تعز التي فرّقتها الحرب.. كيف تحاول الدراما إنتاج مساحات مشتركة؟
مجتمع إنساني
منذ 14 ساعة
مشاركة

في محافظة تعز، حيث لا تفصل الحرب بين المتقاتلين فقط، بل تمتدّ لتُعيد تشكيل العلاقات بين الناس، يبرز سؤال يتجاوز فكرة نهاية الصراع: كيف يمكن لمجتمع منقسم جغرافيًا بين سلطات أمر واقع مختلفة أن يُعيد إنتاج مساحات مشتركة للحياة؟ تُشير أدبيات بناء السلام إلى أنّ الحروب الطويلة تُعيد تشكيل نظرة الأفراد بعضهم إلى بعض؛ ليصبح التعايش نفسه تحديًا يوميًا. وفي هذا السياق، تبرز الفنون واحدةً من الأدوات القليلة القادرة على إعادة فتح قنوات التواصل بين المكونات الاجتماعية المختلفة. كما تؤكد تقارير دولية، من بينها تقارير اليونسكو و British Council، أنّ الثقافة، رغم أنها من أكثر القطاعات تضرّرًا أثناء النزاعات، تمثّل في الوقت نفسه وسيلة فعّالة لتعزيز التماسك الاجتماعي بخلق مساحات للحوار والتفاعل. ينطلق هذا المقال من سؤال مركزي: إلى أي مدى يمكن للدراما، بوصفها أحد أشكال الإنتاج الثقافي، أن تُسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي داخل محافظة تعز؟.

تمثّل تعز نموذجاً واضحاً لتأثيرات الحرب على البنية الاجتماعية، وقد انعكس ذلك على العلاقات اليومية والخدمات العامة، والبنية المؤسسية، ما أدّى إلى تعميق حالة التباعد بين مكوّنات المجتمع. في المقابل تبرز الدراما بوصفها أحد أهمّ أشكال الإنتاج الثقافي القادرة على خلق مساحات مشتركة للتفاعل. ولا يقتصر دورها على المحتوى الذي تقدّمه، بل يمتد إلى كونها بيئة عمل جماعية تجمع أفرادًا من خلفيات اجتماعية وجغرافية مختلفة، ما يُتيح شكلًا من التفاعل اليومي القائم على التعاون المهني.

وتُعدّ تجربة مسلسل “دروب المرجلة” مثالًا على هذا التداخل بين الإنتاج الفنّي والتنوّع الاجتماعي، حيث شارك فيه فنانون من محافظات متعدّدة، مثل: صنعاء، تعز، حضرموت، إب، مأرب، البيضاء، عدن، أبين، رَيمة، شبوة، حجة، المحويت، ذمار، والمهرة. يقول مخرج العمل وليد العلفي “إنّ تصوير العمل تم في بيئات متعددة داخل محافظة تعز، من المدينة إلى الريف، وصولًا إلى الساحل الغربي في المخا”، مضيفاً: “هذا التنوع كان خيارًا مقصودًا، ومدروساً منذ المراحل الأولى لكتابة النص. حرصنا منه على إبراز ثراء اليمن بتنوعه الجغرافي والثقافي، وتقديم صورة جميلة تعكس هذا التنوع كعنصر قوة وهوية”.

وتُشير بعض التجارب الدولية إلى أنّ الأعمال الدرامية يمكن أن تُسهم في تعزيز التعايش والتماسك الاجتماعي وإعادة التفكير في صور “الآخر”. ومن ثمّ، فإن ما يجعل تجربة “دروب المرجلة” ذات دلالة خاصة هو أنها شكّلت مساحة حقيقية للتنوّع الموجود داخل محافظة تعز بين فريق عمل من خلفيات مختلفة عملوا جنبًا إلى جنب، رغم اختلاف اللهجات والمناطق والتوجهات، وهو ما يمنحها بُعدًا اجتماعيًا يتجاوز الإنتاج الفني لتصبح نموذجًا مصغّرا لبيئة عمل ناجحة استمرّت على مدى عامين، وربما ستستمر لأعوام قادمة.

يؤكّد مخرج العمل أن واحدة من أهم أسباب نجاح العمل هو كمية التنوع لطاقم العمل فيه وقدرتهم على تقبل تنوّعهم رغم وجودهم في بيئة مليئة بالانقسامات المتعدّدة. وبالرغم من انتقاد البعض لمضمون المسلسل، حقّق متابعة كبيرة من الجمهور في أشهر العرض يتصدر الأعلى مشاهدة، وهو ما يُظهر قدرة الدراما أيضا على تحريك اهتمام الجمهور.

وجّه مخرج العمل رسالة إلى الشباب اليمني قال فيها: “الفنّ والدراما أكثر من مجرد ترفيه، فهما وسائل فعّالة لبناء الوعي وتعزيز التعايش. أنتم قادرون بأعمالكم على نشر قيم السلام والمساهمة في بناء مجتمع أكثر تقاربًا وتماسكا”. وفي ضوء ذلك لا يُنظر إلى تجربة “دروب المرجلة” بوصفها عملًا فنيًا فقط، بل هي مساحة إنتاج مشتركة أتاحت شكلًا من أشكال التفاعل بين أفراد من خلفيات مختلفة، وقدّمت نموذجًا عمليًا لإمكانية التعايش والتعاون في بيئة منقسمة.

وفي الختام، يمكن التأكيد أنه في مدينة مثل تعز قد لا تكون الدراما قادرة على إنهاء آثار الحرب أو معالجة الانقسامات البنيوية، لكنها قد تُسهم في فتح مساحات صغيرة لإعادة بناء الثقة بين الناس. وفي كثير من الأحيان، تكون هذه المساحات المحدودة هي الخطوة الأولى نحو استعادة ما فقده المجتمع في سنوات الصراع الطويلة، وكما قال أحدهم: “ما تفرّقه السياسة قد تجمعه الحكاية…”، ولعلّ الدراما هي أول الحكايات.

 

 

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

 

The post تعز التي فرّقتها الحرب.. كيف تحاول الدراما إنتاج مساحات مشتركة؟ appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية