إبداع الصمت.. أناملُ تقطرُ فنًّا، وصرخةُ جمالٍ لا تحتاج إلى حنجرة!
مجتمع إنساني
منذ 16 ساعة
مشاركة

في أحد أحياء الشيخ عثمان بمدينة عدن، نظر بعض الأشخاص إلى المبدع الأصمّ عبد الحكيم محمود، وهو يضبط زوايا كاميرته بنظرات تحمل استغراباً وسخرية، ظنًا منهم أنه عاجز عن الإحساس بالمكان، بينما كان يقتنص انكسار الضوء على المسجد العثماني مستشعرًا تاريخه القديم، بعينين عجزت عنها حواسّ السامعين. في هذا الواقع، تتشكّل مشاهد إبداعية صامتة، صاغتها أنامل اتّخذت من الريشة والعدسة لغة بديلة للتعبير عن الوجدان، حيث اختار هؤلاء المبدعون الصمّ تحويل السكون إلى فضاءات فنّية واسعة بدلًا من انتظار الفُرص. فمن هنا، تنقطع أوتار الصوت تماماً ليحلّ محلّها تدفق بصري مُذهل، تصبح فيه حركة ورقة الشجر سيمفونية مرئية، ونظرة العين قصيدة وطنية، واهتزاز الضوء على صفحة الماء حوارًا وجدانيًّا لا يحتاج إلى حنجرة. ومع ذلك، لا يزال الوعي المجتمعي القاصر يربط بين فقدان النطق وفقدان القُدرة، على الرغم من أنّ الحقائق الحيّة تنقض هذا التصور من الأساس.

تستند القُدرات الإبداعية للصمّ إلى حقائق عِلمية تفسّر براعتهم الاستثنائية في الفنون البصرية، وقدرتهم على تخيّل الأبعاد والمساحات بشكل يفوق أحيانًا أقرانهم الناطقين، ويؤكّد الباحث الدكتور محمد سعود الزير، في دراسته المعنونة “الخصائص النفسية والاجتماعية للطلاب الصمّ”، أنّ 75% من معلومات الإنسان تمرّ عبر حاسة البصر، مقابل 13% فقط عبر حاسة السمع، ويدعم هذا الطرح نظرية المرونة العصبية بقُدرة الدماغ على التكيّف وتطوير الحواس؛ إذ يقوم الدماغ بإعادة توجيه الموارد العصبية لتعزيز مناطق الانتباه البصري، مانحًا الأصمّ دقّة فائقة في رصد التفاصيل، وهذا مؤشّر قوي يرسّخ مركزية الإدراك البصري في التعلّم، ويُثبت امتلاك الأصمّ أداة إدراك عالية التركيز بالفطرة، غير أنّ هذا الامتياز الفِطري يصطدم بالعوائق المؤسّسية والأنظمة التعليمية التي ترتكز فقط على الكلمة المنطوقة، مؤدّيًا إلى إقصاء الساحة الفنية من طاقات متنوعة قادرة على المشاركة في المشهد الثقافي العام.

تزخر مدينة عدن بطاقات إبداعية هائلة من المبدعين ذوي الإعاقة السمعية بنسب عالية وبقدرات متنوّعة، لكنها تُقصى بشكل واضح وصريح بحُجة الإعاقة، ولم تلقَ هذه الفئة حقّها المشروع في المشاركة ضمن الفضاءات الإبداعية بعدالة. فوفقًا لبيانات جمعية رعاية وتأهيل الصمّ في عدن، تضمّ الجمعية أكثر من 22 رسامًا ورسامة و15 مصورًا ومصورة، وهو ما يعكس ثراءً بصريًا لافتًا داخل مدينة واحدة، لكن المفارقة تتجلّى في أنّ نسبة مشاركتهم في الفعاليات الفنية لا تتجاوز 5%، أما الدعوات الرسمية، فلا يصلهم منها سوى 40%، وغالبًا ما تقتصر على أنشطة مدرسية محدودة لا تصل إلى فضاءات عامة، وهذا الإقصاء غير العادل يَقضي على الطموح الفنّي لدى ذوي الإعاقة السمعية بشكل كبير، ويقوّض فرصة حضورهم في المحافل الفنية، ويُسقط استحقاقهم في المشاركة العامّة، ويؤثّر على استمراريتهم ومستقبلهم، وهذا الإقصاء لا يمثّل خسارة هؤلاء المبدعين وحدهم، بل يعني إفقارًا متعمّدًا للساحة الفنية وحرمانًا للمدينة من تنوّع بصري فريد صقلته الإرادة.

ومع ذلك، لا تكتمل الصورة من دون التوقف عند نماذج كسرت هذا الحاجز. ففي صنعاء، حولت فلة القُباطي تجربة التنمّر إلى مشروع وطني عبر تأسيس مركز “فتيات الصمّ التنموي“، الذي ساعد أكثر من 250 فتاة في مجالات فنية وتقنية. وفي حضرموت، نظّمت خريجات الفنون التشكيلية بجامعة حضرموت معرضًا فنيًا بجهود ذاتية، قدمنَ فيه لوحاتٍ وأعمالًا يدوية عكست قُدرات إبداعية مذهلة. أما في عدن، فقد بدأت مبادرة “أنامل الصمّ للعطاء” طريقها بقيادة المخرج عبد الحكيم محمود، الذي أثبت موهبته في صناعة تسعة أفلام سينمائية بصمت أنامله، ونالَ جائزة ائتلاف الخير في مهرجان الأفلام القصيرة بمدينة المُكلا، إضافة إلى أنه مدرّب ينقل خبرته لشباب المدينة، ورغم انتقال المبادرة إلى الأستاذ أحمد ماهر، تمرّ اليوم بظروف صعبة بسبب الوضع الاقتصادي، وهنا يظهر حجم الإقصاء الذي يترك مثل هذه الشعلة تنطفئ وحيدة من دون دعم، ليظلّ المبدع الأصمّ في عدن يكافح وحيدًا لصناعة مكانه وسط الجميع.

ولأن الإبداع يبدأ بالاعتماد على الذات، تبرز تجربة سميرة عبد اللاه التي شقّت طريقها بجهد شخصي منذ اكتشاف موهبتها في تدريب لغة الإشارة عام 2020، ثم انطلاقها في عالم التصميم والطباعة بعدها بعام واحد، حيث تسعى سميرة لتطوير مهاراتها باستمرار، رغبةً منها في الاندماج مع المجتمع، وإثباتاً لقدرتها على العطاء المستقل. وعلى الرغم من مشاركتها في فعاليات فنّية عدّة في عدن، لم تكن تجاربها خالية من الألم؛ إذ واجهت نظرات تجعلها تشعر بأنها غريبة، وهو ما يدفعها أحيانًا نحو الإحباط والعزلة، بسبب غياب المساحات التي تحتضن المبدعين الصمّ، وتوجه سميرة رسالة بسيطة ومؤثّرة إلى صُناع القرار والمجتمع، تُطالب فيها بفُرص حقيقية وتطوير للمواهب، بعيدًا عن النظرات القاسية؛ لأنها تؤمن بأن المبدع الأصمّ يستحقّ مكانًا يحترمه في الساحة الفنية، ليس من باب المنحة أو التفضل، بل هو حقّ قانوني كفلته المواثيق الدولية؛ لتخرج قضيتهم من دائرة العاطفة إلى فضاء الاستحقاق.

وفي هذا السياق الحقوقي، تستند حماية الحقوق الثقافية للمبدعين الصمّ إلى مظلّة تشريعية دولية متمثلة في المادة 30 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)؛ إذ تلتزم الدول الموقّعة، ومنها اليمن منذ عام 2009، باتخاذ التدابير اللازمة لضمان تنمية إمكانيات الصمّ، وقُدراتهم الإبداعية، واستخدامها في إثراء التنوّع الثقافي في المجتمعات. وعليه، يمثل غياب المبدعين، من ذوي الإعاقة السمعية ومترجمي لغة الإشارة في المحافل الثقافية، انتهاكًـا للحقوق الدولية الموثقة، وهو الأمر الذي يجعل إشراكهم في الفضاءات الإبداعية استحقاقًا قانونيًا ومسارًا عادلًا يُعيد بناء الثقة والانتماء المشترك في مجتمع يحتاج بشدّة إلى توظيف الفنّ لكسر عوائق العُزلة الاجتماعية.

وفي الخلاصة، يمكن القول: إنّ المشهد الثقافي في عدن يقف أمام اختبار حقيقي يفرض علينا الانتقال من الحديث عن المعاناة وحسب إلى تقديم حلول عملية ملموسة. وبناء عليه، يبدأ التغيير الحقيقي بتمكين مترجم لغة الإشارة في الفعاليات كافّة، وصياغة مناهج فنّية تحتضن الجميع بلا استثناء. فالمشكلة لم تكن يومًا في إشاراتهم التي تنسج الجمال، بل في مدى إيماننا بصدق إبداعهم؛ إذ لا يبحث المبدع الأصمّ عن مجاملة، بل يتطلّع إلى منصّة عادلة تؤكّد أنّ الفن لغة تتجاوز حدود النطق. ومن هنا، تبرز مسؤوليتنا في تحويل الدمج من شعار إلى واقع حيّ يُشرِق فيه عطاؤهم. من أجل ذلك، ندعو وزارة الثقافة والمؤسّسات الثقافية إلى إقرار نسبة عادلة في الفضاءات الإبداعية، واعتماد مترجمي لغة الإشارة شرطًا أساسيًا لدعم الفعاليات العامة. فالاستثمار في هذه الطاقات هو استثمار في التنوّع وقوة المجتمع، ولنتذكّر دائمًا أنّ الإبداع الحقيقي لا يعرف القيود، ولا يحتاج إلى حنجرة ليصل إلى القلوب.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

The post إبداع الصمت.. أناملُ تقطرُ فنًّا، وصرخةُ جمالٍ لا تحتاج إلى حنجرة! appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية