تشاتام هاوس: مكاسب الحوثيين على الساحل تضع الخليج والقرن الأفريقي أمام معادلة جديدة
أهلي
منذ يومين
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة/ خاص:

تجاوزت تداعيات سيطرة الحوثيين على المخا والساحل المحيط بباب المندب حدود الحرب اليمنية، لتضع الجماعة في موقع يمنحها قدرة أكبر على التأثير في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. حسبما يرى معهد تشاتام هاوس البريطاني.

وفي تحليل نشره المعهد في 14 سبتمبر/أيلول 2026، للباحث في المعهد فارع المسلمي قال إن الهجوم الحوثي لا يهدد فقط بإعادة إشعال الحرب اليمنية بعد سنوات من الانخفاض النسبي في مستوى العنف منذ هدنة 2022، بل يفرض أيضاً إعادة النظر في الطريقة التي تعاملت بها القوى الإقليمية والدولية مع اليمن باعتباره ساحة منفصلة عن الصراعات الأوسع في المنطقة.

ويربط المضيق خليج عدن بالبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس، ويعد أحد أهم شرايين التجارة والطاقة الدولية. ويرى المسلمي أن الموقع الجديد للحوثيين على الساحل يمنحهم قدرة أكبر بكثير على التأثير في الملاحة، في وقت يواجه فيه مضيق هرمز بدوره اضطرابات مرتبطة بالمواجهة مع إيران.

وقال إن تزامن الضغط الحوثي على باب المندب مع تعطيل إيران لحركة الملاحة في هرمز يعني أن طهران وحلفاءها أصبحوا قادرين على ممارسة الضغط على اثنين من أهم نقاط الاختناق البحري الاستراتيجية في العالم.

 

الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين

ويعتقد المسلمي أن سرعة التقدم الحوثي لا يمكن تفسيرها بالقوة العسكرية للجماعة وحدها، بل كشفت في الوقت ذاته عمق الانقسامات داخل المعسكر المناهض لها.

وبحسب التحليل، دفعت قوات الحوثيين، التي تسيطر على معظم غرب اليمن، سريعاً على امتداد ساحل البحر الأحمر، فيما انسحبت القوات الموالية للحكومة من المخا والمناطق والجزر القريبة.

وأشار الباحث إلى أن الحوثيين استفادوا من عنصر المفاجأة والاستعداد العسكري المسبق، لكن العملية أظهرت كذلك مشكلات التنسيق التي تعاني منها القوات الحكومية، والتي تتكون من تشكيلات مسلحة متعددة كانت لسنوات مدعومة من أطراف إقليمية مختلفة ولديها أجندات وطموحات سياسية متنافسة.

وأضاف أن المحاولات السعودية منذ مطلع 2026 لتوحيد هذه القوى تحت قيادة أكثر تماسكاً لم تتمكن من محو آثار سنوات طويلة من التفكك.

وفي المقابل، استغل الحوثيون فترة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة 2022 في تجنيد مقاتلين جدد وتعبئتهم، وتحسين إنتاج الأسلحة محلياً، وتوسيع قدراتهم في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما جعلهم، بحسب المسلمي، يمتلكون حالياً قدرات أكثر تطوراً من القوات الحكومية في عدد من المجالات.

 

باب المندب والقرن الأفريقي

ويرى الباحث أن السؤال الدولي الأكثر إلحاحاً في المرحلة الحالية يتعلق بما يعتزم الحوثيون فعله بموقعهم العسكري الجديد حول باب المندب.

وكانت الجماعة قد أعلنت سابقاً أنها لا تنوي فرض رسوم رسمية على السفن العابرة للمضيق، لكن المسلمي حذر من التعامل مع هذه التأكيدات باعتبارها ضمانة كافية، مشيراً إلى وجود مؤشرات على أن الحوثيين تمكنوا منذ بدء هجماتهم على سفن البحر الأحمر عام 2023 من الحصول على مدفوعات غير رسمية من بعض وكالات الشحن مقابل المرور الآمن.

وأضاف أن إعلان الجماعة حصر استهدافها في السفن المرتبطة بالسعودية لا يلغي المخاطر على الأطراف الأخرى، لأن ناقلة تحمل نفطاً سعودياً قد تكون مملوكة أو ممولة أو مؤمنة أو مستأجرة من شركات في عدة دول، وقد تنقل منتجات إلى أسواق مختلفة.

وبالتالي، فإن الهجمات على الملاحة السعودية يمكن أن تمس مصالح تجارية في أوروبا والصين ودول أخرى، ولا تقتصر آثارها على الرياض وحدها.

كما أشار المسلمي إلى أن التقدم الحوثي يغيّر الحسابات الأمنية في القرن الأفريقي، خصوصاً مع قرب جيبوتي من جزيرة ميون التي تشير التقارير إلى وقوعها تحت سيطرة الجماعة.

وتقع جيبوتي على مسافة نحو 20 كيلومتراً فقط من الجزيرة، وتستضيف قواعد عسكرية أمريكية وصينية وفرنسية وإيطالية ويابانية، بينما تمتلك تركيا والإمارات كذلك مصالح أمنية وتجارية مهمة في المنطقة.

ويعتقد المسلمي أن حسابات الحوثيين في الوقت الراهن قد تقوم على «تصعيد مضبوط»، أي تحويل المكاسب العسكرية إلى نفوذ سياسي واقتصادي من دون الوصول إلى مستوى يستدعي رداً دولياً واسعاً قد يؤدي إلى خسارة تلك المكاسب.

 

معضلة أمام واشنطن

ويرى تحليل تشاتام هاوس أن التقدم الحوثي يضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام خيارات صعبة، في ظل العلاقة الوثيقة بين واشنطن والرياض من جهة، ورغبة الولايات المتحدة في تجنب العودة إلى حرب مباشرة مع الحوثيين من جهة أخرى.

وأشار المسلمي إلى أن الولايات المتحدة والحوثيين توصلا إلى هدنة في مايو/أيار 2025 بعد حملة جوية أمريكية ضد الجماعة على خلفية هجماتها على السفن في البحر الأحمر.

وقال إن الطرفين لديهما حالياً أسباب قوية لتجنب مواجهة مباشرة؛ فالولايات المتحدة لا ترغب في الدخول في حرب مكلفة جديدة بينما لا تزال منشغلة بالتوتر في مضيق هرمز، فيما يدرك الحوثيون حجم الأضرار التي لحقت بهم خلال الضربات الأمريكية عام 2025 ولا يملكون مصلحة واضحة في استدعاء حملة مشابهة.

لكن هذا التوازن قد لا يستمر، وفق المسلمي، خصوصاً إذا صعّد الحوثيون عملياتهم داخل الأراضي السعودية أو حاولوا تنفيذ توغلات برية محدودة عبر الحدود، وهو ما قد يدفع واشنطن بصورة أكبر نحو المواجهة.

اليمنيون يدفعون الثمن الأكبر

وحذر الباحث من أن التداعيات الجيوسياسية المتصاعدة قد تحجب مرة أخرى الجانب الإنساني للحرب، مؤكداً أن اليمنيين سيظلون الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر لأي جولة جديدة من القتال.

وأشار إلى أن البلاد تدخل المرحلة الحالية بمؤسسات منقسمة واقتصاد دمرته أكثر من عشر سنوات من الحرب، بالتزامن مع تراجع الدعم الإنساني الدولي.

وبحسب التحليل، نزح قرابة 50 ألف شخص في تعز منذ 3 سبتمبر/أيلول، بينما تواجه المخا أوضاعاً إنسانية خطيرة مع انهيار بعض المرافق الصحية أو تعذر الوصول إليها، وسط تقارير محلية عن أكثر من 240 امرأة حامل قد يجدن أنفسهن من دون رعاية طبية ملائمة أثناء الولادة.

كما أن أي تعطيل إضافي للموانئ والطرق وسلاسل الإمداد سيؤدي، بحسب المسلمي، إلى ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والوقود في بلد يعتمد بشدة على الواردات.

 

«تجاهل أزمة اليمن لا يحتوِيها»

وخلص المسلمي إلى أن التطورات الأخيرة تكشف فشل التعامل مع الملفات اليمنية والإقليمية باعتبارها قضايا منفصلة.

وقال إن الحكومات تعاملت لفترة طويلة مع المفاوضات السعودية-الحوثية، وأمن الملاحة، والمساعدات الإنسانية، والمفاوضات مع إيران، والحكومة اليمنية، وأمن البحر الأحمر باعتبارها ملفات مستقلة، لكن استمرار هذا النهج أصبح أكثر صعوبة.

وأكد أن الحوثيين باتوا قادرين على التأثير في الملاحة العالمية وأسواق الطاقة وأمن الخليج والقرن الأفريقي وحسابات القوى الكبرى، ما يتطلب مقاربة دولية وإقليمية أكثر تماسكاً تجاه اليمن.

واعتبر أن التطورات الأخيرة ينبغي أن تكون إنذاراً لدول مجلس التعاون الخليجي، التي لم تتمكن حتى الآن من صياغة سياسة موحدة تجاه اليمن بسبب اختلاف علاقاتها ومصالحها مع القوى اليمنية المختلفة.

وقال المسلمي إن الحوثيين لا يعملون داخل ملفات منفصلة؛ فهم في الوقت نفسه سلطة حاكمة، وحركة مسلحة من غير الدول، وحليف إقليمي لإيران، وطرف متزايد التأثير في الأمن البحري.

وختم تحليله بالتأكيد على أن التحدي الرئيسي بات يتمثل في قدرة القوى الإقليمية والدولية على ربط التسوية السياسية في اليمن بقضايا أمن الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، مضيفاً أن «تجاهل أزمة في اليمن لا يعني احتواءها، وإنما يؤجل فقط تحولها إلى أزمة دولية».

 

The post تشاتام هاوس: مكاسب الحوثيين على الساحل تضع الخليج والقرن الأفريقي أمام معادلة جديدة appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية