تحل الذكرى السادسة والثلاثون لتأسيس التجمع اليمني للإصلاح في وقت تغيرت فيه البيئة السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها الحزب عام 1990. فقد تعطلت العملية السياسية، وتوقفت الانتخابات، وتراجعت مؤسسات الدولة، وفرض انقلاب الحوثيين والحرب المستمرة منذ أكثر من عقد تحديات مختلفة على الأحزاب اليمنية وأدوارها.
وتضع هذه التحولات الإصلاح أمام أسئلة تتصل بقدرته على مراجعة أدائه، وتجديد بنيته التنظيمية وخطابه السياسي، وتحديد أولوياته في معركة استعادة الدولة ومرحلة ما بعد الحرب.
مراجعة البناء التنظيمي
تناول عدد من الباحثين تجربة الإصلاح والعوامل التي ساعدته على الاستمرار في مراحل سياسية متباينة. ويشير الباحث السياسي فوزي الغويدي، في دراسة تناولت الحزب، إلى اهتمام الإصلاح بالمراجعة الدورية لنظامه الأساسي ولوائحه بهدف مواكبة المتغيرات الاجتماعية والسياسية.
وتكشف مراجعة اللوائح والنظام الأساسي عن وجود أدوات تنظيمية تتيح للحزب تطوير بنيته، غير أن التجديد يظل مرتبطًا بمدى تطبيق هذه التعديلات وانعكاسها على آليات اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات وتمثيل الفئات المختلفة داخل مؤسسات الحزب.
وتزداد أهمية هذا الجانب عند النظر إلى التحولات التي مرت بها مسيرة الإصلاح؛ فقد انتقل من العمل المعارض إلى المشاركة في السلطة، ثم انخرط في تحالفات سياسية واسعة، قبل أن يواجه واقعًا فرضه انقلاب الحوثيين على الدولة ودخول البلاد في حرب مفتوحة.
ويضع الدكتور إبراهيم عبد الولي البحري استمرار الإصلاح ضمن مجموعة من العوامل، منها قاعدته الاجتماعية، وتنوع كوادره السياسية والأكاديمية والدعوية والمهنية، وقدرته على التكيف مع التحولات وبناء علاقات مع قوى تختلف معه فكريًا وسياسيًا.
كما يشير البحري إلى موقف الحزب الرافض للانقلاب الحوثي ودعمه للشرعية، وإلى ما واجهه من تحديات في إدارة علاقاته مع أطراف محلية وإقليمية ودولية تحمل رؤى ومصالح متباينة. وتقدم هذه القراءة تفسيرًا لاستمرار حضور الإصلاح، لكنها تفتح أيضًا سؤالًا حول قدرته على تحويل ما راكمه من حضور وكوادر وعلاقات إلى أداء سياسي يستجيب للمرحلة الراهنة.
دروس العملية السياسية
امتدت مراجعة تجربة الإصلاح إلى عدد من الخيارات التي تبنتها القوى السياسية خلال المرحلة الانتقالية. فقد تحدث الناطق باسم الحزب، عدنان العديني، في مناسبات سابقة عن أخطاء رافقت دخول العملية السياسية من دون ضمانات كافية لحمايتها، وفي مقدمتها غياب مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، واستمرار امتلاك جماعات مسلحة القدرة على فرض خياراتها بالقوة.
ويكشف هذا التقييم عن درس رئيسي أفرزته أحداث عام 2014: تحتاج العملية السياسية إلى دولة قادرة على إنفاذ القانون وحماية المؤسسات ومنع السلاح من التحكم في القرار. كما أن أي تسوية سياسية ستظل معرضة للانهيار إذا قامت في ظل تعدد الجيوش ومراكز القوة.
وانعكس هذا الدرس في مواقف إصلاحية دعت إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتفعيل أجهزة الدولة، ومكافحة الفساد، وتعزيز دور السلطات المحلية. وترتبط هذه الأولويات بحالة الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين وما نتج عنها من ضعف الحكومة وتراجع قدرتها على إدارة المناطق المحررة وتقديم الخدمات.
الشراكة بعد الحرب
تظهر مراجعة الأولويات أيضًا في حديث قيادات الإصلاح عن مرحلة ما بعد الحوثيين. فقد دعا رئيس الهيئة العليا للحزب، محمد اليدومي، إلى ميثاق شرف سياسي وشراكة وطنية خلال المرحلة الانتقالية، وإدارة البلاد بالتوافق وصولًا إلى انتخابات عامة، إلى جانب المصالحة الوطنية وجبر الضرر ومعالجة آثار الصراعات السابقة.
ويشير هذا الطرح إلى إدراك حجم التعقيدات التي ستواجه اليمن بعد استعادة الدولة. فوقف الحرب أو استعادة المدن لن يحلا تلقائيًا قضايا السلاح والمؤسسات والاقتصاد والقضية الجنوبية وآثار الانتهاكات. وتحتاج المرحلة المقبلة إلى قواعد واضحة للشراكة، وضمانات تمنع احتكار السلطة، وبرنامج انتقالي يعيد بناء المؤسسات ويمهد لعودة الحياة السياسية والانتخابات.
ويتحمل الإصلاح، بحكم حضوره السياسي والتنظيمي، جزءًا من مسؤولية بناء هذا التوافق. ويتطلب ذلك ترجمة الدعوة إلى الشراكة إلى مواقف وممارسات واضحة في العلاقة مع الأحزاب والقوى الوطنية، وإدارة الخلاف داخل معسكر الشرعية، وتقديم مؤسسات الدولة على المصالح الحزبية.
الشباب والنساء داخل الحزب
يمثل توسيع مشاركة الشباب والنساء اختبارًا آخر لجدية التجديد التنظيمي. وقد تحدث رئيس الكتلة البرلمانية للإصلاح، عبدالرزاق الهجري، خلال فعالية أُقيمت في لندن، عن توجه الحزب إلى فتح المجال أمام الشباب والنساء وتمكينهم في المواقع التنظيمية، مشيرًا إلى بدء خطوات في المستوى المركزي والمكاتب المحلية.
وتحتاج هذه التوجهات إلى مسار مؤسسي يمكن قياسه من خلال حجم المشاركة في الهيئات القيادية، وطبيعة المسؤوليات المسندة إلى الشباب والنساء، ودورهم في صياغة السياسات واتخاذ القرار. فالتجديد التنظيمي يتحقق بتداول المسؤوليات وتوسيع قاعدة المشاركة وتطوير أدوات العمل، إلى جانب تعديل اللوائح والخطاب.
ويواجه الإصلاح في عامه السادس والثلاثين تحديًا يتصل بقدرته على الانتقال بهذه المراجعات من مستوى التصريحات والوثائق إلى الممارسة. وقد تغير المجتمع اليمني، وتبدلت أولويات المواطنين، وأصبحت قضايا الدولة والأمن والاقتصاد والخدمات والحقوق في مقدمة الاهتمامات العامة.
ومن هنا، يُقاس التجديد بقدرة الحزب على تطوير برنامجه وأدواته، وإتاحة المجال أمام أجيال جديدة، والمساهمة في توحيد مؤسسات الدولة، وبناء شراكة وطنية تستوعب التنوع السياسي والاجتماعي. وهذه هي المسؤولية التي تضعها الذكرى الحالية أمام الإصلاح وهو يستعد لمرحلة مختلفة من تاريخ اليمن.
أخبار ذات صلة.