عَرفت مدينة عدن النظام التعليمي منذ أكثر من مئة عام، وبذلك شكّلت هذه المدينة أنموذجًا يُحتذى به في تطوّر التعليم وتجويد مخرجاته، مما أكسبها شهرة واسعه في بقية الأقطار العربية، وصارت عدن قبلةً لروّاد العلم والثقافة، حتى أصبحت مدارس عدن بجميع مراحلها تكتظ بالطلبة والطالبات من عدن وخارجها، بل حتى من الدول المجاورة، التي كانت ترسل أبناءها مواطنين وأمراء للدراسة في مدارس المدينة. بعد مئة عام ونيّف، ونتيجة لأسباب مركّبة، تراجع النظام التعليمي في عموم اليمن بما في ذلك العاصمة عدن رغم تضاعف أعداد المدارس والثانويات فيها، فكما يُقال “العبرة ليست بالكم، بل بالكيف”، وأصبحت مدارس اليوم طاردة للطلاب، وتعاني من ظواهر دخيلة عليها بما في ذلك ظاهرة تسرّب الطلاب والطالبات من مدارسهم وثانوياتهم، وتركهم للتعليم والبحث عمّا هو أفضل منه حسب تصورهم.
يوضّح تقرير مخيف لمنظمة “يونيسيف” أن الحرب في اليمن أعاقت 8.1 مليون طفل من حصولهم على حقّهم في التعليم، مما يُعرِّض مستقبلهم للخطر، وذلك بعد تحذير الأمم المتحدة من أنّ نظام التعليم في البلاد على حافّة الانهيار بعد تعرض 2700 مدرسة للدمار أو الضرر، وتسرّب أكثر من 2.7 مليون طفل من التعليم بسبب الصراع.
ويبدو أن ظاهرة تسرّب الطلاب والطالبات في عدن بعد الحرب الشاملة التي اندلعت في عام 2015 قد تغلغلت وتوسّعت في المجتمع بصمت مُريب، حتى صار النظام التعليمي برُمّته يعاني منها من دون أن يعمل على البحث عن حلول، أو يكلّف نفسه بالبحث عن أسبابها، أو الحديث عنها، على الأقل، كظاهره تنخر التعليم من الداخل وتزعزع أركانه.
أكتب هذه الكلمات والأسى يعتصر قلبي، وأنا أرى وأسمع انتشار هذه الظاهرة بين أبنائنا وبناتنا الذين نعوّل عليهم في بناء الوطن؛ لذا قرّرت أن أُضيء شمعة وسط هذا الظلام الذي سيسدّ الأفق إن استمرّت ظاهرة التسرّب من التعليم، سأدقق فيها أكثر، وأبحث عن الأسباب والحلول، وتقديم التحذيرات اللازمة من الظلام الذي ينتظرنا جميعًا إن غضضنا الطرف عن هذه الظاهرة من دون أن نحرك ساكنًا، ونحن نرى سفينة التعليم تتهاوى أمام أعيننا.
يُعرَّف التسرّب من التعليم بأنّه خروج الطلاب والطالبات من المدارس وتركهم العملية التعليمية بشكل نهائي. وتُعدّ هذه الظاهرة موجودة بدرجات متفاوتة في مختلف دول العالم، إلا أنّ خطورتها تتضاعف عندما تظهر في مدن عُرفت تاريخيًا بريادتها التعليمية. ومن هذا المنطلق، يُثير تصاعد معدّلات التسرّب في مدينة عدن قلقًا بالغًا، وهي التي طالما تباهت باحتضان مدارسها لعشرات الآلاف من الطلاب الساعين إلى العلم والمعرفة.
تعدّدت أسباب هذه الظاهرة، لكن أبرز تلك الأسباب هو الحرب، والفقر المتفشّي الذي طرق أبواب كل بيت عدني، والذي تسبّب في خروج الطلبة والطالبات للبحث عن عمل، تلاه نقص المعلّمين والإضرابات المتكرّرة للمدرسين التي جعلت المقتدرين ماديًا وحدهم يواصلون تعليمهم في المدارس الخاصة.
ورغم تعدّد أسباب التسرّب من التعليم، فإن النتيجة واحدة وخطيرة، تتمثّل في نشوء جيل متسلّح بالجهل بدلًا من العلم، سهل الاختراق والاستقطاب ومتعدّد الانحرافات، فالجهل –كما قيل– وراء كثير من الأخطاء والانحرافات. وما نشهده اليوم، وما قد نشهده مستقبلًا، من انتشار الجماعات المسلحة والفوضى وأعمال البلطجة، ليس إلا جزءًا من مخرجات هذا التسرّب المتراكم عبر السنوات. كما أن ارتفاع معدلات الجريمة وتراجع الاقتصاد الوطني يرتبطان بشكل مباشر بهذه الظاهرة، التي ما تزال نسبتها في تزايد مستمر عامًا بعد آخر، حتى باتت تدقّ ناقوس الخطر.
ويرى المختصّون في مجال التعليم أن توفير حوافز للمعلمين، وتحسين المناهج والأنشطة المدرسية وتقديم تغذية مدرسية، وتفعيل القوانين التي تمنع عمالة الأطفال، والإلزام بالتعليم الأساسي هي أبرز الحلول والإجراءات الطارئة التي بإمكانها أن تجذب الطلاب وتحدّ من تسرب الطلاب من التعليم.
رغم أن الوقت يمضي سريعًا، يؤكّد ما عرضناه من تراجعٍ تاريخي في مكانة التعليم بعدن، وارتفاع معدّلات التسرّب بفعل الحرب والفقر وضعف البيئة المدرسية، أن الأزمة لم تعد تحتمل التأجيل أو المعالجات الشكلية. وما لم تُبادر وزارة التربية والتعليم، ومعها مكتبها في عدن، إلى تنفيذ خطة عاجلة تتضمّن دعم المعلمين، وتحسين بيئة المدارس، وتفعيل القوانين المُلزمة بالتعليم، وتقديم حوافز حقيقية تُبقي الأطفال على مقاعد الدراسة، فإن المدينة ستفقد أعظم ما عُرفت به: ريادتها التعليمية ورأسمالها البشري. إنّ إنقاذ التعليم اليوم واجب وطني وأخلاقي، وأيّ تأخير يعني اتساع دائرة الجهل والفقر والعنف. هذه دعوة صريحة لصنّاع القرار؛ كي يتحوّل الوعي بالمشكلة إلى إرادة تنفيذ، قبل أن يصبح التعليم تاريخًا غابرًا وحسب.
The post صرخة من المستقبل.. الجهل ينشر رداءه في عدن! appeared first on منصتي 30.
أخبار ذات صلة.