تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عميد المهيوبي: مع كل تطور سياسي أو تصعيد عسكري في اليمن، تظهر على منصات التواصل الاجتماعي حسابات تحمل أسماء شخصيات سياسية وقيادات عسكرية معروفة، وتنشر مواقف وتصريحات تبدو للوهلة الأولى وكأنها صادرة عن أصحابها، قبل أن يتبين أنها لا تمت إليهم بصلة.
هذه الحسابات لا تكتفي بانتحال الاسم والصورة، بل توظف المكانة التي تتمتع بها الشخصيات المستهدفة لتمرير روايات ومعلومات ومواقف سياسية، مستفيدة من سرعة تداول الأخبار وحاجة الجمهور إلى معرفة ما يجري، خصوصًا في أوقات التوتر والمواجهات.
وفي رصد خاص، تتبع “يمن ديلي نيوز”، عددًا من هذه الحسابات التي استخدمت أسماء شخصيات عسكرية وسياسية وقبلية ووطنية يمنية.
ومن خلال تتبع محتوى تلك الصفحات وجد “يمن ديلي نيوز” أن ماتنشره تلك الحسابات يصب في خانة خدمة العمليات العسكرية التي تشنها جماعة الحوثي المصنفة إرهابية.
وتقوم تلك الحسابات بنشر محتوى يعزز الشائعات المتداولة، أو يثير الشكوك حول مواقف شخصيات معروفة بمناهضة الجماعة، مايدفع تلك الشخصيات للظهور ونفي تلك التصريحات أو نفي امتلاكها تلك الحسابات على التواصل الاجتماعي.
التضليل.. معركة موازية
وبرز استخدام التضليل والمعلومات المضللة ضمن أدوات جماعة الحوثي في حربها الإعلامية، من خلال الشائعات والأخبار المفبركة والروايات المجتزأة، بهدف التأثير في الرأي العام، واستعطاف الجمهور، ورفع معنويات أنصارها، وإرباك خصومها والتشويش على الحقائق الميدانية.
ومع كل تصعيد عسكري، تتجدد محاولات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في إدارة معركة إعلامية موازية، تستهدف التشكيك في المعلومات المتداولة بشأن سير المعارك، وإثارة الخلافات داخل المعسكر المناهض للجماعة، ودفع الجمهور إلى تبني روايات قبل التحقق من مصادرها.
ويظهر أحد أكثر الأساليب حساسية في انتحال أسماء شخصيات معروفة، إذ يبدأ الحساب باستخدام الاسم والصورة والمعلومات التعريفية للشخصية الحقيقية، ثم ينشر محتوى يوحي بأنه صادر عنها، قبل أن تتولى حسابات أخرى إعادة نشره والتفاعل معه، بما قد يصنع انطباعًا بوجود مصادر متعددة تؤكد الرواية نفسها.
ويؤدي هذا الأسلوب إلى نقل المعركة من مضمون الرسالة إلى هوية مصدرها؛ فبدل أن يتساءل المتلقي عما إذا كانت المعلومة صحيحة، قد يتعامل معها باعتبارها صحيحة لمجرد أنها نُسبت إلى شخصية يثق بها.
انتحال سياسي واقتصادي
لم يظهر هذا الأسلوب للمرة الأولى مع موجة التصعيد الحالية، إذ برز بصورة واضحة خلال معارك محافظة مأرب عام 2021، عندما ظهرت حسابات تنتحل أسماء شخصيات وحزبية وقبلية موالية للحكومة اليمنية، وتنشر تصريحات ومواقف منسوبة إليها.
ومن أبرز الحالات آنذاك حساب انتحل اسم وكيل أول محافظة مأرب عبدربه مفتاح، ونشر تصريحات ومواقف باسمه، قبل أن ينفي مفتاح امتلاكه حسابات على منصتي “إكس – تويتر (سابقًا)” و”فيسبوك”، مؤكدًا أن الحساب الذي يحمل اسمه لا يمت له بصلة.
وتكرر الأسلوب مع شخصيات أخرى، بينها قائد مقاومة صنعاء الشيخ منصور الحنق، ونجل محافظ مأرب محمد سلطان العرادة، ونجل رئيس حزب الإصلاح محمد مبخوت الشريف، ونشرت هذه الحسابات روايات توحي بوجود تغير في مواقف شخصيات وقيادات محسوبة على مأرب والمعسكر المناهض للحوثيين.
وامتد نمط انتحال الهوية إلى الشخصيات الاقتصادية، خصوصًا خلال عام 2025، عقب الإصلاحات التي اتخذها البنك المركزي اليمني بهدف دعم استقرار العملة والحد من قدرة جماعة الحوثي على الوصول إلى النظام المالي.
وظهرت آنذاك حسابات وصفحات على فيسبوك تحمل اسم محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب المعبقي وتنشر محتوى منسوبًا إليه، قبل أن يحذر البنك المركزي في 12 أغسطس/آب 2025 من تلك الحسابات، موضحًا أن المعبقي لا يمتلك حسابات شخصية أو صفحات على فيسبوك، وداعيًا الجمهور إلى استقاء المعلومات من القنوات الرسمية للبنك.
وتشير هذه الوقائع إلى أن انتحال الهوية الرقمية لم يعد مقتصرًا على الشخصيات السياسية والعسكرية، بل أصبح يشمل شخصيات اقتصادية ورموزًا عامة يمكن أن تمنح رسائل الحساب المنتحل قدرًا أكبر من التأثير.
وللوقوف على ما وراء ظاهرة انتحال أسماء الشخصيات اليمنية، تحدث “يمن ديلي نيوز” إلى مختصين في الأمن الرقمي وتدقيق المعلومات، لتفسير أساليب بناء الحسابات الوهمية، وكيفية انتقالها من انتحال الهوية إلى نشر الرسائل المضللة وتضخيمها عبر حسابات أخرى، والمؤشرات التي يمكن من خلالها كشف وجود نشاط منسق خلفها.
استعارة ثقة الجمهور
البداية كانت مع الخبير اليمني المتخصص في الأمن الرقمي فهمي الباحث، الذي يرى أن انتحال حسابات شخصيات سياسية ومجتمعية معروفة بمواقفها المساندة للحكومة يمثل عملية تأثير وتضليل تقوم على ما وصفه بـ”استعارة الثقة”.
وقال الباحث لـ”يمن ديلي نيوز” إن نسب الرسالة إلى شخصية تحظى بثقة واحترام لدى شريحة من اليمنيين يجعل الانتحال أخطر من مجرد إنشاء حساب مزيف، لأن العملية، بحسب قوله، تغير مصدر الرسالة في ذهن المتلقي، معتبرًا أن الوصف الأدق لهذه الممارسة هو “سرقة المصداقية أو استعارة الثقة لأغراض التضليل”.
وأوضح أن الأحداث العسكرية والأمنية توفر بيئة مثالية ومناسبة للتضليل بسبب نقص المعلومات وسرعة تطور الأحداث ورغبة الجمهور في معرفة المستجدات.
وأشار إلى أن الحساب المنتحل قد يستغل شائعة بشأن سقوط منطقة أو تحركات قوات أو خلاف سياسي، ثم ينسب موقفًا مثيرًا إلى شخصية معروفة، قبل دفع الجمهور إلى تداوله.
وبحسب الباحث، فإن الحساب المنتحل قد لا يبدأ بالدعاية السياسية بصورة مباشرة، بل يعمل على بناء مصداقيته تدريجيًا عبر نشر صور قديمة ومناسبات وطنية وتعازٍ وتهانٍ ومعلومات صحيحة عن الشخصية، قبل إدخال الرسائل المضللة.
وأوضح لـ”يمن ديلي نيوز” أن بعض الحسابات قد تنشر في البداية مواقف متوافقة مع مواقف الشخصية الحقيقية أو حتى مواقف معارضة للحوثيين، ثم تمرر بينها محتوى يخدم الجهة التي تقف خلف الحساب، وهو ما يجعل اكتشاف الانتحال أكثر صعوبة.
ودعا مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي إلى التحقق من مصدر الخبر قبل التحقق من مضمونه، خصوصًا خلال فترات التصعيد العسكري، موضحًا أن التضليل في هذه الحالات يقوم على مستويين: “تزوير الهوية أولًا، ثم استخدام الهوية المزورة لنشر المعلومة المضللة ثانيًا”.
وحذر من أن وسائل الإعلام قد تسهم، دون قصد، في تعزيز هذه الدائرة عندما تنقل منشورات الحسابات المنتحلة، إذ يمكن للحساب نفسه لاحقًا الاستشهاد بالخبر المنشور في وسيلة إعلامية باعتباره دليلًا على صحة المعلومة.
وبعد ذلك، وفق الباحث: تتشكل دائرة تضليل تبدأ بـحساب مزيف وتصريح مزيف، ثم موقع ينقل التصريح، قبل أن تعود الحسابات للاستشهاد بالموقع أمام الجمهور باعتبار المعلومة مؤكدة من مصادر متعددة.
وحول التحقق من الحسابات، شدد الباحث في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز” على أن العلامة الزرقاء لم تعد معيارًا كافيًا، داعيًا إلى فحص مجموعة من المؤشرات، بينها مصدر الحساب، وتاريخ إنشائه، واسم المستخدم، والمنشورات القديمة، ومقارنة لغته ومواقفه مع تصريحات الشخصية المعروفة، إلى جانب البحث عن مواقفها في مصادر إعلامية موثوقة، والتحقق من أي نفي سابق بشأن امتلاك الحساب.
أسماء بارزة في واجهة التضليل
ورصد “يمن ديلي نيوز” خلال موجة التصعيد الحالية عددًا من الحسابات التي تستخدم أسماء شخصيات يمنية عسكرية وسياسية ووطنية، من بينها “اللواء فيصل رجب، والفريق الركن محمود الصبيحي، والناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي، والشيخ مبخوت بن عبود الشريف، ونشوان إبراهيم الحمدي”.
وتختلف طبيعة المحتوى المنشور من حساب إلى آخر، إلا أن القاسم المشترك بينها هو استخدام أسماء شخصيات حقيقية في تقديم مواقف أو معلومات لا توجد أدلة موثوقة على صدورها عن أصحابها.
وتفاوت المحتوى المنشور من حساب إلى آخر، إلا أن عددًا منها نشر محتوى يخدم جماعة الحوثي أو يثير الشكوك حول خصومها.
العقيد ماجد النزيلي
ومن أبرز الحالات التي رصدها “يمن ديلي نيوز” ظهور حسابات على منصة “إكس” تحمل اسم الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، عقب تعيينه متحدثًا رسميًا للقوات المسلحة في 8 أغسطس/آب 2026.
ووثق “يمن ديلي نيوز”، منشورات لأحد هذه الحسابات تتضمن تنويهًا بترقب بيان صادر عن القوات المسلحة، فيما نشر حساب آخر يحمل الاسم نفسه معلومات تتحدث عن وجود خطة لمعركة شاملة ضد جماعة الحوثي.
ولا تتعلق خطورة هذه الحالة بانتحال اسم شخصية عامة فحسب، وإنما بانتحال صفة عسكرية رسمية، إذ قد يتعامل المتلقي مع المنشورات باعتبارها بيانات أو معلومات صادرة عن المؤسسة العسكرية، خصوصًا خلال التصعيد، عندما يرتفع الطلب على المعلومات المتعلقة بالجبهات والتحركات والعمليات العسكرية.
ويجعل ذلك من الحسابات المنتحلة لأسماء المتحدثين العسكريين حالة أكثر حساسية من الحسابات السياسية العامة، نظرًا لإمكانية تأثيرها في فهم الجمهور لتطورات ميدانية أو قرارات عسكرية لم تصدر رسميًا.
اللواء فيصل رجب
وفي السياق، رصد “يمن ديلي نيوز” حساباً على منصة “إكس” يحمل اسم اللواء فيصل رجب، وتظهر بياناته أنه أُنشئ في أبريل/نيسان 2023، بالتزامن مع إطلاق سراح رجب من سجون جماعة الحوثي.
وبدأ الحساب، وفق مراجعة محتواه، في نشر مواقف خلال عام 2024 تحذر من خوض مواجهة عسكرية مع الحوثيين، قبل أن يتبنى خلال الحرب الإيرانية – الأمريكية مواقف مؤيدة للنظام الإيراني وحلفائه.
وتتناقض هذه المواقف مع السجل المعروف للواء فيصل رجب، الذي يعد من أبرز القادة العسكريين الذين خاضوا مواجهات مع الحوثيين، بدءًا من مشاركته في الحروب الست في صعدة، وصولًا إلى معارك عام 2015، حين وقع أسيرًا لدى الجماعة إلى جانب الفريق الركن محمود الصبيحي وشقيق الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، قبل الإفراج عنه في أبريل/نيسان 2023.
وكانت أسرة رجب قد نفت في وقت سابق امتلاكه لأي حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي. وقالت إن استخدام اسمه “أسلوب حوثي” للتشكيك بمواقفه الوطنية.
وحذرت من التعامل مع الحسابات التي تستخدم اسمه وتنشر مواقف منسوبة إليه. داعية إلى عدم التعامل مع مثل هذه الحسابات وما تنشره من معلومات.
ويكتسب انتحال اسم رجب حساسية خاصة بالنظر إلى رمزية الرجل العسكرية ومكانته لدى قطاعات من اليمنيين، ما يجعل استخدام اسمه في نشر مواقف مؤيدة للحوثيين وسيلة محتملة لإعادة تشكيل صورة مواقفه لدى الجمهور.
محمود الصبيحي
ومن بين الحسابات التي رصدها التقرير حساب على منصة “إكس” يحمل اسم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني الفريق الركن محمود الصبيحي.
وتظهر بيانات الحساب أنه أُنشئ في ديسمبر/كانون الأول 2025، أي قبل تعيين الصبيحي عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، ثم بدأ نشر مواقف سياسية تتعلق بالأحداث في حضرموت ودعم المجلس الانتقالي الجنوبي، قبل أن يتبنى مواقف معادية للسعودية.
ويمنح استخدام اسم الصبيحي هذه المنشورات حساسية إضافية، بالنظر إلى موقعه الحالي وحضوره العسكري والسياسي، فضلًا عن ارتباط اسمه تاريخيًا بمواجهة الحوثيين ووقوعه أسيرًا لدى الجماعة عام 2015 إلى جانب اللواء فيصل رجب.
وتتمثل خطورة هذا النوع من الحسابات في إمكانية استخدامه لنسب مواقف سياسية إلى شخصية تشغل موقعًا رسميًا، بما قد يؤثر في النقاش العام أو يخلق انطباعات غير صحيحة بشأن مواقف مجلس القيادة أو القوى العسكرية والسياسية المحسوبة عليه.
مبخوت الشريف
وامتد استخدام الأسماء المنتحلة إلى شخصيات قبلية وسياسية، من بينها الشيخ مبخوت بن عبود الشريف، رئيس المكتب التنفيذي للتجمع اليمني للإصلاح بمحافظة مأرب.
ورصد “يمن ديلي نيوز” حسابًا على “فيسبوك” يحمل اسم الشريف، أُنشئ في يوليو/تموز 2026، وتضمن محتوى مؤيدًا للحوثيين، بما يوحي بأن هذه المواقف صادرة عن شخصية معروفة بمواقفها الرافضة للجماعة ودعمها للدولة.
وبحسب تحقق أجراه “يمن ديلي نيوز”، لا يمتلك الشريف حسابًا على “فيسبوك”، فيما يمتلك حسابًا واحدًا فقط على منصة “إكس” موثقًا بالعلامة الزرقاء.
وسبق للمكتب التنفيذي للتجمع اليمني للإصلاح بمحافظة مأرب أن نقل في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نفي رئيس مكتبه التنفيذي “الشريف” امتلاكه أي حساب على فيسبوك، عقب ظهور حساب يحمل اسمه وينشر محتوى يتوافق مع خطاب الحوثيين.
وتكشف هذه الحالة عن جانب آخر من استراتيجية انتحال الهوية، يتمثل في محاولة تمرير الرسالة من خلال شخصية لها حضور اجتماعي وقبلي، بما يمنح المحتوى قدرة أكبر على الوصول إلى جمهور ربما لا يتفاعل مع الحسابات المرتبطة مباشرة بالحوثيين.
الحمدي.. استغلال للرمزية التاريخية
ولا تقتصر الحسابات المنتحلة على الشخصيات السياسية والعسكرية المعاصرة، بل تمتد إلى أسماء ذات رمزية وطنية وتاريخية في الذاكرة اليمنية.
ومن بين الحالات التي وثقها “يمن ديلي نيوز” حساب على منصة “إكس” يحمل اسم نشوان إبراهيم الحمدي، نجل الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي. وتظهر بياناته أنه أُنشئ حديثًا في يوليو/تموز 2026.
واستخدم الحساب اسم نشوان الحمدي وصورته، فيما لم تظهر مؤشرات موثوقة تثبت ارتباطه بالحساب أو امتلاكه له.
وأظهرت مراجعة منشورات الحساب أن جزءًا كبيرًا منها يتضمن مواقف تمجد جماعة الحوثي، فيما حظيت بعض المنشورات بتفاعل واسع، ووصلت مشاهداتها إلى مئات الآلاف، وهو ما يعني أن المعلومة لم تبقَ محصورة في دائرة محدودة من المتابعين.
وفي المقابل، نشر مقربون من الحمدي ومواقع محلية بلاغًا ينفي امتلاكه أي حسابات على “إكس” أو “فيسبوك” أو غيرهما من منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن الحسابات التي تحمل اسمه أو تنشر مواقف باسمه لا تمثله.
وعقب ظهور الحساب، تداول ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي معلومات تتحدث عن اعتقال نشوان الحمدي في صنعاء، إلا أن “يمن ديلي نيوز” لم يتمكن حتى إعداد هذا التقرير من التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه المعلومة.
تضخيم منسق للمحتوى
وبحسب ما وثقه “يمن ديلي نيوز” من خلال عملية الرصد، لا تتوقف خطورة الحسابات المنتحلة عند استخدام اسم شخصية معروفة، بل تمتد إلى الطريقة التي يجري بها نشر المحتوى وتضخيمه عبر حسابات أخرى.
ويقول رئيس منصة “مسند” لتدقيق المعلومات المضللة أحمد الأشول إن تحليل سلوك هذه الحسابات يمكن أن يكشف مؤشرات تميز بين الحساب المنفرد والنشاط المنسق.
ويتفق الأشول مع الخبير فهمي الباحث، في أن سرعة انتشار المعلومات المضللة ترتبط بطبيعتها المصممة لإثارة التفاعل، خصوصًا خلال الحروب والتصعيد، حيث ترتفع حاجة الجمهور إلى المعلومات ويصبح السبق لدى بعض المستخدمين أهم من التحقق.
ولفت إلى أن الحسابات الوهمية تستغل ذلك بنشر محتوى مثير أو صادم، ثم دفعه عبر حسابات أخرى تعيد النشر والتعليق والتفاعل معه.
وأوضح الأشول لـ”يمن ديلي نيوز” أن كثيرًا من حالات الرصد والتحقق للحسابات التي تنتحل أسماء شخصيات يمنية معروفة تظهر أن الحساب يبدأ ببناء هوية رقمية قريبة من هوية الشخصية الحقيقية، باستخدام الاسم والصورة والمعلومات التعريفية، قبل الانتقال تدريجيًا إلى نشر المحتوى الذي يخدم السردية المراد تمريرها.
وقال إن الحساب، بعد اكتساب عدد من المتابعين، يبدأ في نشر مواقف أو معلومات تتناسب مع تلك السردية، مستفيدًا من الأخبار العاجلة والمعلومات الحساسة خلال أوقات التصعيد، عندما يكون الجمهور أكثر استعدادًا للتفاعل مع المعلومة السريعة التي تبدو صادرة عن شخصية تمتلك معلومات من داخل الأحداث.
وأشار إلى أن التضليل لا يعتمد دائماً بالضرورة على اختلاق المعلومة من الصفر، فقد يبدأ بمعلومة صحيحة يجري تحريف سياقها، أو إضافة تفاصيل غير صحيحة إليها، أو استخدام صورة أو مقطع فيديو قديم وربطه بحدث جديد.
ويرى الأشول أن هذه الأساليب تمنح المحتوى المضلل قدرًا إضافيًا من المصداقية وتجعل اكتشافه أكثر صعوبة من الخبر المختلق بالكامل.
وبيّن أن تكرار الرواية نفسها عبر عدة حسابات قد يخلق لدى المتلقي انطباعًا بوجود مصادر مستقلة تؤكد المعلومة، بينما يمكن أن تكون الحسابات جزءًا من دائرة تضخيم واحدة.
وأوضح أن تحليل العلاقات بين الحسابات، وتوقيتات النشر، ومسار انتقال المحتوى، يساعد في تحديد الحسابات التي تنتج الرسالة وتلك التي تتولى إعادة توزيعها وتضخيمها.
كشف الحسابات المنتحلة
بحسب الخبراء الذين تحدث إليهم “يمن ديلي نيوز”، فإن التحقق من هوية الحساب لا ينبغي أن يعتمد على الاسم والصورة أو العلامة الزرقاء وحدها.
وتشمل أبرز المؤشرات التي يمكن فحصها تاريخ إنشاء الحساب، واسم المستخدم، والمنشورات القديمة، وطبيعة اللغة المستخدمة، وتوافق المواقف المنشورة مع المواقف المعروفة للشخصية، إلى جانب البحث عن الحساب من خلال المصادر الرسمية أو الحسابات التي سبق للشخصية الإعلان عنها.
ومن المؤشرات المهمة أيضًا وجود فجوة بين الهوية المعلنة والسلوك الرقمي؛ فقد يحمل الحساب الاسم والصورة نفسيهما، لكنه يفتقر إلى التاريخ الرقمي المتوقع لشخصية عامة، أو يبدأ فجأة في نشر مواقف سياسية حساسة، أو ينشط بصورة استثنائية بالتزامن مع حدث عسكري أو حملة إعلامية.
ويوصي المختصون كذلك بالبحث عن المعلومة خارج الحساب الذي نشرها، ومقارنتها بمصادر مستقلة، والتحقق من الصور ومقاطع الفيديو باستخدام أدوات البحث العكسي، وعدم التعامل مع إعادة نشر المعلومة من حسابات عدة باعتبارها دليلًا على صحتها.
ويحذر الخبراء الذين تحدثوا لـ”يمن ديلي نيوز” من أن وسائل الإعلام نفسها قد تتحول، دون قصد، إلى جزء من دورة التضليل عندما تنقل منشورًا صادرًا عن حساب منتحل دون التحقق أولًا من هوية صاحبه.
وفي هذه الحالة يمكن أن تبدأ الدورة بحساب مزيف ينتحل اسم شخصية حقيقية، ثم ينشر تصريحًا أو معلومة مختلقة، قبل أن تنقلها وسيلة إعلامية باعتبارها منشورًا صادرًا عن تلك الشخصية، ثم تعود الحسابات المنتحلة إلى الاستشهاد بالتغطية الإعلامية باعتبارها مصدرًا مستقلًا يؤكد صحة ما نشرته.
وتتحول بذلك المعلومة من “منشور مشكوك فيه” إلى “خبر منشور في الإعلام”، ثم تعود إلى منصات التواصل الاجتماعي بصورة تمنحها شرعية إضافية، رغم أن أصلها لم يخضع للتحقق.
ويرى رئيس منصة “مسند” لتدقيق المعلومات المضللة أحمد الأشول في معرض حديثه لـ”يمن ديلي نيوز”، أن التعامل مع هذا النوع من التضليل يتطلب فحص ثلاث طبقات في الوقت نفسه: هوية الحساب، وصحة المعلومة التي ينشرها، وشبكة الحسابات التي تعمل على تضخيمها.
وقال إن الجمع بين هذه المستويات يساعد على التمييز بين الانتحال الفردي والنشاط التضليلي المنظم.
تضليل لا يتوقف
يشير الأشول إلى أن الحسابات الوهمية وحملات انتحال الهوية تظهر بين مختلف الأطراف اليمنية المتصارعة، وأن استخدام حسابات بأسماء وهويات مختلفة قد يستهدف التأثير في النقاش العام وتوجيه الرواية المتداولة.
غير أن الحالات التي رصدها “يمن ديلي نيوز” في هذا التقرير، تبرز بصورة خاصة استخدام أسماء شخصيات عسكرية وسياسية ووطنية معروفة في نشر مواقف مؤيدة لجماعة الحوثي أو تخدم سرديتها، الأمر الذي يجعل التحقق من مصدر الرسالة ضرورة لا تقل أهمية عن التحقق من مضمونها.
وفي ظل التصعيد العسكري، لا تصبح سرعة النشر وحدها معيارًا للسبق الصحفي، بل تتحول القدرة على التحقق من هوية المصدر إلى جزء أساسي من العمل المهني، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحسابات تحمل أسماء قيادات عسكرية أو سياسية يمكن أن تؤثر منشوراتها في فهم الجمهور لمجريات الأحداث.
وتظهر عملية الرصد أن انتحال الهوية لا يمثل الغاية النهائية لهذه الحسابات، بقدر ما يشكل مدخلًا لاكتساب الثقة وتمرير الرسائل ثم تضخيمها عبر حسابات أخرى.
وفي ظل تصاعد الأحداث، يصبح التحقق من هوية المصدر خطوة تسبق التحقق من المعلومة نفسها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسماء عسكرية وسياسية ذات تأثير في الرأي العام.
ظهرت المقالة تزوير الهوية لتمرير الشائعة.. كيف تُستغل أسماء الرموز اليمنية في الحرب الإعلامية؟ أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.