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية