تعز.. ربة السيف والقلم
أهلي
منذ أسبوع
مشاركة

عند الحديث أو الكتابة عن محافظة مثل تعز، لا تعرف من أين تبدأ، فكل جزء فيها يصلح أن يكون بداية للحديث أو مجالًا له، وهذه هي تعز التي تركت بصمتها في كل جزء من أنحاء اليمن؛ أينما ذهبت ستجد هناك أثرًا لها لا تخطئه العين، ولا ينكره إلا جاحد. وهذا ليس من قبيل مدح المحب أو غزل المكان، بل توصيف لواقع لا بد أن نتحدث عنه.

تعز ليست مجرد محافظة، ولا مساحة جغرافية، ولا كتلة سكانية كبيرة، ولا مركزًا صناعيًا واقتصاديًا، بل هي أكبر من كل ذلك. هي صانعة التغيير والتحولات السياسية والوطنية، وهي المحرك للتنوير الثقافي والفكري، وهي المدد والرفد على مستوى الجانب العسكري أو التعليمي والتربوي. وفي كل مجال تبحث عنه، ستجد أن تعز قد سبقتك إليه، وإذا ما احتجت إليها فإنها جاهزة لتكون في الموعد.

من تعز خرج المناضلون ضد الاستعمار البريطاني، كما ضد حكم الإمامة الزيدية البغيض، ولسنا هنا بصدد سرد أسماء، فهذا مما هو معروف بالضرورة، بل تذكير بهذا الإرث الذي له صلة بالحاضر، ومن يملك تاريخًا فلا شك أنه قادر على صناعة الحاضر والمستقبل.

لم يكن هؤلاء الأحرار فقط من فئة السياسيين والعسكريين، بل كانوا أيضًا من فئة التجار الذين كانوا السند الأول للثورة في وقت كانت يتيمة وفقيرة، لولا هؤلاء الرجال وسواهم من المحافظات الأخرى.

وهذه التحولات التي ساهمت بها تعز لا تقتصر على العصر الحديث، بل تمتد حتى إلى الزمن الأقدم، ويكفي أن نعرف أنه في عهد الدولة الرسولية، التي كانت عاصمتها تعز، تم توحيد اليمن لأطول فترة زمنية في تاريخ الدول اليمنية المتعاقبة.

ولكن لأن الحديث عن تعز لا يتعلق بالبعد التاريخي، لأنه طويل، بقدر ما يتعلق بلمحات سريعة عن التحولات التي ساهم فيها أبناء تعز منذ ثورة ثمانية وأربعين، مرورًا بستين، ثم ثلاثة وستين، وتسعة وستين، وحصار السبعين، وإعادة تحقيق الوحدة، واثنين وعشرين مايو، وفي كل التحولات الوطنية، لم تكن تعز تؤدي دورًا هامشيًا، بل دورًا رئيسيًا.

وهكذا على مستوى الحياة السياسية؛ فقد كان الكثير من مؤسسي الأحزاب السياسية، بمختلف توجهاتهم الفكرية، من هذه المحافظة، وهذه الأحزاب، بغض النظر عن المآخذ عليها، مثل أي شيء آخر، فقد ساهمت في تنمية الوعي السياسي لدى المواطن، وعززت فيه حب المشاركة العامة.

وبالمثل ينطبق الحال على المناشط الثقافية المختلفة، ولم يتم اختيارها عاصمة للثقافة من فراغ. وبغض النظر عن الواقع الذي آلت إليه، والذي هو انعكاس لحال البلد ككل، إلا أنها تبقى رائدة في التنوير والتثوير الثقافي.

وأينما يممت شطر وجهك، وجدت أثرًا للمحافظة في أي مكان؛ فستجد طبيبًا من تعز ترك بصمته في معالجة الناس، أو معلمًا تخرج على يديه أجيال، أو أستاذًا جامعيًا أشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، أو شاعرًا وأديبًا ترك بصمة جميلة في المكان الذي استقر فيه.

وعلى هذا المنوال، ستجد نشاطًا تجاريًا لرجل أعمال من تعز نفع آلاف الأشخاص، وستجد مهندسًا ساهم في تشييد السدود والآبار، وستجد مهندسًا معماريًا أيضًا ترك بصمته على العمارات، كما ستجد رسامًا تشكيليًا ساهمت لوحاته في نقل الجمال والتقاليد وترسيخ التعايش والوئام بين أفراد المجتمع.

وإذا استحضرت عالمًا أو داعيةً، فلا شك أن بصمته موجودة في أي مكان يستحضره ذهنك، وهكذا ستجد الصحفيين والكتاب الذين أداروا الصحف وساهموا في النقد وتعزيز التجربة الصحفية. كما ستجد النقابيين الذين لعبوا دورًا في حماية حقوق الفئات المهنية المختلفة، وكانوا بمثابة الرافعة التي تدافع عن حقوق الطبقة الوسطى.

لا أقول هذا لأنني أحب تعز أكثر من غيرها، بل لأنني عشت فيها منذ مارس 2015 وحتى نهاية 2018، عشت في أصعب أوقاتها، حيث لا تجد بعد الساعة الواحدة ظهرًا كيس خبز أو علبة زبادي، من شدة الحصار الخانق الذي فرضه الحوثيون آنذاك.

وفي هذه المدينة العصية، نجوت من الموت ثلاث مرات من قذائف وقصف الحوثيين، إحداها بجوار المجمّع القضائي، وهذه أول مرة أكتب عن هذه التجربة، فليس من عادتي أن أكتب عما أتعرّض له.

وفي تعز عرفت معنى أن يقول المرء إن هذه بيئة حاضنة للمقاومة والكفاح وفكرة الدفاع عن الكرامة قبل أي شيء آخر. كنت أرى الناس بمختلف توجهاتهم، من مدنييهم وعسكرييهم، وكبارهم وصغارهم، على درجة عالية من الاستعداد للتضحية والفداء والشجاعة والبسالة.

وقد لمست هذا أيضًا في الأرياف، في جبل صبر، حيث قاومت تعز منذ البداية بإمكانياتها البسيطة وبدون دعم خارجي، وتصدت لجحافل الإمامة الزيدية البغيضة بكل شجاعة، ولقنتها دروسًا لن تنساها أبدًا، وبقيت عصيّة عليها حتى اليوم، رغم كل المؤامرات والدسائس التي حِيكت منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.

وأنا أعرف الكثير من التفاصيل، ويكفي أن نتذكر أن تعز تعرضت لحصار خانق لسنوات، منهم ومن غيرهم، من القوى التي تدخلت وأرادت فرض مشاريعها السياسية وتشكيل المجتمع والقوى العسكرية والمدنية بما يخدم أجنداتها، وتم التصدي لهذا المخطط وإفشاله.

وكانت تعز عصية مقارنة بغيرها من المحافظات التي ابتليت بسلسلة الاغتيالات والقلاقل الأمنية والفوضى والرعب والدمار، وهذا بفضل الوعي والرجال المخلصين الذين تصدوا لهذا المشروع البغيض.

وهنا لا بد أن نستحضر أحد هذه القيادات الذي لا يحب الظهور، وهو اللواء الركن خالد فاضل، قائد محور تعز. هذا الرجل الشجاع، البسيط، المتواضع، الذي رفض كل الإغراءات المالية التي يسيل لها اللعاب، مقابل إعادة هندسة الجيش على النمط الذي نعرفه، فقال لهم مرارًا: أنا قائد في دولة، ولا يمكن لي إلا أن ألتزم بالدستور والقانون، ولا يمكن أن نقبل تشكيلات عسكرية خارج إطار وزارة الدفاع.

فكان الثمن أن تعرّض لمحاولات اغتيال عديدة، وتمت محاصرة الجيش بكل معنى الكلمة. وقد كتبت عن هذا مرارًا، وحُرم الجيش حتى اليوم من أبسط أنواع التسليح، وإذا كانت هناك أي شحنة سلاح، كان يتم التقطع لها، وهذه حالات معروفة لا نريد أن نخوض فيها.

وحتى على مستوى الراتب، بقي الجيش هناك يعاني من التأخر في صرف رواتبه. وبفضل خالد فاضل وغيره من القيادات المخلصة، تم الحفاظ على تماسك الجيش هناك، وبقي موجودًا في الجبهات رغم كل هذه الظروف والتحديات.

