جاءت زيارة ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى مصر، أمس الثلاثاء، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتصدره التطورات المتسارعة في اليمن، وتصاعد التهديدات المرتبطة بمليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وما تفرضه من تداعيات على أمن باب المندب والبحر الأحمر والملاحة الدولية.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة من زاوية التطورات اليمنية، في ظل تنامي المخاطر التي تمس أمن المملكة والممرات البحرية، وما يفرضه ذلك من حاجة إلى تنسيق عربي أوسع في مواجهة تهديدات تتجاوز حدود دولة واحدة.
وأكد الجانبان، خلال مباحثاتهما في القاهرة، الحرص على ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، فيما شدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على دعم الإجراءات السعودية لحماية أمنها واستقرارها، وعلى التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.
زيارة استراتيجية تتصل باليمن والبحر الأحمر
وفي حديث لـ«الصحوة نت»، يرى رئيس مركز المخا للدراسات عاتق جار الله أن زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة "استراتيجية وليست تكتيكية"، وأن توقيتها يرتبط بصورة مباشرة بالتطورات التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها ما وصفه بالخطر الاستراتيجي الناتج عن وصول النفوذ الإيراني إلى شواطئ البحر الأحمر عبر جماعة الحوثي.
ويقول جار الله إن وصول إيران إلى سواحل البحر الأحمر عبر الحوثيين يمثل خطرًا استراتيجيًا لا يقتصر على السعودية واليمن، بل يمتد إلى مصر ودول القرن الإفريقي، وفي مقدمتها جيبوتي وإريتريا والصومال، وكذلك السودان، مشيرًا إلى أن هذا التطور قد يدفع نحو بناء تحالف إقليمي أكثر تماسكًا، وإقامة منظومة مشتركة للأمن البحري في البحر الأحمر.
ويرى أن سيطرة مليشيا الحوثي على مناطق في الساحل الغربي لليمن، وما ترتب عليها من تهديد لباب المندب، قد تدفع دول المنطقة إلى توحيد مواقفها، بعدما أصبح الخطر المرتبط بالملاحة والأمن البحري يتجاوز حدود اليمن.
ويضيف جار الله أن دعم إيران للحوثيين دفع عددًا من الدول الإقليمية الفاعلة إلى إعادة النظر في حساباتها، وهو ما يمكن أن يفتح الطريق أمام نشوء نظام عربي للأمن في البحر الأحمر، تكون له أبعاد استراتيجية بعيدة المدى.
ويعتبر أن مصر تمتلك موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية وثقلًا سياسيًا وعسكريًا، بينما تتمتع السعودية بمكانة دينية وثقل سياسي وعسكري واقتصادي وموقع استراتيجي مهم. ولذلك، فإن التنسيق بين البلدين حول مشروع عربي للأمن الإقليمي يمكن أن يترك آثارًا واسعة على أمن المنطقة.
كما يشير إلى أن تقارب الدول وتعزيز التنسيق بينها يضيّق المساحة أمام الجماعات المسلحة والمليشيات، لأن توحيد مواقف الدول يرفع قدرتها على التعامل مع التهديدات التي تعمل خارج إطار الدولة والنظام والقانون.
تجاوز التنسيق السياسي إلى الأمن المشترك
وفي تصريح لـ«الصحوة نت»، يقول المحلل السياسي الدكتور عمر ردمان إن الزيارة تأتي في ظل "تطورات بالغة الخطورة في اليمن"، على إثر تمدد مليشيا الحوثي باتجاه مضيق باب المندب وبعض الجزر الحيوية، معتبرًا أنها تعكس "الضرورة الاستراتيجية" لتعزيز التنسيق في مواجهة التهديدات المشتركة التي تواجه السعودية ومصر، والتي تهدد الملاحة الدولية وتنعكس على إيرادات قناة السويس.
ويضيف ردمان أن الزيارة جاءت أيضًا في أعقاب استهداف خط الأنابيب السعودي «شرق-غرب» من قبل مليشيا موالية لإيران في العراق، معتبرًا أن ذلك يضع حماية مسارات تصدير النفط عبر البحر الأحمر ضمن الحسابات الأمنية المشتركة.
وبحسب ردمان، فإن الزيارة تجاوزت مجرد تنسيق الدعم السياسي بين البلدين إلى مستوى من التنسيق الأمني لصياغة رد مشترك على التهديدات التي تمس الأمن القومي للبلدين مباشرة.
ويرى أن هذه الدلالات تفتح المجال أمام تحول العلاقة بين الرياض والقاهرة إلى شراكة استراتيجية دفاعية، مستندًا إلى تأكيد مصر رسميًا أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، ودعمها للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها.
وفي ملف البحر الأحمر، يشير ردمان إلى أن الزيارة وضعت أمن الملاحة في صدارة أولويات التنسيق الثنائي، لافتًا إلى أن البيان المشترك أكد حرص البلدين على ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.
ويقول إن التطورات الأخيرة في باب المندب تؤكد الحاجة إلى بناء رؤية أمنية مشتركة بين السعودية ومصر، وإلى رؤية عربية أوسع لحماية الأمن الإقليمي، ترتكز على دعم الحكومة الشرعية اليمنية، بما يمكّن السعودية ومصر، بالتنسيق مع الحكومة اليمنية، من مواجهةالتهديدات واستعادة الدولة اليمنية سيطرتها على سواحلها في البحر الأحمر وباب المندب.
ويضيف ردمان أن الزيارة تفتح الباب أمام تحول نوعي في الشراكة الأمنية، عبر تأسيس تحالف بحري عربي في إطار تنسيقي أوسع يضم الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، بما يضمن أمن الملاحة ويرفع كلفة أي تهديد يستهدف الممرات البحرية.
ويختصر ردمان رسالة الزيارة للجهات التي تهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب في أن حماية الملاحة «خط أحمر»، وأن استمرار تهديد الملاحة الدولية سيواجه بموقف عربي أكثر تماسكًا، مضيفًا أن الرسالة تشمل أيضًا المليشيات المدعومة من إيران في العراق، في ظل ترابط أمن السعودية ومصر.
أمن الممرات البحرية
ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية الدكتور أحمد معيدي، أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود، الذي يرى أن زيارة محمد بن سلمان تأتي في "توقيت دقيق" وتحمل "رسائل مهمة"، في ظل اضطراب الممرات البحرية الإقليمية والدولية.
ويقول معيدي إن أهمية الزيارة تتجاوز العلاقات الثنائية أو معالجة قضية مؤقتة، وتأتي في إطار علاقات سعودية مصرية تاريخية واستراتيجية، وتنسيق وتشاور مستمر بين البلدين.
ويرى أن التأكيد على أمن الممرات المائية يعكس إدراكًا بأن أي تهديد لمضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر لا ينعكس على الدول المطلة عليها فقط، وإنما يمتد أثره إلى التجارة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.
الحاجة المتزايدة إلى تنسيق المواقف
من جانبه، يقول عضو مجلس الشيوخ المصري محمد سمير مكي إن الزيارة تعكس عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين مصر والسعودية، وتؤكد الحاجة المتزايدة إلى تنسيق المواقف في ظل التحولات الإقليمية.
ويشير مكي - في تصريحات صحفية - إلى أن مباحثات السيسي ومحمد بن سلمان أكدت أن أمن السعودية ودول الخليج يمثل جزءًا من الأمن القومي المصري، وأن القاهرة والرياض تقفان في اتجاه واحد إزاء التهديدات التي تمس السيادة والاستقرار.
ويربط مكي بين هذا الموقف وبين أمن الملاحة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، باعتبار أن حماية هذه الممرات تتطلب تنسيقًا سياسيًا وأمنيًا مستمرًا بين الدول المعنية.
كما شملت المباحثات القضية الفلسطينية، والوضع في السودان، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى، بما يؤكد اتساع نطاق التنسيق بين القاهرة والرياض في القضايا العربية والإقليمية.
شراكة تتجاوز العلاقات الثنائية
وترى النائبة المصرية نشوى عقل أن الزيارة تعكس قوة العلاقات المصرية السعودية وخصوصيتها التاريخية، وتعبّر عن "شراكة حقيقية" تتجاوز حدود العلاقات الرسمية بين دولتين.
وتعتبر أن العلاقة بين القاهرة والرياض تمثل نموذجًا للعمل العربي المشترك، وأن تعزيز التنسيق بينهما يساعد على التعامل مع التحولات الإقليمية وحماية المصالح العربية ودعم الاستقرار والأمن.
وتشير إلى أن الزيارة تتيح تنسيق المواقف بشأن القضية الفلسطينية، ودعم الاستقرار في الدول العربية، إلى جانب أمن الملاحة وحماية موارد الشعوب، معتبرة أن العلاقة بين البلدين تمثل أحد أعمدة الأمن القومي العربي.
أمن الخليج والبحر الأحمر منظومة واحدة
ويذهب الدكتور تركي القبلان، مدير مركز ديمومة للدراسات في السعودية، إلى أن أهمية الزيارة لا تكمن في بعدها البروتوكولي، وإنما في توقيتها والملفات التي جاءت لتناقشها.
ويقول القبلان إن اضطراب الملاحة يفرض ما يمكن وصفه بمفهوم "الخنق المزدوج"، إذ لم يعد بالإمكان الفصل بين أمن الملاحة وأمن الخليج، باعتبارهما جزءًا من منظومة استراتيجية مترابطة.
ويرى أن مناقشة أمن الملاحة بالتوازي مع دعم الجهود اليمنية الرامية إلى استعادة سلطة الدولة على كامل الأراضي اليمنية تعكس مستوى متقدمًا من التقارب السياسي، ووعيًا بطبيعة الترابط بين أمن اليمن وأمن البحر الأحمر والمنطقة.
ويشير إلى أن ملفات السودان والصومال وفلسطين وسوريا تمثل ساحات مترابطة تختبر قدرة الدول العربية المركزية على حماية المنطقة من التفكك والتدخلات الخارجية.
ويؤكد أن مصر والسعودية تمثلان ركيزتين أساسيتين في هذه المعادلة، بحكم العلاقة التاريخية بينهما وموقع كل منهما وإمكاناته. فالسعودية تمتلك وزنًا سياسيًا واقتصاديًا ودينيًا، بينما تتمتع مصر بموقع جغرافي استراتيجي وثقل سكاني وعمق عسكري.
ويصف القبلان هذا الاتجاه بأنه "استقلال إيجابي"، يقوم على بناء موقف عربي يستند إلى المصالح الإقليمية، مع الحفاظ على علاقات مرنة مع القوى الدولية.
اليمن وباب المندب في قلب المعادلة
وتشير مجمل هذه المواقف إلى أن التطورات في اليمن باتت جزءًا أساسيًا من حسابات الأمن الإقليمي، خصوصًا مع ارتباطها المباشر بأمن باب المندب والبحر الأحمر، وبالأمن السعودي والمصري وحركة التجارة الدولية.
فالتهديد الذي تمثله الهجمات التي تستهدف الملاحة في البحر الأحمر لا يتوقف عند حدود الصراع اليمني، بل يمتد إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما يجعل استعادة الدولة اليمنية سيادتها على أراضيها وسواحلها قضية تتصل بالأمن العربي والإقليمي، إلى جانب كونها شأنًا يمنيًا في المقام الأول.
وقد أكد البيان الصادر عقب مباحثات السيسي ومحمد بن سلمان حرص البلدين على ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، مع تأكيد مصري على دعم الإجراءات السعودية لحماية أمن المملكة واستقرارها.
ومن هذه الزاوية، تضع زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة أمن اليمن وباب المندب والبحر الأحمر ضمن مساحة أوسع من التنسيق السعودي المصري، في وقت تتداخل فيه تهديدات الأمن الخليجي مع أمن الممرات البحرية والتجارة الدولية.
وبحسب ما طرحه محللون تحدثوا لـ«الصحوة نت»، فإن التحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل التوافق السياسي بين القاهرة والرياض إلى آليات عملية للتنسيق، بما يعزز أمن البحر الأحمر، ويدعم استعادة الدولة اليمنية لدورها في حماية سواحلها وممراتها البحرية، ويحد من قدرة الجماعات المسلحة على تهديد الملاحة الدولية.
وهنا تبرز أهمية الزيارة باعتبارها محطة في مسار أوسع للعلاقات السعودية المصرية، لا تتصل فقط بتعزيز التعاون الثنائي، وإنما أيضًا بتنسيق المواقف تجاه بيئة إقليمية تتشابك فيها ملفات اليمن والبحر الأحمر والخليج.