يمن مونيتور/ رصد خاص
أثار البيان الأخير للمبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، موجة غضب وانتقادات واسعة في الأوساط اليمنية، بعدما دعا جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، متجاهلاً أن التصعيد الأخير بدأ بهجمات حوثية على عدد من الجبهات، وأن القوات الحكومية تحركت للرد عليها واستعادة مواقع وفرض واقع ميداني جديد.
وجاءت دعوة غروندبرغ في وقت تشهد فيه جبهات القتال تصعيداً حوثياً متصاعداً، ما دفع القوات الحكومية إلى خوض مواجهات مضادة وتحقيق تقدم ميداني كبير، الأمر الذي اعتبره مسؤولون وسياسيون وصحفيون يمنيون سبباً كافياً لرفض لغة المساواة بين الطرف المعتدي والقوات التي تدافع عن مناطق سيطرة الدولة.
وتركزت الانتقادات على أن دعوة جميع الأطراف إلى وقف القتال، من دون وضع التصعيد الحوثي في صدارة البيان والمطالبة بوقفه بشكل صريح، من شأنها تجميد الوضع القائم ومنح الجماعة مزيداً من الوقت لإعادة ترتيب صفوفها، بدلاً من الضغط عليها لتنفيذ قرارات مجلس الأمن وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.
وقال المبعوث الأممي في بيانه إن الهجمات الأخيرة التي شنتها جماعة الحوثي على عدة جبهات أدت إلى تصاعد حدة الاشتباكات، معتبراً أن التطورات “تنذر باتساع نطاق النزاع” وتشكل تطوراً بالغ الخطورة.
وأعرب غروندبرغ عن قلقه إزاء التقارير التي تحدثت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين ونزوح أسر وتضرر البنية التحتية المدنية، محذراً من أن العودة إلى قتال واسع النطاق ومتواصل ستكون لها عواقب وخيمة على المدنيين، وستزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية.
كما دعا إلى الاستفادة من القنوات القائمة، بما فيها لجنة التنسيق العسكري التابعة للأمم المتحدة، لمنع مزيد من التصعيد، مؤكداً ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، ومواصلة الانخراط مع الأطراف لاحتواء التصعيد والحفاظ على مساحة للحوار والعودة إلى المفاوضات السياسية.
الإرياني: أين كان المبعوث؟
وكان من أبرز المواقف المنتقدة للبيان موقف وزير الإعلام في الحكومة اليمنية، معمر الإرياني، الذي طرح سلسلة من التساؤلات بشأن موقف المبعوث الأممي خلال الأسابيع الماضية، في ظل التصعيد العسكري الذي شهدته عدة مناطق.
وتساءل الإرياني عن موقف المبعوث خلال الهجمات التي قال إن جماعة الحوثي نفذتها ضد المدن والأحياء السكنية والمنشآت المدنية في مأرب وتعز والمخا وحضرموت، إضافة إلى ما وصفه بحشد تعزيزات كبيرة إلى مختلف الجبهات.
كما انتقد ما اعتبره تجاهلاً للتصعيد العسكري باتجاه جبهات تعز والساحل الغربي، معتبراً أن الحديث عن «التصعيد الأخير» بمعزل عن سياقه وأسبابه يقدم، من وجهة نظره، قراءة مجتزأة للتطورات.
وقال إن القوات الحكومية لم تبدأ المواجهة، وإن تحركاتها جاءت، بحسب تعبيره، في إطار واجبها في حماية المواطنين والدفاع عن المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة ووقف الهجمات التي استهدفتها.
وطالب وزير الإعلام المبعوث الأممي بتحديد الطرف الذي بدأ التصعيد بصورة واضحة، منتقداً ما اعتبره وضع الدولة ومؤسساتها والقوات المسلحة في كفة واحدة مع جماعة الحوثي.
وأضاف أن دعوات وقف الأعمال العدائية، من وجهة نظر الحكومة، ينبغي أن تترافق مع ضغوط واضحة على الحوثيين لوقف الهجمات وسحب الحشود، إلى جانب رفع الحصار عن المدن وإطلاق المختطفين، بمن فيهم موظفون تابعون للأمم المتحدة.
مطالب بإدانة صريحة
وفي الاتجاه ذاته، طالب نائب وزير الخارجية مصطفى أحمد نعمان الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى اليمن بإدانة صريحة ومباشرة للتصعيد العسكري الأخير، وتحميل جماعة الحوثي المسؤولية عن اندلاع المواجهات وتداعياتها.
وقال نعمان إن المسؤولية الأخلاقية والقانونية للأمم المتحدة تقتضي، بحسب تعبيره، تسمية الجهة التي تقف وراء موجة القصف التي استهدفت أعياناً ومنشآت مدنية في محافظة تعز، إلى جانب القرى ومنازل المواطنين والطرق الحيوية وميناء المخا.
وأكد تمسك القوات المسلحة اليمنية، وفق ما أورده في منشور عبر حسابه الرسمي، بحقها في الرد لحماية المواطنين والدفاع عن مؤسسات الدولة ومقدراتها.
وأشار إلى أن الحكومة اليمنية واصلت مساعيها لإحلال السلام وفق المرجعيات المعتمدة، وفي مقدمتها القرار الأممي 2216 والدستور الوطني، بينما اتهم الحوثيين بمواصلة التصعيد الداخلي والقيام بممارسات قال إنها امتدت إلى تهديد سلامة الملاحة الدولية.
لا مساواة بين الدولة والمليشيات
بدورها، قالت وزيرة الشؤون القانونية إشراق المقطري إن المركز القانوني للوضع في اليمن «واضح»، ولا يجيز المساواة بين مؤسسات الدولة وجماعة مسلحة استولت بالقوة على العاصمة ومؤسسات الدولة وأسلحتها.
وأشارت إلى أن قراري مجلس الأمن 2201 و2216 أدانا استيلاء الحوثيين على مؤسسات الدولة، وطالباهم بالانسحاب من المناطق التي استولوا عليها وتسليم الأسلحة والإفراج عن المحتجزين وإنهاء الممارسات التي تقع ضمن اختصاص الحكومة الشرعية.
وأكدت أن هذه الالتزامات الدولية ما تزال قائمة ولم تُلغَ أو تُعدّل، وأن ولاية المبعوث الأممي تستند إلى قرارات مجلس الأمن، ولا تخوله تجاوزها أو إعادة توصيف الوضع الذي أنشأه الانقلاب باعتباره واقعاً مشروعاً.
وأضافت أن الدعوة إلى وقف العمليات العسكرية دون مطالبة صريحة الحوثيين بإنهاء الانقلاب والانسحاب وتسليم السلاح، قد تعني عملياً تجميد الوضع القائم، مؤكدة أن تحرك القوات الحكومية للدفاع عن المواطنين واستعادة مؤسسات الدولة «لا ينشئ واقعاً مخالفاً للقرارات الدولية، بل يستهدف إنهاء الواقع غير المشروع».
وختمت المقطري بالتأكيد أن المطلوب من الأمم المتحدة ومبعوثها هو العمل على إنفاذ قرارات مجلس الأمن، عبر وقف الاعتداءات، والانسحاب، وتسليم السلاح، واستعادة مؤسسات الدولة.
انتقاد للدور الأممي
ولم تقتصر الحملة على المسؤولين الحكوميين، إذ انتقد مستشار الرئيس ونائب رئيس هيئة التشاور والمصالحة، عبدالملك المخلافي، أداء المسؤولين الأمميين في الملف اليمني.
وقال المخلافي إن القوة المستندة إلى الحق والقانون هي القادرة، بحسب تعبيره، على تحقيق تطلعات اليمنيين وصنع السلام وحماية المدنيين من الموت والدمار، منتقداً ما اعتبره عجزاً لدى المسؤولين الأمميين عن تحقيق تقدم يُذكر في تنفيذ القرارات الدولية وصنع السلام وحماية المدنيين.
وأضاف أن التصريحات الأممية، من وجهة نظره، أخفقت في التمييز بين الأطراف الداعية للحرب وتلك التي تقول إنها تدافع عن السلام.
كما ذهب الصحفي فهد ديباجي إلى توجيه انتقاد أكثر حدة للمبعوث الأممي، معتبراً أن كثيرين باتوا ينظرون إليه باعتباره، بحسب وصفه، غطاءً سياسياً يمنح الحوثيين مزيداً من الوقت لإعادة ترتيب أوراقهم، بدلاً من ممارسة دور الوسيط القادر على دفع عملية السلام.
من جانبه، قلل الصحفي عدنان الجبرني من أهمية التركيز على مواقف المبعوث الأممي، واصفاً حالة القلق التي يعبر عنها بأنها “بروتوكولية”، وداعياً إلى توجيه الاهتمام نحو التطورات العسكرية ونتائجها.
وقال إن المعركة تتطلب قدراً كبيراً من الصلابة الذهنية والنفسية، سواء في لحظات التقدم أو التراجع، داعياً إلى التركيز على ما وصفه بالمهم، والعمل على تعزيز الانتصارات والضغط على الخصم، بدلاً من الانشغال المستمر بتصريحات المبعوث أو ردود الفعل المحيطة بها.
وجاء بيان غروندبرغ بعد أيام من تصاعد المواجهات في عدة جبهات، خصوصاً في تعز والساحل الغربي، حيث شهدت تلك المناطق هجمات وعمليات قصف متبادلة، أعقبها تقدم للقوات الحكومية في جبهات بمحافظتي الجوف والبيضاء.
وكانت الأمم المتحدة قد حذرت، السبت، على لسان المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك، من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية وصفتها بالمدمرة على اليمن، في ظل استمرار المواجهات العسكرية على عدد من الجبهات.
ودعت المنظمة آنذاك الأطراف اليمنية إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، وهو موقف أثار بدوره انتقادات من أطراف حكومية يمنية، اعتبرت أن الدعوة لم تسمّ بشكل مباشر الجهة التي تقف وراء موجة التصعيد العسكري الأخيرة.
ومع استمرار التطورات الميدانية، تحوّل بيان المبعوث الأممي إلى محور سجال سياسي وإعلامي واسع في اليمن، تجاوز مضمون الدعوة إلى التهدئة نفسها إلى نقاش أوسع حول دور الأمم المتحدة في توصيف أطراف الصراع، وحدود الحياد بين الدعوة إلى وقف القتال وتحديد المسؤولية عن اندلاع التصعيد.
وبين المطالب الحكومية والشعبية بإدانة صريحة وتحميل الحوثيين مسؤولية الهجمات الأخيرة، والدعوات الأممية إلى احتواء المواجهات وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، يتواصل الجدل حول ما إذا كانت لغة المبعوث الأخيرة تمثل تحولاً في الخطاب الأممي تجاه التطورات ومحاولة جديدة لإنقاذ الحوثي من رد عسكري حاسم لقوات الحكومة اليمنية.
The post من بيان المبعوث الأممي.. اتهامات الكيل بمكيالين ومساواة الدولة بالحوثيين appeared first on يمن مونيتور.