وقد أحسن حينما تصرف بمسؤولية باستقطاع جزء من إيرادات ضرائب القات لصالح المقاتلين في الجبهات.

ومن المؤسف أن رئيس مجلس القيادة، الذي ينتمي للمحافظة، بدلًا من أن ينحاز لهذا البطل وينصف أبناء الجيش هناك، انحاز للمحافظ الذي أراد أن يستعيد الموارد دون أن يُعطى الجيش حقوقه. ولو كان هناك قائد آخر غير خالد فاضل، لقبل المساومة بأدنى عرض ودون تردد.

لا أقول هذا دفاعًا عنه، فهو لا يحتاج إليه، كما أنني لست من الصحفيين الذين يكيلون المديح لأحد حتى وإن كانوا يستحقون، بل إنصافًا لرجل يُراد شيطنته واغتياله معنويًا.

ما هي الامتيازات التي يحصل عليها خالد فاضل؟ لا شيء مقارنة براتب وكيل وزارة مقيم في عواصم الدول. فما الذي يجعله يتمسك بمنصب ليس فيه من الإغراءات ما يدفع إلى التمسك به؟

خلال فترة وجودي هناك، كان 70% من موادي الصحفية عن تعز، وقد كانت تستحق ذلك على المستوى الصحي والتعليمي والأمني وفي كل المجالات، وهي متاحة على الإنترنت، وقد نشرتها في الجزيرة نت وفي وكالة الأناضول ووسائل إعلام عربية ومحلية أخرى.

إن تعز اليوم، وهي تواجه هجومًا جديدًا لميليشيات الإمامة الزيدية، لقادرة على أن تهزم هذه الجحافل وتعيدها صاغرة؛ فلا ينقصها الرجال، ولا الشجاعة، ولا الدافعية، ولا الاستعداد للتضحية، بل ما تحتاج إليه هو التسليح، وصرف رواتب الجنود، وتخصيص ميزانية عاجلة تُصرف للنفقات اليومية بعيدًا عن البيروقراطية العقيمة.

كما أن تعز لا تحتاج إلى التصريحات، ولا إلى بيانات التعاطف والتضامن، ولا إلى إعادة التذكير بتاريخها ولا دورها، بل إلى الوقوف معها بالفعل قبل الكلام، فهي قلب اليمن النابض، وهي رمانة الميزان، وهي التي تفرض المعادلة التي لا يمكن تجاوزها في قضايا الجمهورية والوحدة.

ومما يجب فعله هو تحريك الجبهات الأخرى، ليس لمجرد تخفيف الضغط، بل لأن الحوثي قد اختار توقيت المعركة وفرضها على الحكومة اليمنية، ولم يعد بمقدورها أن تكتفي بردود الفعل أو الاستمرار في الاستراتيجية العقيمة والمستمرة منذ عهد هادي، والتي ساعدت الحوثي على تقوية نفسه وقدراته والحفاظ على بقائه كل هذا الوقت.

فقد مُنح امتيازات لم تحصل عليها أي حركة تمرد في العالم؛ يختار التوقيت المناسب له والجبهة المناسبة، فيحارب بدون أي ضغط، وبقيّة الجبهات في حالة سكون، وهذا مما لا يجب أن يستمر، وغير مقبول على المستوى الوطني والأخلاقي.

إن مسؤولية مجلس القيادة اليوم، بصفتهم سلطة أمر واقع، أن يتخذوا قرارًا شجاعًا بإعلان المعركة في مختلف الجبهات، ولن يعدموا لا الرجال ولا الموارد المتاحة.

وإذا كانوا عاجزين، أو لديهم حسابات تخيفهم وليسوا قادرين، فعليهم أن يستقيلوا، ويكفي ما مضى، بعد تجربة خمس سنوات معهم لم يحرروا قرية واحدة.

وعليهم أن يتذكروا أن تعز ستمضي في خيار المقاومة والمواجهة، وليس لديها خيار آخر، وستنتصر بهم أو بدونهم، وسيكون لها دور أساسي في طي صفحة الإمامة الزيدية بنسختها الجديدة.

The post تعز.. ربة السيف والقلم appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية