الحكومة اليمنية تشن غارات جوية على الحوثيين بقدراتها الذاتية: ما دلالات ذلك؟
أهلي
منذ ساعة
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة/ من الجزيرة الإنجليزية:

شنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً سلسلة من الغارات الجوية استهدفت مواقع للحوثيين في البلاد، في تصعيد لافت للنزاع يشهد أشرس المعارك منذ الهدنة الهشة التي أُبرمت عام 2022.

ونفذت مقاتلات حربية تابعة للحكومة ما لا يقل عن 15 غارة يوم الجمعة ضد مواقع وتجمعات وآليات تابعة للحوثيين في محافظتي تعز والحديدة غربي البلاد، وفقاً لما أعلنه الجيش اليمني.

ووفر الهجوم الجوي على مواقع الحوثيين إسناداً للقوات الحكومية التي تتصدى لهجوم حوثي واسع باتجاه ساحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب الاستراتيجي، أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.

ولا تُعد هذه الغارات الأولى التي تنفذها مقاتلات حكومية منذ أن بدأت الهدنة اليمنية الهشة بالتداعي في يوليو/تموز الماضي؛ ففي 25 يوليو/تموز، قصفت طائرات حكومية مواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة ومستودعات أسلحة تابعة للحوثيين في مأرب والجوف، بحسب ما نقله مسؤولون عسكريون يمنيون لوكالة رويترز للأنباء.

وقبل ذلك بأقل من أسبوعين، وتحديداً في 13 يوليو/تموز، أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أن قواتها استهدفت مدرج مطار صنعاء الدولي الخاضع لسيطرة الحوثيين لمنع هبوط طائرة إيرانية.

غير أن الضربات الأخيرة تمثل تحولاً ملموساً في اعتماد الحكومة على سلاحها الجوي الذاتي ضد الحوثيين، وذلك بعد أن كانت مقاتلات التحالف بقيادة السعودية تتولى توفير الغالبية العظمى من الإسناد الجوي للقوات المناهضة للحوثيين خلال أشد سنوات الحرب اليمنية ضراوة.

وتأتي الحملة الجوية يوم الجمعة في وقت يحاول فيه الحوثيون المدعومون من إيران—والذين يتصارعون لبسط السيطرة على اليمن منذ سنوات—التقدم عبر غربي تعز وجنوبي الحديدة باتجاه مدينة المخا والمناطق المشرفة على مضيق باب المندب الحيوي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

ومن شأن السيطرة على هذه المنطقة أن تعزز موقع الحوثيين على طول البحر الأحمر، حيث سبق للجماعة استهداف سفن تجارية وعسكرية، فضلاً عن تهديد خط إمداد رئيسي للقوات الحكومية.

وتدور رحى هذه المعارك على وقع نزاع إقليمي أوسع نطاقاً، في ظل إعلان الحوثيين مؤخراً فرض حصار بحري في البحر الأحمر ضد السعودية، في حين أدى تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أثناء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران إلى زيادة الأهمية الاستراتيجية للمسارات البديلة عبر البحر الأحمر؛ وهو ما يعني أن أي اتساع للنفوذ الحوثي حول باب المندب قد يلقي بظلاله على حركة الشحن البحري إلى ما هو أبعد من اليمن بكثير.

إليكم تفاصيل ما جرى

ماذا حدث؟

اندلعت المعارك يوم الخميس إثر شن القوات الحوثية هجوماً واسعاً على طول خطوط المواجهة في غربي تعز وجنوبي الحديدة، مستخدمة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والمدفعية، بالتزامن مع محاولة القوات البرية التقدم نحو المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة على طول ساحل البحر الأحمر.

وتركزت رقعة المواجهات في المناطق الواقعة غربي تعز وحول مدينة المخا، وهي ميناء تسيطر عليه الحكومة بالقرب من مضيق باب المندب.

وقال مسؤول يمني في عدن لوكالة الصحافة الفرنسية إن الحوثيين يسعون للسيطرة على التلال المشرفة على باب المندب والمخا قبل التوغل نحو الساحل.

وأفاد مراسل الجزيرة في صنعاء، يوسف ماوري، بأن قوات الحوثيين حققت مكاسب ميدانية في غربي تعز.

وقال ماوري: «وفقاً لمسؤولين عسكريين في الحكومة المعترف بها دولياً، تمكن الحوثيون من السيطرة على بعض تلك المناطق. وفي غربي تعز، نجحوا في السيطرة على قاعدة عسكرية استراتيجية تقع على قمة جبل استراتيجي، مما يمنح الحوثيين إشرافاً كاملاً على المنطقة بأسرها».

وأضاف ماوري أن معارك عنيفة دارت على وجه الخصوص حول منطقتي البَرَح ومَقْبَنَة، حيث يمر طريق رئيسي يُستخدم لإمداد القوات الحكومية المتمركزة في تعز والمخا.

وقد قُتل أكثر من 120 مقاتلاً منذ بدء الهجوم الحوثي، وفقاً لإحصاء أجرته وكالة الصحافة الفرنسية، مما يجعل هذه الاشتباكات من بين الأكثر دموية في اليمن منذ سنوات.

كما أفادت قناة «اليمن» الفضائية (سبأ) التابعة للحكومة بمقتل عدد من المدنيين وإصابة آخرين إثر سقوط صاروخ باليستي على مطعم في منطقة المخا.

ويوم السبت، قُتل ما لا يقل عن أربعة مدنيين وأُصيب تسعة آخرون في قصف صاروخي حوثي استهدف طريقاً مكتظاً في جنوب غربي اليمن، وفق ما أوردته وكالة الأنباء اليمنية (سبأ).

وأوضحت الوكالة، نقلاً عن مصادر محلية وطبية، أن الهجوم الذي شنته الجماعة المدعومة من إيران يوم السبت استهدف تجمعاً للمدنيين على طريق هيجة العبد الاستراتيجي، جنوبي مدينة تعز.

 

ما خلفية التوترات الأخيرة؟

اجتاح الحوثيون العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وبسطوا سيطرتهم لاحقاً على أجزاء واسعة من شمال اليمن وغربه، مما دفع تحالفاً عربياً تقوده السعودية إلى التدخل دعماً للحكومة المعترف بها دولياً في مارس/آذار 2015.

وأدت هدنة رعتها الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2022 إلى تراجع حدة القتال بصورة كبيرة. ورغم انتهاء سريان الاتفاق رسمياً بعد ستة أشهر، إلا أن رقعة العمليات العسكرية الواسعة بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من السعودية ظلت محدودة نسبياً، في حين واصلت السعودية مسار المفاوضات مع الجماعة.

بيد أن ذلك لم يُتوج باتفاق سلام شامل، مما أبقى خطوط المواجهة في حالة جمود واسع دون إنهاء حقيقي للنزاع.

وتعرض هذا الوضع الراهن الهش لضغوط متزايدة بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران في 28 فبراير/شباط، قبل أن تتصاعد التوترات بدرجة أكبر في يوليو/تموز عقب الغارة الجوية التي نفذها سلاح الجو الحكومي على مطار صنعاء الدولي الخاضع لسيطرة الحوثيين لمنع هبوط طائرة إيرانية.

 

ماذا نعرف عن القوات الجوية اليمنية؟

تأسست القوات الجوية اليمنية الحديثة عقب تحقيق الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه عام 1990، دامجةً بين جيشين كانا مزودين بطائرات سوفيتية وغربية الصنع.

وضم أسطولها لاحقاً مقاتلات من طراز «ميغ-21» و«ميغ-29»، وقاذفات مقاتلة من طراز «سوخوي-22»، ومقاتلات «إف-5» أميركية الصنع، إلى جانب تشكيلة من المروحيات وطائرات النقل.

إلا أن القوات المسلحة اليمنية تصدعت عقب استيلاء الحوثيين على صنعاء وانزلاق الأزمة السياسية إلى أتون الحرب في عامي 2014 و2015.

وعندما تدخلت السعودية بعد ذلك بوقت قصير، ركز تحالفها على استهداف القواعد الجوية ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة لقطع الطريق أمام الحوثيين ومنعهم من الاستفادة من سلاح الجو اليمني.

وترتب على ذلك أن تولى التحالف بقيادة السعودية—بدلاً من القوات الجوية اليمنية الحكومية المستنزفة—توفير القدر الأكبر من الغطاء الجوي المساند للقوات الحكومية طوال سنوات الحرب اللاحقة.

ونفذت طائرات التحالف بقيادة السعودية عشرات الآلاف من الغارات الجوية بين مارس/آذار 2015 وتاريخ هدنة عام 2022، قاصفة مواقع عسكرية للحوثيين ومقدمة الدعم الجوي خلال العمليات الهجومية البرية الكبرى للقوات الحكومية. كما أسفرت تلك الحملة عن سقوط خسائر فادحة في صفوف المدنيين، لتصبح واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مسار الحرب.

