غرب تعز تحت النار.. نازحون يفرون من القصف إلى المجهول
أهلي
منذ 5 أيام
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من محمد عبدالقادر اليوسفي

كانت فاطمة تحمل أطفالها وتفكر في طريق واحد فقط: كيف تبتعد بهم عن القصف. تركت خلفها منزلها ومواشيها وما استطاعت جمعه خلال سنوات الحرب، ولم يكن في ذهنها وقتها سوى النجاة.

تقول فاطمة سعيد (41 عاماً)، نازحة من مقبنة، لـ”يمن مونيتور”: “الغنم والبقر حقنا ماتت تحت القصف الحوثي على بيوتنا، ما عاد فكرنا بشي وقتها غير كيف ننقذ أولادنا ونهربهم من الموت والقصف”.

لم تكن تعرف إلى أين ستذهب الأسرة، ولا كم ستطول الرحلة، ولا ما الذي ستجده في المكان الذي ستصل إليه.

المأساة لم تواجهها فاطمة وحدها؛ فالأسر خرجت من مقبنة والكدحة ومناطق أخرى مع اتساع المواجهات والقصف، فيما وجد بعضها نفسه ينتقل مرة أخرى بعد أن كان قد نزح أصلاً خلال سنوات الحرب.

وبين 3 و6 سبتمبر وحدها، سجلت تقارير الوحدة التنفيذية نزوح 3319 أسرة تضم 17,702 فرداً في موجة النزوح الأخيرة، فيما واصلت حركة الفرار ارتفاعها خلال الأيام التالية. وحتى 8 سبتمبر، قالت الوحدة التنفيذية إن إجمالي الأسر التي رصدتها في تعز والحديدة ولحج بلغ 6145 أسرة، ما يكشف سرعة اتساع الأزمة خلال أيام قليلة.

الهروب الأول

بدأت موجة النزوح الأخيرة مع تصاعد العمليات العسكرية في المديريات الغربية من تعز، خصوصاً مقبنة والكدحة وجبل حبشي، بالتزامن مع التوترات والاشتباكات على امتداد الساحل الغربي.

وفي 3 سبتمبر، أفادت تقارير محلية بنزوح سكان قرى ومخيمات في مقبنة ومنطقة الكدحة تحت تأثير القصف المدفعي، في مشهد أعاد إلى الواجهة مأساة الأسر التي ظلت طوال سنوات الحرب تعيش قرب خطوط النار.

بعض هؤلاء السكان لم يكونوا غرباء عن النزوح؛ فقد سبق لهم أن غادروا قراهم في مراحل سابقة، ثم عادوا أو استقروا في مناطق أخرى، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام الخطر من جديد.

وتظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة حجم التحول الذي طرأ على حركة السكان في غرب تعز خلال الأسابيع الأخيرة. ففي الفترة من 30 أغسطس إلى 5 سبتمبر، سجلت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة نزوح 2250 أسرة، تضم نحو 13,500 فرد، على مستوى اليمن، وكانت تعز صاحبة النصيب الأكبر من حركة الوصول، بواقع 1936 أسرة.

وتركزت الحركة داخل المحافظة في مقبنة وموزع وجبل حبشي، فيما كان معظم النزوح داخلياً. وهذه الأرقام لا تمثل كل حركة النزوح في المنطقة، إذ تعتمد المصفوفة على نطاق تغطية محدد وآلية رصد مختلفة عن تقارير الوحدة التنفيذية الحكومية.

وفي الأسبوع السابق مباشرة، بين 23 و29 أغسطس، كانت المنظمة الدولية للهجرة قد رصدت 215 أسرة نازحة في تعز، منها 158 أسرة تحركت إلى أو داخل موزع، و32 أسرة في مقبنة، و25 أسرة في المخا.

وكانت معظم حالات النزوح داخل المحافظة، فيما جاءت مقبنة وموزع والمخا ضمن أكثر المناطق ارتباطاً بالحركة السكانية الجديدة. ثم ارتفعت الأرقام بصورة حادة في الأسبوع التالي، في مؤشر على أن التصعيد تحول إلى عامل يدفع مزيداً من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

بالنسبة للأسر التي تغادر تحت القصف، لا تبدو الأرقام الرسمية كافية لوصف ما يحدث داخل كل منزل. فالرحيل، في كثير من الحالات، يتم خلال ساعات وأحياناً على عجل، فيما تترك الأسرة وراءها المواشي والأثاث وأدوات العمل والمحاصيل وما تبقى من ممتلكات.

محمد نعمان (اسم مستعار، فضل عدم الكشف عن اسمه لحماية أسرته)، يقول لـ”يمن مونيتور” إن بعض الأهالي خرجوا تحت قذائف الهاون ورصاص الرشاشات، دون أن يتمكنوا حتى من أخذ أواني الطبخ أو ملابس كافية. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الأولوية للخروج حيّاً، ثم يبدأ بعد ذلك حساب الخسائر.

نزوح يتكرر

أقسى ما في موجة النزوح الحالية أن بعض الأسر لا تبدأ تجربة النزوح من الصفر. ففي غرب تعز، توجد عائلات نزحت خلال سنوات الحرب من مقبنة إلى الكدحة، ثم اضطرت مع تجدد القتال إلى التحرك مرة أخرى باتجاه مناطق أخرى، وفق شهادات نازحين لـ”يمن مونيتور”.

هذه الرحلات المتكررة تعني أن الأسرة تفقد في كل مرة جزءاً من قدرتها على البدء من جديد، وتستهلك ما تبقى لديها من مال ومدخرات وعلاقات ومصادر دخل.

ويظهر توزيع الأسر التي استقبلتها مناطق تعز حجم الضغط الواقع على المجتمعات المحلية. فوفق بيانات فرع الوحدة التنفيذية في تعز، استقبلت المعافر 1189 أسرة، وجبل حبشي 695 أسرة، والوازعية 375 أسرة، والمخا 286 أسرة، والشمايتين 265 أسرة، والمظفر 252 أسرة، ضمن موجة النزوح التي كانت قد بلغت 3319 أسرة حتى 6 سبتمبر.

هذه الأرقام تعني أن آثار القتال لا تتوقف عند المناطق التي تشهد المواجهات؛ فكل موجة نزوح تنقل معها احتياجات جديدة إلى المديريات التي تستقبل الأسر الفارة.

وفي 7 سبتمبر، رصدت الوحدة التنفيذية 669 أسرة جديدة في تعز والحديدة ولحج، بينها 185 أسرة في تعز، ليرتفع إجمالي الأسر التي رصدتها الوحدة في المحافظات الثلاث إلى 4778 أسرة.

وفي اليوم التالي، سجلت 1367 أسرة جديدة، ليرتفع الرقم إلى 6145 أسرة حتى 8 سبتمبر.

ورغم أن هذه الأرقام تشمل المحافظات الثلاث ولا تخص تعز وحدها، فإنها تكشف سرعة تغير المشهد الإنساني خلال فترة قصيرة، وتؤكد أن حركة النزوح كانت لا تزال مستمرة مع استمرار العمليات العسكرية.

وفي المخا والوازعية وموزع، لا يمكن النظر إلى النزوح بمعزل عن طبيعة المنطقة الجغرافية والعسكرية. فهذه المديريات تقع ضمن نطاق الساحل الغربي وممراته الداخلية، وقد شهدت خلال الأسابيع الأخيرة حركة سكانية مرتبطة بتطورات الجبهات.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن موزع والمخا كانتا ضمن مناطق الحركة البارزة حتى قبل موجة سبتمبر الكبرى، ثم جاءت المواجهات اللاحقة لتوسع نطاق الخطر. وبالنسبة للأسر التي اعتادت الانتقال بين القرى والمخيمات بحثاً عن الأمان، فإن أي تغير في خطوط القتال قد يعني رحلة جديدة لا تملك كلفة القيام بها.

مأوى بلا أمان

المشكلة التي تواجه النازحين بعد الوصول ليست أقل قسوة من لحظة الفرار. فكثير من الأسر تصل وهي لا تملك ما يكفي لاستئجار منزل أو شراء الغذاء أو تأمين المياه، بينما تتكدس أعداد كبيرة في مواقع لا تتوافر فيها الخدمات الأساسية.

يقول محمود سفيان، وهو أب لأربعة أطفال ونازح من الساحل الغربي إلى رأس العارة في لحج، في اتصال هاتفي لـ”يمن مونيتور”: “الأسر هنا تفترش العراء بين البرد والريح والشمس، النازحين هنا يبحثون عن الظل والحماية من تقلبات الطقس، وأصوات المواجهات قريبة مننا لا نعلم إلى أين نذهب”.

مضيفاً: “بالنسبة للأطفال بدل ما يكون هذا المكان سكن مؤقت ثم نعود إلى بيوتنا، يتحول لمساحة جديدة من الخوف والانتظار مع سماع الضرب والاشتباكات قريبة منا”.

وتزداد صعوبة الوضع حين يكون النازحون أنفسهم من الفئات التي سبق أن عاشت سنوات في مخيمات النزوح. فبعض الأسر التي خرجت من مقبنة والكدحة لم تكن تملك منزلاً مستقراً قبل موجة التصعيد الأخيرة، ما يجعل النزوح الجديد انتقالاً من مأوى هش إلى مأوى أكثر هشاشة.

وهذا النوع من النزوح المتكرر يضع الأسر أمام خسائر متراكمة، كفقدان مصدر الدخل، وتوقف الأطفال عن التعليم، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، وانقطاع العمل، وتزايد الاعتماد على المساعدات، في وقت تتسع فيه الاحتياجات الإنسانية.

وتحذر الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين من اتساع الأزمة الإنسانية مع استمرار حركة النزوح، فيما تظهر بياناتها أن أعداد الأسر الفارة ارتفعت بصورة متسارعة خلال أيام قليلة. وفي المقابل، تُظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن تعز كانت واحدة من أكثر المحافظات التي شهدت حركة نزوح في نهاية أغسطس وبداية سبتمبر.

وراء كل رقم أسرة لها احتياجات مختلفة؛ هناك أم تبحث عن مكان تنام فيه مع أطفالها، وأب ترك عمله ومزرعته، ومسن لم يعد قادراً على تحمل رحلة نزوح طويلة، وطفل انقطع عن مدرسته للمرة الثانية أو الثالثة.

وفي شهادة حصل عليها مراسل “يمن مونيتور”، اضطرت إحدى النساء، وتدعى نبيلة محسن، إلى قطع رحلة استمرت ساعات هرباً من القصف في الكدحة، قبل أن تفقد وعيها على الطريق، في مشهد يلخص الثمن الذي يدفعه المدنيون عندما تتحول الطرق نفسها إلى مسارات للنجاة.

الغد المعلق

الخوف الأكبر لدى النازحين اليوم يتعلق بما إذا كان بإمكانهم العودة أصلاً. فالأسرة التي تغادر منزلها تحت القصف قد تحمل معها مفتاح الباب، لكنها لا تعرف إن كان الباب سيظل قائماً عند عودتها.

وفي المناطق الزراعية، تعني المغادرة أيضاً ترك الأرض والحيوانات ومصادر المياه والعمل الموسمي.

ومع استمرار المواجهات، يصبح قرار العودة مرتبطاً بالوضع الأمني أكثر من ارتباطه برغبة السكان في الرجوع. لذلك، فإن وقف القتال لا ينهي أزمة النزوح فوراً، بل يفتح فقط الباب أمام مرحلة طويلة من تقييم الأضرار وإعادة بناء سبل الحياة.

وتزداد المخاوف مع استمرار التصعيد على امتداد المناطق الغربية من تعز والساحل الغربي. فقد ربطت تقارير حديثة بين المواجهات في الكدحة ومقبنة وجبل حبشي وبين موجات النزوح، فيما شهدت المخا ومناطق الساحل تحركات سكانية متصلة بتطورات القتال.

وفي 10 سبتمبر، أفادت تقارير دولية بتصاعد كبير في المعارك على الساحل الغربي، مع تداعيات مباشرة على المدنيين وحركة السكان. ومع استمرار التوتر، تبقى احتمالات نزوح إضافي قائمة، خصوصاً للأسر القريبة من خطوط المواجهة أو الواقعة على طرق الحركة العسكرية.

لكن أزمة النازحين في غرب تعز لا يمكن اختزالها في توفير مكان للنوم لبضعة أيام. فالاحتياج الحقيقي يمتد إلى الغذاء والمياه والصحة والتعليم والحماية والمأوى ووسائل كسب الدخل.

كما أن الأسر التي نزحت أكثر من مرة تحتاج إلى استجابة مختلفة عن الأسرة التي تغادر منزلها للمرة الأولى؛ فكل نزوح جديد يستهلك ما تبقى من موارد الأسرة ويزيد هشاشتها.

وإذا استمرت الحركة الحالية، فإن الضغط لن يقع على النازحين وحدهم، إذ ستواجه المديريات المستقبلة نفسها عبئاً إضافياً على الخدمات المحدودة أصلاً.

وفي نهاية الطريق، لا يبحث النازحون في غرب تعز عن حياة أفضل بقدر ما يبحثون عن ليلة واحدة بلا قصف. هذا هو الحد الأدنى الذي دفع آلاف الأسر إلى ترك منازلها خلال أيام قليلة.

وبين مقبنة والكدحة وجبل حبشي والوازعية وموزع والمخا، تتكرر الحكاية بصور مختلفة: سيارة محملة بالأطفال، حقيبة صغيرة، بعض الملابس، وأشياء قليلة تم إنقاذها على عجل.

أما البيت والأرض والمواشي وذكريات سنوات طويلة، فتظل خلفهم معلقة على احتمال أن تنتهي الحرب قبل أن تضطرهم إلى الرحيل مرة أخرى.

The post غرب تعز تحت النار.. نازحون يفرون من القصف إلى المجهول appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية