نعيش هذه الأيام الذكرى لتأسيس الاصلاح في الـ13 من شهر سبتمبر المجيد عام 1990م، وبعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف من عمر الإصلاح وحضوره في المجتمع اليمني ومساره السياسي ودوره في الدفاع عن الجمهورية والوحدة، فإن للإصلاح أنصاراً ومؤيدين ومحبين كُثر، كما أن له خصوماً ومعارضين، وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية، بل هو من صميم التعدد والتنافس الحزبي، وتتباين الآراء حول حجمه ومكانته وتأثيره في المشهد اليمني، خصوصاً بعد سنوات طويلة من الحرب التي شنتها مليشيات الحوثي على اليمنيين عامة وعلى الإصلاح بشكل خاص، وما رافق ذلك من حملات استهداف وملاحقة لأعضائه وأنصاره، وكذلك ما تعرض له الإصلاحيون في المحافظات التي خضعت لسيطرة المجلس الانتقالي المنحل.
قبل أيام كنت حاضراً في مساحة نقاشية على منصة إكس (تويتر سابقاً) كان عنوانها يتناول حزب الإصلاح، كنت مستمعاً للمتحدثين وكان أغلبهم من المعارضين له، استمعت إلى آراء وتحليلات متباينة حول الحزب، لكنها التقت في شيء واحد: الحديث عن خطورة الإصلاح وضرورة التخلص منه.
قال فريق من المتحدثين إن الحوثي في المناطق التي يسيطر عليها نكل بالإصلاحيين، فقتل قياداتهم، وسجن آخرين، وعذب الكثير من أنصارهم، وأغلق مقرات الحزب، ونهب منازل أعضائه، وصادر مؤسساتهم وجمعياتهم، وفصل كثيرا منهم من وظائفهم، ومارس الترهيب بحق أسرهم ونسائهم وأطفالهم، حتى إن من بقي منهم في مناطق سيطرته لا يستطيع أن يحرك ساكناً.
وقال آخرون إن ما تعرض له الإصلاحيون في المحافظات الجنوبية كان أشد وأفظع بل وصل الأمر بحسب حديثهم إلى حظر نشاط الإصلاح وتجريم ممارسته السياسية. ثم جاء صوت ثالث ليقول إن الإصلاحيين ليسوا رجال دولة ولا يصلحون لإدارتها وإنهم مجرد "مطاوعة" وأساتذة يصلحون للعمل الإنساني والخيري لا أكثر!
لكن بعض المتحدثين قالوا رغم ما حصل للإصلاحيين من تنكيل إلا أنهم ما زالوا يسيطرون على مؤسسات الشرعية وموجودين في كل المحافظات والجبهات، وهم يشكلون العقبة الأبرز أمام الحوثيين والانفصاليين، وأن بقاء الإصلاحيين في مأرب وتعز والضالع وغيرهم من المحافظات هو الذي حال دون تمكن الحوثيين من السيطرة على اليمن بأكمله وإنهاء ما يسمونه "الشرعية المتهالكة" ثم ختم حديثه بالقول إن يوم الإصلاحيين قادم وإنهم سيقضون على ما تبقى منهم.
كان الحديث يجري بعجرفة وغرور تتخلله الضحكات، بينما كان مئات المستمعين ينصتون لهذا الخطاب الذي لم يعد مجرد اختلاف سياسي، بل تحول إلى تبرير للقتل والسجن والمصادرة والإقصاء، وكأن استهداف اليمنيين بسبب انتمائهم السياسي أصبح مادة للضحك والتندر!
تألمت كثيراً وأنا أستمع إلى هذا المستوى من الخطاب لا دفاعاً عن الإصلاح بقدر ما هو حزن على المستوى الذي انحدر إليه الخطاب السياسي والأخلاقي في بلد أنهكته الحرب، فاختلافنا السياسي لا ينبغي أن يحولنا إلى أعداء يتلذذ بعضنا بجرائم بعض، ولا يجوز أن تصبح معاناة اليمنيين مادة للتفاخر.
كنت أفضل البقاء مستمعاً كعادتي في المساحات والاستماع إلى مختلف الآراء حتى وإن كانت مستفزة أو غير منطقية، لكن أحد المضيفين تنبه إلى وجودي فقال للمتحدثين ما رأيكم أن نصعد الدكتور محمد قيزان ليدافع عن حزبه الإصلاح ونسمع منه إن كان لا يزال لديه ما يقوله؟
تعالت الضحكات وقال بعضهم صعدوه على الأقل نجد واحداً يقول إنه إصلاحي ونسمع منه،
أرسلوا لي الدعوة أكثر من مرة لكنني رفضت في البداية، ليس عجزاً عن الرد أو تفنيد ما قيل وإنما لأنني لم أرَ جدوى من نقاش أشخاص حسموا موقفهم مسبقا، وأصبح الحوار بالنسبة لهم محاكمة سياسية لا نقاش موضوعي، ثم تواصل معي مشرفو المساحة على الخاص ورجوني أن أصعد وأقول ما أريد دون مقاطعة، فقلت لهم بوضوح ليست المشكلة في الصعود وإنما أخشى أن تحاولوا إسكاتي أو مقاطعتي فلا أستطيع أن أعبر عن رأيي بحرية، فأكدوا لي أنهم لن يفعلوا ذلك وقالوا إن حدثت مقاطعة أو إسكات فلك الحرية في مغادرة المساحة.
عندها قبلت الدعوة وصعدت وشكرت المتحدثين والمستمعين وقلت لهم استمعت إلى كل ما قيل وأنا ومثلي كثير من الإصلاحيين لا ننزعج من النقد ولا من اختلاف الآراء حتى وإن رأينا أن كثيرا منها غير صحيح، لكن قبل أن نناقشكم في التفاصيل دعونا نتفق على نقطة واحدة وننطلق منها.
إما أن نتفق على أن الحوثي والمجلس الانتقالي قد أنهيا الإصلاح وقضيا على وجوده وتأثيره ولم يعد له حضور سياسي أو ميداني حقيقي، وعندها لا معنى أصلاً لكل هذا الحديث عن خطورة الإصلاح وضرورة القضاء عليه لأنكم تقولون إنه انتهى ولم يعد له أثر!
وإما أن نأخذ برأيكم الآخر القائل إن الإصلاح ما زال مسيطرا على الشرعية ومؤسساتها وموجودا في الجبهات وعلى الأرض، وإذا كان هذا هو رأيكم فأنتم بذلك تقدمون للإصلاح شهادة مختلفة تماما، لأنكم تقولون إنه ليس مجرد مجموعة "مطاوعة وأساتذة" حسب زعمكم بل حزب شديد الذكاء والقدرة، استطاع أن يحافظ على وجوده رغم حرب الحوثي عليه ورغم استهدافه في مناطق أخرى، وتمكن من البقاء حاضرا في مؤسسات الدولة على المستوى الشعبي والعسكري والسياسي والدبلوماسي، واستطاع إقناع دول التحالف والمجتمع الدولي بموقفه وجعلهم يقفون معه في مواجهة المليشيات والانقلابات.
فأي الروايتين نصدق؟
هل الإصلاح انتهى وقُضي عليه؟
أم أنه بحسب روايتكم حزب سياسي شديد التأثير والدهاء استطاع أن يصمد بينما تمزقت قوى وأحزاب ومكونات أخرى؟
وهنا تكمن المفارقة التي أعتقد أن خصوم الإصلاح أنفسهم يقدمونها دون أن يشعروا.
أما الحقيقة فهي أبسط من كل هذه المبالغات، فالإصلاح حزب سياسي له إيجابياته وسلبياته، وله أخطاؤه وصواباته، ويخضع كسائر الأحزاب للمساءلة والنقد والتقييم، وهو موجود اليوم إلى جانب قوى ومكونات وأحزاب أخرى في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ومجلسي النواب والشورى، وله حضور في المحافظات وفي السلك الدبلوماسي، لكن هذا الحضور لا يعني أنه يسيطر على الدولة أو ينفرد بقرارها، كما أن نسبة تمثيله في مؤسسات الدولة لا تبرر تحميله وحده مسؤولية ما تحقق من نجاح أو فشل.
الإصلاح مثل غيره من القوى السياسية يتحمل مسؤولية بقدر حضوره وتمثيله ومشاركته، ولا ينبغي إعفاؤه من النقد والمساءلة، كما لا ينبغي تحميله ما لا يملك أو ما لا يمثل.
واليمن في المقابل ليس ملكاً لحزب ولا لمكون ولا لجماعة، اليمن لليمنيين جميعاً، فلا الحوثي يستطيع أن يحكم اليمن بالقوة إلى الأبد، ولا الانتقالي استطاع اختزال الجنوب في مشروعه، ولا الإصلاح ولا غيره من الأحزاب يستطيع الاستفراد بحكم البلاد.
فالحوثي رغم سنوات البطش والحرب والتنكيل لم يبن دولة، ولم يحقق أمن أو استقرار، ولم يقدم نموذج يحتذى به، بل فشل فشلاً ذريعاً في حكم المحافظات التي يسيطر عليها بقوة الحديد والنار، وأيضاً المشاريع الأخرى التي قامت على الإقصاء والاستحواذ وتقسيم اليمن أثبتت هي الأخرى أنها لا تستطيع بناء دولة مستقرة.
المخرج ليس في قتل حزب ولا اجتثاث مكون ولا تخوين المختلف معه ولا تحويل الخصومة السياسية إلى كراهية اجتماعية، المخرج هو وجود دولة يتساوى فيها اليمنيون ويحتكمون فيها إلى الدستور والقانون، وتكون صناديق الانتخابات هي الحكم بينهم، لا البنادق ولا السجون ولا المصادرات ولا حملات التحريض والكراهية.
قد تختلفون مع الإصلاح وقد تنتقدون مواقفه وأداءه، وقد تختلفون معه في كثير من القضايا وهذا حق مشروع، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى دعوة للقضاء على حزب أو مكون يمني هو الطريق الأقصر لتدمير ما تبقى من النسيج الاجتماعي وإطالة أمد الحرب، وإضاعة حلم اليمنيين في بناء دولة حقيقية تتسع للجميع.
في ذكرى تأسيس الإصلاح ومع التطورات المتسارعة على الساحة الوطنية وسيطرة المليشيات على مديريات الساحل الغربي ومضيق باب المندب، فإن أهم ما يمكن قوله ليس إن الإصلاح معصوم من الخطأ، ولا أنه فوق النقد، وإنما إن اليمن أكبر من الإصلاح، وأكبر من الحوثي، وأكبر من الانتقالي، وأكبر من كل الأحزاب والمكونات، ولا مخرج لليمنيين الا بالتوحد وجمع كلمتهم لاستعادة دولتهم، فالدستور والقانون هما المرجعية، والانتخابات هي الوسيلة.
أما الإقصاء والاستئصال والكراهية فلن تنتج دولة، وإنما ستعيد إنتاج المأساة نفسها بأسماء وشعارات مختلفة.
كل عام والإصلاحيون واليمنيون أكثر وعياً بأن خلافاتهم السياسية يجب أن تدار بالحوار والانتخابات لا بالقتل والإقصاء.
أخبار ذات صلة.