موقف الإصلاح من الإرهاب.. رؤية الدولة وسجل الاستهداف
حزبي
منذ 13 ساعة
مشاركة

يربط التجمع اليمني للإصلاح موقفه من الإرهاب برؤية أوسع لبناء الدولة وحماية الحياة السياسية. فمنذ تأسيسه في سبتمبر 1990، أكدت أدبياته رفض العنف والاستخدام غير المشروع للقوة، ودعت إلى مواجهة التطرف من خلال الدولة والقانون والعمل السياسي السلمي.

 

وتقوم رؤية الحزب على أن المواجهة الأمنية والعسكرية، رغم ضرورتها، تحتاج إلى معالجة البيئة التي ينمو فيها التطرف، من خلال التعليم والتثقيف والتنمية، وتوسيع المشاركة السياسية، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة. ويضع الإصلاح دعم جهود السلطات اليمنية في مكافحة الإرهاب ضمن أولوياته، إلى جانب استعادة الدولة وتوحيد الصف الوطني الجمهوري.

 

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في بلد دفع ثمنًا كبيرًا نتيجة انتشار السلاح، وتراجع مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة والقرار. فقد أتاحت هذه البيئة للجماعات المسلحة توسيع نشاطها، واستخدام العنف للتأثير في السياسة وتهديد المجتمع وإعاقة استعادة الدولة.

 

الدولة تقود المواجهة

 

ينظر الإصلاح إلى مكافحة الإرهاب بوصفها مسؤولية وطنية تقودها الدولة، بمشاركة القوى السياسية والاجتماعية، وبدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين.

 

وتؤكد أدبيات الحزب أن الدولة، بأجهزتها الأمنية والعسكرية والقضائية، هي الجهة المخولة بملاحقة المتورطين في الجرائم الإرهابية وتقديمهم إلى العدالة. كما تشدد على ضرورة توحيد هذه المؤسسات وحصر القرار الأمني والعسكري فيها؛ لأن تعدد التشكيلات ومراكز النفوذ يضعف القدرة على ملاحقة الجماعات المتطرفة، ويمنحها مساحة أوسع للحركة والتجنيد.

 

ويرى الإصلاح أن التعاون الإقليمي والدولي في مكافحة الإرهاب ينبغي أن يدعم قدرة الدولة اليمنية ويحترم سيادتها وقرارها، خصوصًا أن أثر الإرهاب في اليمن يمتد إلى أمن المنطقة والممرات البحرية والمصالح الدولية.

 

الاعتدال في مواجهة التطرف

 

قدّم الإصلاح نفسه، طوال مسيرته، باعتباره حزبًا سياسيًا مدنيًا يتبنى الاعتدال والوسطية والعمل السلمي. وتقوم رؤيته الفكرية على فتح المجال أمام الشباب للمشاركة السياسية والاجتماعية، وتقديم خطاب ديني ووطني يحول دون استغلال حماستهم أو إحباطهم من جانب الجماعات المتطرفة.

 

وتشير تجربة اليمن إلى أن الجماعات المسلحة تنشط في البيئات التي تضعف فيها الدولة، وتنحسر فيها فرص التعليم والعمل والمشاركة العامة. ومن هنا يربط الإصلاح بين تجفيف منابع الإرهاب وبين معالجة أسبابه الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وتوفير مسارات قانونية وسلمية للتعبير والتغيير.

 

ويجعل هذا الحضور السياسي والاجتماعي الحزب في مواجهة فكرية مع الجماعات التي تعتمد على استقطاب الشباب وتجنيدهم. فالإصلاح يطرح المشاركة والحوار والعمل المدني أدواتٍ للتغيير، في مقابل الخطاب الذي يقدم العنف والإقصاء طريقًا لفرض الأفكار والمواقف.

 

وفي رؤيته المقدمة إلى مؤتمر الحوار الوطني وبرامجه السياسية، وضع الحزب بناء الدولة الحديثة، وسيادة القانون، والتعددية، وإصلاح المؤسسات، والحكم الرشيد ضمن أسس معالجة الأزمات التي وفرت بيئة مناسبة لنمو التطرف والعنف.

 

رفض توظيف تهمة الإرهاب

 

عارض الإصلاح استخدام ملف الإرهاب في تصفية الحسابات السياسية أو إقصاء الخصوم، وحذّر من تحويله إلى وسيلة للابتزاز وتبرير انتهاك الحقوق والحريات.

 

وشهدت الحياة السياسية اليمنية توظيفًا متكررًا لتهمة الإرهاب ضد قوى وشخصيات سياسية، في الوقت الذي استفادت فيه الجماعات المتطرفة من ضعف الأجهزة الرسمية والاختلالات الأمنية. ولذلك يطالب الحزب بتحديد المسؤولية عن الجرائم وفق القانون والتحقيقات والأدلة، وبإسناد مهمة المواجهة إلى مؤسسات الدولة والقضاء.

 

ويشمل مفهوم الإرهاب السياسي، وفق هذا التصور، الاغتيالات وتفجير مقرات الأحزاب واستهداف الإعلاميين والناشطين واستخدام الخوف لإبعاد القوى السياسية عن المجال العام. وتؤدي هذه الممارسات إلى إضعاف التعددية، وتقييد العمل الحزبي، وتهيئة المجال أمام القوى المسلحة لاحتكار القرار.

 

سجل ممتد من الاستهداف

 

دفع الإصلاح خلال السنوات الماضية كلفة كبيرة من قياداته وكوادره ومقراته ومؤسساته الإعلامية والاجتماعية. وتوزعت عمليات الاستهداف بين الاغتيال والتفجير والاختطاف والإخفاء القسري والاعتداء على الممتلكات.

 

وفي ديسمبر 2025، استهدف تفجير مقر الإصلاح في مدينة تعز، وأدى إلى مقتل القياديين إبراهيم نعمان الشراعي ومحمد عبدالله سعيد المغلس وإصابة آخرين، بينهم نساء وأطفال. وتحدثت بيانات محلية عن حصيلة بلغت ثلاثة قتلى و11 مصابًا، فيما أعلنت السلطة المحلية ضبط عدد من المتورطين واستمرار التحقيقات.

 

وسبق التفجير اغتيال عدد من قيادات الإصلاح وكوادره في تعز، بينهم صادق منصور الحيدري في نوفمبر 2014، وهائل عبده غالب في فبراير 2018، وعمر دوكم ورفيق الأكحلي في أبريل من العام نفسه، وعلي عبدالله مقبل في أكتوبر 2018، وضياء الحق الأهدل في أكتوبر 2021، وعلي الحيسي في يوليو 2023.

 

كما تعرضت مقرات الحزب في عدن عام 2017، وقعطبة بمحافظة الضالع عام 2019، وحضرموت عام 2021، لعمليات استهداف شملت الإحراق والإغلاق والنهب والمصادرة والاعتداء المباشر، وفق سجلات الحزب.

 

وتشير تقارير حقوقية تغطي الفترة بين عامي 2014 و2022 إلى مقتل أكثر من 35 قياديًا إصلاحيًا، وتعرض مئات من أعضاء الحزب للاختطاف والترهيب والاعتداء على الممتلكات، خصوصًا في مناطق سيطرة جماعة الحوثي. وشهدت عدن، بعد عام 2015، سلسلة من الاغتيالات التي طالت قيادات وشخصيات إصلاحية، بالتزامن مع استهداف مقرات الحزب وتقييد نشاطه السياسي.

 

استهداف السياسي والتربوي

 

امتدت العمليات الإرهابية إلى شخصيات تعمل في المجالين السياسي والتربوي. ففي أبريل 2026، اغتيل القيادي الإصلاحي والتربوي الدكتور عبدالرحمن الشاعر في عدن أثناء توجهه إلى عمله. وكان الشاعر يرأس مجلس إدارة مدارس النورس، وأثارت الجريمة إدانات سياسية ومجتمعية واسعة.

 

وقبل ذلك بأسابيع، تعرض القيادي الإصلاحي عادل الروحاني لمحاولة اغتيال في مأرب، أسفرت عن مقتل ثلاثة من مرافقيه وإصابته، ووجّهت وزارة الداخلية بتشكيل لجنة للتحقيق وملاحقة المتورطين.

 

وتوضح هذه الوقائع أن عمليات الاستهداف طالت شخصيات سياسية وتربوية واجتماعية، وأن أثرها تجاوز الضحايا المباشرين إلى تهديد العمل العام وإشاعة الخوف وإضعاف حضور الأحزاب في المجتمع.

 

وفي يناير 2026، استهدف تفجير في منطقة جعولة بمحافظة لحج موكب قائد اللواء الثاني عمالقة، العميد حمدي شكري، وأدى إلى مقتل خمسة من مرافقيه وإصابة آخرين. وأكد الإصلاح، في موقفه من الحادثة، أن مواجهة الإرهاب تتطلب توحيد القرار الأمني والعسكري، وملاحقة شبكات التخطيط والتمويل والتنفيذ.

 

استهداف الإعلام والصوت السياسي

 

كان الإعلام أحد ميادين الاستهداف. ووفق تقارير حقوقية، تعرض إعلاميون محسوبون على الإصلاح لـ767 انتهاكًا، من بينها 19 حالة قتل، و23 إصابة، و22 حالة إخفاء قسري، و120 حالة اختطاف، و54 حالة تعذيب، و37 حالة فصل وظيفي، إضافة إلى تهجير نحو 200 إعلامي.

 

كما تعرضت 22 مؤسسة إعلامية للاقتحام والنهب، وحُجب 17 موقعًا إخباريًا. وتعكس هذه الأرقام جانبًا من محاولة التضييق على قدرة الحزب وإعلامييه على التعبير وتوثيق الانتهاكات والمشاركة في النقاش العام.

 

ويؤدي استهداف الإعلام السياسي إلى حرمان المجتمع من المعلومات وتقييد حق القوى السياسية في إيصال مواقفها. كما يربط بين العنف المادي ضد الأشخاص والمقرات، والعنف الذي يستهدف الكلمة والحضور السياسي.

 

مواقف تتجاوز حدود اليمن

 

امتد رفض الإصلاح للإرهاب إلى العمليات التي وقعت خارج اليمن. وقد أدان الحزب، في ديسمبر 2014، العنف المستخدم لتحقيق أهداف سياسية، وأكد رفضه العمليات التي تستهدف موظفي الدولة والعسكريين والمدنيين، أيًا كانت هوية مرتكبيها.

 

وفي الداخل، أدان اغتيال محافظ عدن اللواء جعفر محمد سعد والقاضي محسن علوان عام 2015، والهجمات التي استهدفت أفراد الجيش في معسكر الصولبان وخور مكسر عام 2016، والهجوم الذي استهدف منطقة جولد مور في مديرية التواهي. وربطت بيانات الحزب بين تكرار هذه العمليات وضعف الأجهزة الأمنية وتعدد مراكز القرار.

 

وخارج اليمن، أدان الإصلاح هجمات باريس وتفجير برج البراجنة في بيروت عام 2015، وتفجيرات إسطنبول والهجمات التي استهدفت مواقع في المملكة العربية السعودية عام 2016. وفي عام 2026، أدان التفجيرين اللذين استهدفا العاصمة السورية دمشق، وحادثة إطلاق النار على فعالية في واشنطن.

 

وتعكس هذه المواقف رفض الحزب استهداف المدنيين ودور العبادة والمرافق العامة، ودعوته إلى تعاون إقليمي ودولي يواجه شبكات الإرهاب وتمويلها وخطابها، ويعالج الظروف التي تساعدها على الانتشار.

 

كما يؤكد الإصلاح ضرورة التمييز بين الإرهاب الذي يستهدف المدنيين ويستخدم العنف لتحقيق أهداف سياسية، وبين الحق المشروع للشعوب في مقاومة الاحتلال، مع رفض استخدام تهمة الإرهاب لإلغاء الحقوق أو معاقبة الخصوم.

 

لماذا يستهدف الإرهاب الإصلاح؟

 

ينظر الإصلاح إلى استهدافه باعتباره محاولة لإضعاف حضوره السياسي والاجتماعي، ودفعه إلى ردود أفعال تتعارض مع طبيعته الحزبية ومساره السلمي.

 

فالحزب يمتلك امتدادًا تنظيميًا وشعبيًا، ويشارك في حشد الطاقات السياسية والاجتماعية لمواجهة الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة. كما يقدم للشباب مساحة للعمل السياسي والمدني، وهو ما يتعارض مع مشاريع الجماعات التي تعتمد على التجنيد والاستقطاب والعنف.

 

وتستفيد القوى المتطرفة من إبعاد الأحزاب عن المجال العام وإشغالها بالصراعات الجانبية؛ لأن تراجع الحياة السياسية يتيح للسلاح أن يحل محل الحوار، ويحوّل الخلاف إلى صراع مفتوح.

 

ورغم ما تعرض له الإصلاح، واصل الحزب تأكيد التزامه بالعمل السياسي، ولم يجعل عمليات الاغتيال والتفجير مبررًا للانتقال إلى العنف أو تشكيل قوة بديلة عن مؤسسات الدولة. ويختصر هذا الموقف رؤيته لطريقة الرد على الإرهاب: تحقيق العدالة، ومحاسبة الجناة، واستعادة قدرة الدولة على حماية مواطنيها.

 

استعادة الدولة أساس المواجهة

 

تخلص رؤية الإصلاح إلى أن نجاح مكافحة الإرهاب يرتبط باستعادة الدولة وتوحيد مؤسساتها الأمنية والعسكرية والقضائية. فالجماعات المتطرفة تتحرك في مساحات الفراغ، وتستفيد من تضارب القرارات، وضعف إنفاذ القانون، وانتشار السلاح، وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات.

 

وفي أعقاب الهجوم الذي استهدف العميد حمدي شكري في لحج، أكد الناطق باسم الإصلاح عدنان العديني أن مواجهة الإرهاب تتطلب دولة قوية وقرارًا أمنيًا وعسكريًا موحدًا. ويتسق هذا الموقف مع دعوات الحزب المتكررة إلى حصر السلاح والقرار الأمني والعسكري في مؤسسات الدولة.

 

وتقتضي هذه المواجهة ملاحقة منفذي العمليات والجهات التي تمولهم وتوفر لهم الغطاء، إلى جانب حماية الحقوق والحريات، وفتح المجال للعمل السياسي السلمي، ومعالجة الاختلالات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية التي تستغلها جماعات التطرف.

 

وخلال أكثر من عقد، دفع الإصلاح ثمنًا كبيرًا بسبب موقفه المؤيد للدولة والشرعية ورفضه الانقلاب والعنف. وقد شمل الاستهداف قيادات سياسية، وشخصيات تربوية واجتماعية، وإعلاميين وناشطين ومقرات حزبية في محافظات يمنية مختلفة.

 

وتكشف حصيلة هذه السنوات أن الإرهاب يستهدف الحياة السياسية والمجتمع والدولة معًا. ولذلك فإن حماية الأحزاب والإعلاميين والناشطين، والتحقيق في عمليات الاغتيال والتفجير، وإنهاء الإفلات من العقاب، تمثل جزءًا من مسؤولية الدولة في حماية المجال العام.

 

وبقدر ما تستعيد الدولة اليمنية مؤسساتها وقرارها، ويتوحد عمل أجهزتها، ويخضع الجميع للقانون، تتراجع قدرة الجماعات المتطرفة على تحويل العنف والخوف إلى أدوات سياسية. وفي هذه النقطة تلتقي رؤية الإصلاح لمكافحة الإرهاب مع معركة اليمنيين لاستعادة الدولة، وحماية التعددية، وإعادة السياسة إلى مسارها السلمي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية