تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” محمد الجعماني – إسحاق الحميري: خلال الثلاث السنوات الماضية صنف جنوب البحر الأحمر وباب المندب، بأنه من أخطر الممرات الملاحية في العالم على السفن والتجارة الدولية، وذلك عقب بدء شن جماعة الحوثي المصنفة إرهابية هجمات بحرية استهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر منذ 2023.
هذا التصنيف صدر قبيل التطورات الأخيرة التي شهدها الساحل الغربي لليمن، حيث كانت الجماعة تسيطر على ثلاثة موانئ في الحديدة، قبل أن تتمكن مؤخراً من إضافة مينائين جديدين لها والاقتراب من باب المندب والسيطرة على الجزر المشرفة على الملاحة.
هذا التصنيف لباب المندب صدر بينما كانت جماعة الحوثي تبعد عن باب المندب أكثر من 100 كيلو متر، فكيف سيصبح الوضع بعد أن أصبح الممر الأخطر في العالم، بيد السبب الرئيسي في جعله يندرج ضمن هذا التصنيف، وماذا يمثل هذا بالنسبة لإيران التي تحاصر العالم اليوم في مضيق هرمز.
خطورة شديدة
يقول المحلل العسكري اللواء محسن خصروف، مدير دائرة التوجيه المعنوي السابق، إن السيطرة المباشرة لجماعة الحوثي، التي وصفها بأنها “الذراع العسكري المقاتل لإيران في اليمن”، على مناطق ساحلية وموقع قريب من باب المندب تمثل “خطورة شديدة على الأمن البحري العالمي والاقتصاد الإقليمي والدولي”.
وقال في تصريح لـ”يمن ديلي نيوز” إن اليمن، رغم امتلاكها لمضيق باب المندب إلى جانب جيبوتي، إلا أن اليمن “آخر الدول المستفيدة” من أهميته الاقتصادية والاستراتيجية، في حين تتوزع المصالح الكبرى للممر البحري بين قوى إقليمية ودولية.
وتحدث “خصروف” عن موقف دولي وصفه بـ”المتفرج” تجاه مايجري في باب المندب من قبل الدول صاحبة المصالح والمتضررة من التطورات في باب المندب، قائلاً إنها لم تقدم الدعم الكافي للحكومة اليمنية ولم تتحرك بصورة فاعلة لمواجهة الحوثيين.
لكنه توقع أن تعمل “الحكومة اليمنية، الدولة الشرعية، بكل قدراتها على استعادة السيطرة على هذا المضيق”، معتبراً ذلك جزءاً من حماية السيادة الوطنية اليمنية، وإسهاماً في حماية مصالح الدول الصديقة والشقيقة إقليمياً ودولياً.
ولم يستبعد خصروف أن يتحول مضيق باب المندب إلى ورقة بيد إيران، وقال إن جماعة الحوثي “لا تتورع عن الإعلان صراحة للعالم بأنها تمثل يد إيران في المنطقة”. مستدلاً بإعلانها منع السفن السعودية من المرور عبر المضيق.
وشدد خصروف على أن ماجرى في باب المندب يستدعي تحركاً دولياً خاصة من قبل الدول ذات المصالح المباشرة لهذا المضيق من تأثير مباشر ليس على اليمن وإنما دول المنطقة والعالم.
مستقبل الملاحة
وعن مستقبل الملاحة في البحر الأحمر عقب اقتراب الجماعة من باب المندب يقول الخبير العسكري والمتخصص في أمن البحر الأحمر الدكتور علي الذهب، إن ذلك يرتبط بطبيعة توجهات جماعة الحوثي تجاه حركة الشحن البحري.
وقال في تصريح لـ”يمن ديلي نيوز” إن الجماعة تتجه، وفقاً لإعلاناتها الأخيرة، نحو استهداف السفن النفطية أو السفن التجارية المرتبطة بالمملكة العربية السعودية.
واعتبر أن توجه الحوثيين لاستهداف السفن السعودية يعرض مصالح الدول المرتبطة بالموانئ السعودية لمخاطر متزايدة، لافتاً إلى أن الحوثيين أعلنوا حظر الملاحة على السفن السعودية.
وأضاف: السفن السعودية ستظل عرضة لمختلف أشكال التهديد طالما استمر الصراع المسلح بين الحوثيين والحكومة اليمنية، مشيراً إلى أن الجماعة قد توظف وجودها في باب المندب وعلى السواحل الشمالية للمضيق كورقة ضغط لمصلحة إيران، من خلال استهداف أو تقييد حركة السفن الأمريكية والبريطانية.
وبيّن أن ذلك قد يتم، في أضيق الأحوال، عبر إشغال السفن الحربية بالنيران أو استخدام زوارق هجومية، مرجحاً أن يرتبط هذا السيناريو بدرجة المواجهة المباشرة بين الحوثيين وإيران وما قد تشهده منطقة الخليج.
الشباب الصومالية
وفي سياق متصل، حذر الذهب من أن استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء من الساحل اليمني وخليج عدن قد يتيح فرصاً أكبر للتواصل المباشر مع جماعة الشباب الصومالية، بما قد يؤدي إلى تعزيز عمليات التهريب المتبادل للمعلومات والأسلحة والتقنيات والمواد الأولية المستخدمة في التصنيع العسكري.
وقال إن وجود الطرفين في منطقة خليج عدن قد يلغي الحاجة إلى وجود وسيط في عمليات التهريب، ويتيح لهما التواصل المباشر، بما يزيد من فرص التعاون وتبادل المعلومات والسلاح والتدريب وبناء القدرات.
وأشار إلى أن سيطرة الحوثيين على الساحل الممتد باتجاه باب المندب توفر لهم، من الناحية العملية، فرصاً لإنشاء نقاط تحكم قد تعيق حركة الزوارق البحرية التابعة للحكومة اليمنية، إلى جانب إمكانية توظيف منظومات الرادار والاستطلاع وإنشاء مرافق أو مراكز لإطلاق الزوارق البحرية والتقليدية.
لكنه لفت إلى أن هذا التوظيف لم يحدث حتى الآن، وقد لا يحدث، في ظل احتمال تنفيذ هجوم معاكس لاستعادة تلك المناطق وتوسيع العمليات باتجاه الشمال، وصولاً إلى الحديدة.
صندوق القتل
وحول عملية “صندوق القتل” التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية في المخا، والذي يستهدف الخط الرابط بين تعز والمخا، قال الذهب إنه يمثل مؤشراً على تقييد قدرة الحوثيين على استحداث أو توظيف مواقع عسكرية في المنطقة الساحلية.
وأوضح أن هذه المنطقة تضم أجزاء من الساحل، وقد تشير التطورات فيها إلى احتمال تنفيذ عملية تعرضية بحرية تتضمن إنزالاً، بالتزامن مع عملية برية تمتد من باب المندب وذوباب باتجاه المخا.
وحذر الذهب من أن السيطرة على مناطق الساحل حتى باب المندب تمنح الحوثيين فرصاً واسعة لتوظيف الموقع جغرافياً في عمليات التهريب والتحرك البحري، فضلاً عن إمكانية استخدامه كورقة ضغط في الصراع الإقليمي.
تطمينات الحوثيين
وحول التطمينات التي أعلنها الحوثيون قال الخبير الذهب إن هذه التطمينات لا تنسجم – بحسب تقديره – مع سجل الجماعة خلال السنوات الماضية.
وذكر الذهب بـ”استخدام الحوثيين للبحر الأحمر في مواجهة السفن والزوارق اليمنية، إلى جانب مهاجمة سفن واختطاف أخرى وإحراق بعضها ونهب محتوياتها.
وأضاف: هذه الممارسات ارتبطت، بمحاولات فرض شروط في مسار السلام وممارسة ضغوط على المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، معتبراً أن الوقائع خلال السنوات الماضية تكشف طبيعة التهديدات المرتبطة بسيطرة الحوثيين على مناطق ساحلية استراتيجية.
ولفت إلى أن سيطرة الحوثيين سابقاً على المخا وذوباب ومناطق قريبة من باب المندب أظهرت حجم الفرص التي يمكن أن توفرها السيطرة الساحلية للجماعة في حال تمكنت من إعادة توظيف تلك المناطق عسكرياً وبحرياً.
عشرات الهجمات
وخلال الثلاث السنوات الماضية نفذت جماعة الحوثي عشرات الهجمات البحرية على سفن وبوارج من مواقع بعيدة عن باب المندب، قبل أن يتزامن ذلك مع تمدد نفوذها باتجاه المناطق الساحلية الأقرب إلى المضيق.
وفي هذا السياق يرى المسؤول في الحكومة اليمنية “فيصل المجيدي” أن اقتراب الحوثيين من باب المندب لا يهدد اليمن فقط، بل يشكل “تهديداً مباشراً للملاحة والتجارة الدولية وإمدادات الطاقة”.
وأضاف المجيدي وهو وكيل وزارة العدل اليمنية لـ”يمن ديلي نيوز”: جماعة الحوثي حولت البحر الأحمر وباب المندب إلى “ورقة ابتزاز” مرتبطة بالصراعات الإقليمية، معتبراً ذلك جزءاً من سياق أوسع مرتبط بإيران وسياساتها في المنطقة.
وأشار المجيدي إلى أن الهجمات الحوثية المتكررة على السفن التجارية تتعارض، وفق تقديره، مع قواعد القانون الدولي التي تكفل حرية الملاحة والمرور في المضائق الدولية.
وشدد المسؤول الحكومي اليمني على أن مواجهة خطر الحوثيين لا يمكن أن يقتصر على مواجهة خطر الحوثيين على حماية السفن أو اعتراض الصواريخ، بل تتطلب وقف تهريب الأسلحة وتجفيف شبكات التمويل ومحاسبة الجهات الداعمة، إلى جانب دعم الحكومة اليمنية لاستعادة سيادتها على سواحلها وموانئها.
وقال إن “أمن البحر الأحمر يبدأ من إنهاء سيطرة الجماعات المسلحة على الشريط الساحلي اليمني”، وبسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها وإنهاء الانقلاب.
أهمية مضيق باب المندب
ويكتسب مضيق باب المندب حساسيته من موقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يجعله أحد الممرات الحيوية لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وتزداد حساسيته الأمنية منذ أواخر 2023، بعدما بدأت جماعة الحوثي هجمات متكررة على السفن التجارية في البحر الأحمر، ما دفع عدداً من شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها وتجنب المرور عبر المنطقة.
وتتعامل الجهات البحرية الدولية والأميركية مع جنوب البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن باعتبارها منطقة تهديد مرتفع لبعض السفن، في ظل مخاطر تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والهجمات بالقوارب المتفجرة وعمليات الاحتجاز والاستيلاء على السفن.
ووفق الإدارة الأميركية لمعلومات الطاقة، مر عبر باب المندب في النصف الأول من 2025 نحو 4.2 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، ما يوضح حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة بأمن هذا الممر.
ولم تتوقف تداعيات التهديدات عند السفن المستهدفة، إذ انعكست على حركة التجارة العالمية نفسها، مع اضطرار سفن إلى تجنب البحر الأحمر والدوران حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف مسافات وأياماً إلى الرحلات ويرفع تكاليف النقل والتأمين.
وتؤكد المنظمة البحرية الدولية أن الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر تمثل تهديداً لسلامة البحارة وأمن الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية.
لكن التطور الجديد الذي يناقشه هذا التقرير يتمثل في انتقال الحوثيين من تهديد الملاحة من مواقع ساحلية بعيدة نسبياً عن المضيق إلى الاقتراب جغرافياً من باب المندب والجزر والمواقع المشرفة عليه.
وهذا يفتح سؤالاً مختلفاً عن المرحلة السابقة: ماذا يعني أن تصبح الجماعة التي ارتبطت الهجمات البحرية باسمها أقرب إلى الممر الذي تمر عبره المصالح التجارية والطاقة الدولية؟ وهو السؤال الذي يجيب عنه خبراء ومتخصصون في هذا التقرير.
ظهرت المقالة قراءة خاصة مع خبراء.. مستقبل صراع البحر الأحمر بعد اقتراب الحوثيين من باب المندب أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.