وفي عام 2024، شنت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة جولة جديدة من الضربات الجوية على مواقع الحوثيين في اليمن في أعقاب استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر. وفي وقت سابق من هذا العام، كشفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن الهجمات العسكرية الأميركية ضد الحوثيين في اليمن أودت بحياة 153 مدنياً وأصابت 243 آخرين بجروح خلال عام 2025، وذلك بعد أن كانت واشنطن تنفي سابقاً تسبب هجماتها في سقوط قتلى مدنيين.

وقد تمخض عن الصراع في اليمن أزمة إنسانية كارثية؛ إذ قدرت الأمم المتحدة في عام 2021 حصيلة الوفيات والقتلى بنحو 377 ألف شخص منذ عام 2014، تعود نسبة 60 بالمئة منها إلى نقص الغذاء وانعدام الرعاية الصحية.

 

لماذا تلجأ الحكومة اليمنية إلى سلاحها الجوي الذاتي الآن؟

بعدما ظلت تعتمد لفترات طويلة على القوة الجوية للتحالف بقيادة السعودية، يأتي قرار الحكومة بالدفع بمقاتلاتها الخاصة في الوقت الحالي في سياق مساعيها لكبح جماح هجوم حوثي حقق مكاسب أولية على عدة محاور غربي تعز، وبات يهدد الشريان البري الحيوي الذي يربط تعز بميناء المخا على البحر الأحمر.

وفي حديث لشبكة الجزيرة، أوضح محمد الباشا، المحلل اليمني الأميركي والمتحدث السابق باسم السفارة اليمنية في واشنطن، أن الحوثيين أحرزوا «بعض المكاسب الأولية إثر هجوم مباغت ومتعدد المحاور في غربي تعز» هذا الأسبوع، حيث سيطروا مؤقتاً على مواقع وباتوا يهددون مناطق تشرف على ممر تعز-المخا.

إلا أن هذه المكاسب لم تُفضِ إلى تحقيق الاختراق الأوسع الذي كانت الجماعة تتطلع إليه، على حد تعبيره.

وأضاف الباشا: «الجبهة لم تنهَر، وممر تعز-المخا لم يُقطع، كما أُحبطت محاولات توسيع الهجوم نحو مواقع أخرى تتسم بأهمية استراتيجية».

ووفقاً للباشا، فقد استعادت القوات الحكومية والموالية لها معظم المناطق التي خسرتها في اليوم الأول من المواجهات، بالتوازي مع احتواء التقدم الحوثي ودحره على عدة محاور أخرى.

وعمدت الحكومة مذاك إلى إرسال تعزيزات عسكرية، في حين يمنحها إدخال الطيران أداة إضافية لضرب مواقع الحوثيين وتحشيداتهم، سعياً لاسترداد التلال الحاكمة والحيلولة دون قطع طريق تعز-المخا.

 

لماذا يشن الحوثيون هذا الهجوم الآن وما الخطوة المقبلة؟

أشار الباشا إلى أن جبل نعمان، المشرف على طريق تعز-المخا، يعد من أبرز المناطق التي ما زالت تشهد نزاعاً محتدماً، في حين نجحت قوات المقاومة الوطنية في صد محاولة حوثية للسيطرة على جبل ذو بأس الواقع شمالي مديرية حَيْس.

ومن شأن السيطرة على هذه التلال المرتفعة أن تتيح للحوثيين رصد طرق الإمداد الحكومية وتهديدها نارياً، في حين تجعل خسارتها أي تقدم لاحق باتجاه المخا مسألة بالغة التعقيد.

وتابع قائلاً: «وعليه، انتهى اليوم الأول بمشهد عسكري متباين؛ فالحوثيون حققوا تقدماً على الأرض بفضل عنصر المباغتة وسرعة هجومهم المتعدد الجبهات، غير أن القسم الأكبر من تلك الأراضي جرى استرداده لاحقاً».

وقد يؤدي وصول قوات جديدة موالية للحكومة، بالتزامن مع الإسناد الجوي، إلى تصعيب مهمة الحوثيين في تكرار اختراقهم الأولي.

واختتم الباشا تصريحاته بالقول: «المرحلة القادمة مرشحة لأن تكون أكثر شراسة؛ فكلا الطرفين يحشد تعزيزاته، وما تزال عدة مواقع تشهد معارك محتدمة، في حين تظل السيطرة على جبل نعمان هدفاً ملحاً في المدى القريب».

«ومن المرجح أن تنصب الساعات المقبلة على جهود القوات المناهضة للحوثيين لاستعادة الجبل، وإحكام تحصين خطوطها، وصد أي محاولة تقدم جديدة للحوثيين صوب ممر تعز-المخا».

 

The post الحكومة اليمنية تشن غارات جوية على الحوثيين بقدراتها الذاتية: ما دلالات ذلك؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية