تشهد الملاحة البحرية، اضطرابات غير مسبوقة، تضع تحديات جمة أمام سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة، عصب الاقتصاد العالمي، وبينما تشكل تلك التوترات الأمنية في الممرات البحرية للتجارة الدولية، تحديات هيكلية أمام الاقتصاد العالمي، لا سيما الاقتصاد الأزرق الذي برز حديثا كركيزة استراتيجية لضمان الاستدامة البيئية والأمن الغذائي وتدفقات الطاقة، فإن مستقبل هذا القطاع الحيوي بات رهين التحديات المختلفة التي تعصف بسلاسل التوريد والملاحة الدولية.
وتهدد تعثر التجارة البحرية عبر المضائق والممرات المائية الإستراتيجية كمضيق هرمز ومضيق باب المندب، آفاق نموه وتضع سلاسل التوريد العالمية أمام تحديات بنيوية غير مسبوقة.
يعود هذه المفهوم إلى الواجهة مجددا مع تصاعد مستوى الصراع في مضيق هرمز ومنع عبور السفن والناقلات النفطية، وانتقال هذه التجربة إلى باب المندب، خصوصا بعد سيطرة جماعة الحوثي الموالية لإيران على المضيق خلال اليومين الماضيين، وإعلان الجماعة حظر عبور السفن السعودية.
والحقيقة أن مفهوم الاقتصاد الأزرق لا يقتصر على سلاسل التوريد التقليدية، وإمدادات الطاقة، وإنما يسعى لإيجاد حلول لمعضلة التلوث البحري، وتسهيل آلية الإمدادات وتغطية فجوة الأمن الغذائي بين الدول، والتحول نحو الطاقة النظيفة.
وكان هذا القطاع قد شهد نموا غير مسبوق خلال السنوات الماضية، حيث يقدر تقرير صادر عن الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) القيمة الاقتصادية السنوية للأنشطة المرتبطة بالمحيطات بنحو 2.5 تريليون دولار، ما يجعل الاقتصاد البحري ينطوي على ثقل يعادل سابع أكبر اقتصاد في العالم، حيث بات يشكل إطارا شاملا للإدارة المستدامة للمحيطات والبحار والموارد الساحلية.
وتنبع أهمية هذا المفهوم، من كونه يمس جوانب حياتية واقتصادية جوهرية، فهو يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي من خلال توفير الأسماك والأحياء المائية لملايين البشر، إلى جانب فتحه آفاقاً واسعة للابتكار في مجالات العلاج والدواء المستخرج من الكائنات البحرية، كما يشكل البحر الركيزة المستقبلية للتحول نحو الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات الكربونية الضارة، عبر استغلال حركة الرياح والأمواج في توليد الكهرباء، علاوة على كون البحار هي الشريان الأول للتجارة العالمية التي تنقل غالبية البضائع والسلع بين قارات العالم.
غير أن هذه الفرص الواعدة تصطدم بعائق رئيسي يتمثل في هشاشة خطوط الملاحة البحرية، كون اعتماد التجارة الدولية على مضائق وممرات مائية ضيقة ومحدودة يجعل المنظومة الاقتصادية بأكملها عرضة للاهتزاز فور نشوب أي توترات أمنية أو سياسية.
تؤدي الاضطرابات والتوترات في المضائق البحرية إلى تراجع الاستثمارات وارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين على المشروعات البحرية، وهو ما يضعف جدواها الاقتصادية ويدفع رؤوس الأموال إلى التراجع، كما تتسبب الاضطرابات في إجبار السفن للالتفاف حول مسارات أطول، مما يزيد من استهلاك الوقود ويؤخر وصول السلع والمواد الخام، فينتهي المطاف برفع أسعار المنتجات على المستهلكين ونشوء موجات غلاء عالمية.
يضاف إلى ذلك المخاطر التي تهدد الأغذية البحرية جراء تأخر الشحنات وتلفها، فضلاً عن الأضرار البيئية البالغة التي تلحق بالحياة البحرية والشعاب المرجانية نتيجة حوادث التسرب النفطي أو التعثر الناجم عن الحروب والصراعات.
وتكمن مخاطر اضطرابات الملاحة في تركيز الجهود الدولية نحو تأمين حرية الملاحة، وحمايتها من الهجمات، وتعطيل أو تقليص الجهود المركزة على تعزيز نمو الاقتصاد الأزرق، حيث يصبح أحد أكثر القطاعات الاقتصادية تأثراً ومخاطرة بالأزمات الجيوسياسية.
ولمواجهة هذه المخاطر وتحقيق الاستفادة المرجوة من ثروات البحار، يتطلب الأمر تبني حلول عملية قائمة على التنويع والتطوير، عبر الربط بين النقل البحري والبري وتطوير الموانئ الجافة لتخفيف الضغط عن الممرات المائية، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة لتنظيم حركة الملاحة وتفادي الازدحام، كما تبرز الحاجة إلى إيجاد حلول تمويلية مبتكرة تساعد المشاريع البحرية على تحمل أعباء ارتفاع تكاليف التأمين، مع تعزيز التعاون الدولي لحماية أمن البحار وصون بيئتها. إن تأمين الملاحة الدولية لم يعد مجرد مطلب أمني، بل هو ضرورة اقتصادية وبيئية ملحة لا غنى عنها لضمان استقرار الأسواق واستدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
The post اضطرابات الملاحة البحرية ومستقبل الاقتصاد الأزرق appeared first on يمن مونيتور.