الكتابة على أوراق العملة.. احتجاج صامت يكشف تصاعد الرفض الشعبي في مناطق الحوثي
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة

حين ضاق الفضاء العام في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، ولم يعد متاحا للسكان التعبير عن رفضهم في الشارع أو على منصات التواصل، وجد بعضهم في أوراق النقد مساحة صغيرة لقول ما لا يستطيعون قوله علنا.

 على أوراق مالية تتنقل بين الأيدي في الأسواق والمحال ووسائل النقل، بدأت تظهر عبارات قصيرة مناوئة للحوثيين، تطالب بإسقاط سلطتهم، وإنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، في شكل جديد من أشكال الاحتجاج الصامت الذي يصعب على أجهزة المليشيا تعقب مصدره.

 وتتعدد أساليب اليمنيين في التعبير عن رفضهم لسلطة الحوثيين، بقدر ما تتعدد أشكال التضييق التي تمارسها المليشيا على حرية الرأي والتعبير، بهدف إسكات الأصوات المعارضة، ومنع كشف أزماتها الاقتصادية والمعيشية، وتثبيت سيطرتها على المناطق الخاضعة لها بقوة السلاح.

 وخلال السنوات الماضية، سخرت المليشيا إمكاناتها لبناء سلطة قمعية تمنع أي حركة شعبية أو تعبير اجتماعي قد يهدد نفوذها، الأمر الذي دفع السكان إلى البحث عن وسائل بديلة وآمنة نسبيًا لإيصال رسائلهم.

 متنفس أخير

 يعيش السكان في المحافظات غير المحررة تضييقا واسعا على حرية الرأي والتعبير، إذ ترصد مليشيا الحوثي نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أشكاله، ليجد كثيرون أنفسهم عرضة للاعتقال بسبب تعليق أو منشور أو حتى تفاعل بسيط على منصة فيسبوك.

 في هذا المناخ، تحولت الكتابة على أوراق النقد إلى متنفس محدود، لكنه بالغ الدلالة، يتيح للناس تمرير رسائل قصيرة تتنقل من يد إلى أخرى، بعيدا عن العيون الأمنية المباشرة.

 يقول أبو عدي، وهو اسم مستعار لمواطن يقيم في صنعاء، إنه تمكن للمرة الأولى منذ انقلاب الحوثيين من التعبير عن رأيه ضد الفساد والظلم الذي يتعرض له السكان في مناطق سيطرة المليشيا.

 ويضيف في حديثه لـ "الصحوة نت" أنه كتب عبارات مناوئة للحوثيين على عدد من الأوراق النقدية قبل أن ينفقها في السوق، بهدف تعميم هذه الرسائل وإيصالها إلى آخرين.

 ويوضح أن كتاباته تنوعت بين رسائل موجهة للمجتمع، وأخرى تطالب بإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، إلى جانب عبارات قصيرة تفضح، بحسب قوله، فساد المليشيا وتندد بممارساتها.

 ويقول أبو عدي: "لم يترك لنا الحوثيون متنفسا من الحرية حتى للاحتفال بمناسباتنا الوطنية. أغلقوا كل الأبواب في وجوهنا، وحولوا صنعاء إلى سجن كبير نتعرض فيه للخنق كل يوم، وما زالوا يسعون لمصادرة حقنا حتى في الشعور بالجوع".

 ويضيف: "الكتابة على العملات ليست مجرد حملة عابرة على وسائل التواصل، بل محاولة من الناس لاستعادة حقهم في رفض الواقع الذي فرضته الجماعة عليهم. إنها الطريقة الوحيدة المتاحة لنا اليوم للتعبير عما نعيشه، وللتواصل فيما بيننا كمجتمع مسحوق يتشارك القهر ذاته".

 ويشير أبو عدي إلى أنه لم يشعر بأهمية ما يفعله إلا حين وصلت إلى يده ورقة نقدية من فئة ألف ريال مكتوب عليها: "سقوط مليشيا الحوثي مطلبنا".

 ويقول: "حينها شعرت أنني أستطيع التواصل مع آخرين لا أعرفهم، وأن رسائلي يمكن أن تصل إلى الناس حتى من دون أن يعرف أحد هوية المرسل أو مكانه".

 ويرى أن هذا التواصل غير المباشر بين أفراد المجتمع يخلق شكلًا من أشكال التضامن، حتى وإن ظل ضمنيًا، لأنه يكشف أن مشاعر الرفض لم تعد فردية أو معزولة، بل مشتركة بين كثيرين.

 ويضيف: "هذه الطريقة تكشف حجم الخوف من السلطة القمعية التي فرضها الحوثيون علينا طوال السنوات الماضية، فنحن نختبئ خلف أوراق النقد لنقول رأينا. لكنها تمنحنا في الوقت نفسه شيئًا من الطمأنينة، حين ندرك أن الناس ما زالوا يقاومون، وما زالوا يحاولون تحرير أنفسهم، حتى وإن كانت محاولاتهم بسيطة وضعيفة، لكنها تجعلنا نشعر أننا ما زلنا على قيد الحياة".

تعبير اجتماعي

 
ورغم أن الكتابة على أوراق النقد تبدو، في ظاهرها، فعلًا فرديا محدودا، فإن مراقبين يرون أنها قد تتحول إلى تعبير اجتماعي أوسع عن الرفض، خصوصا في مجتمع أُغلقت أمامه مساحات الاحتجاج التقليدية.

 وفي هذا السياق، يرى الصحفي حسام المحجري أن القيود التي يفرضها الحوثيون على السكان هي التي تدفع الناس إلى البحث عن مساحات بسيطة للتعبير، حتى وإن بدت هذه التعبيرات محدودة أو عابرة.

 ويقول المحجري لـ"الصحوة نت" إن خطورة هذه المساحات لا تكمن في شكلها الحالي فقط، بل في احتمال اتساعها وتحولها من مجرد متنفس للمقهورين إلى تعبير اجتماعي أوسع عن الرفض.

 ويضيف: "اعتاد الحوثيون تقديم أنفسهم بوصفهم جماعة تواجه خطرًا خارجيًا وعدوانًا، وهي رواية مكّنتهم من تحويل الصراع إلى معركة دفاع عن الجماعة واستنفار أنصارها. لكن حين يبدأ الرفض في الظهور من داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم، تتغير طبيعة المعادلة بصورة جوهرية".

 ويوضح أن التحدي عند هذه النقطة لا يعود محصورًا في حماية سلطة المليشيا من الخارج، بل يصبح متعلقًا بحمايتها من المجتمع نفسه.

 ويتابع: "أهمية هذه التعبيرات البسيطة أنها تمنح المقهورين مساحة للتنفيس، لكنها في الوقت ذاته تجعل الناس يدركون أن شعورهم بالرفض ليس فرديًا كما كانوا يعتقدون. ومع استمرارها، يمكن أن تتحول المساحة الصغيرة إلى نقطة التقاء اجتماعية يتعرف فيها الناس إلى بعضهم بوصفهم شركاء في المشكلة نفسها".

 ويرى المحجري أن هذا النوع من التعبير يمكن أن يبدأ بتغيير وعي أولئك الذين جرى دفعهم طويلًا إلى تفسير كل ما يحدث من خلال الرواية التي كرّسها الحوثيون.

 ويقول: "حين يرى المخدوعون أن الاحتجاج لا يأتي من الخارج فقط، وأن هناك شيئًا يتغير داخل المجتمع نفسه، يبدأ السؤال بالظهور: إذا كان كل شيء على ما يرام، فلماذا يتزايد هذا الرفض؟".

 ويشير إلى أن ردة فعل الحوثيين تجاه هذه التعبيرات قد تصبح جزءًا من المشكلة. فإذا اختاروا القمع المفرط في مواجهة رسائل اجتماعية محدودة، فإنهم قد يكشفون من حيث لا يريدون حجم القلق الذي تثيره هذه الرسائل داخل منظومتهم.

 ويضيف: "القوة التي تُستخدم لإثبات السيطرة قد تظهر عندئذ بوصفها دليلًا على هشاشة هذه السيطرة".

 ويخلص المحجري إلى أن أخطر ما قد يواجهه الحوثيون ليس بالضرورة حركة منظمة أو مواجهة مسلحة، بل لحظة يبدأ فيها المجتمع، من داخله، باكتشاف قدرته على قول "لا".

 ويقول: "حينها يتغير اتجاه الصراع من سلطة تزعم أنها تحمي نفسها من الخارج، إلى سلطة تضطر إلى حماية نفسها من الداخل".

 مصادرة الكلمة

 منذ انقلابها على الدولة في 21 سبتمبر/أيلول 2014، فرضت مليشيا الحوثي قيودًا واسعة على حرية الرأي والتعبير، ومنعت السكان من التظاهر السلمي، ولاحقت أجهزتها الأمنية الأصوات المعارضة، في محاولة لمصادرة حق المجتمع في التعبير عن قضاياه وحقوقه.

 وتقول المحامية والناشطة الحقوقية أمل علي إن مليشيا الحوثي صادرت، في مناطق سيطرتها، حق السكان في التعبير، ومارست انتهاكات واسعة لتقييد حرية الرأي.

 وتضيف في حديثها لـ"الصحوة نت" أن المليشيا فرضت قيودها على الفضاء المدني عبر الترهيب، والاعتقال التعسفي، والملاحقات القضائية، والإخفاء القسري، واستهداف الناشطين والإعلاميين والصحفيين بصورة مباشرة، في تحدٍّ للمواثيق والتشريعات الوطنية والدولية التي تكفل حرية الرأي والتعبير.

 وترى علي أن لجوء السكان إلى الكتابة على العملات النقدية يؤكد أن وسائل التعبير التقليدية والإلكترونية أُغلقت في وجوههم، ما دفعهم إلى ابتكار وسيلة رمزية للاحتجاج وإيصال أصواتهم.

 وتوضح أن تداول العملة بين الناس يمنح هذه الرسائل قدرة على الانتشار، ويجعل تتبع مصدرها أكثر صعوبة، الأمر الذي يحولها إلى مساحة آمنة نسبيًا للتعبير عن رفض الانتهاكات التي تمارسها المليشيا.

 وتقول: "هذه العبارات المكتوبة على أوراق النقد ليست مجرد كلمات عابرة، بل رسائل احتجاج تكشف حجم الاحتقان داخل المجتمع، وتؤكد أن مصادرة الكلمة لا تلغي الرفض، بل تدفعه إلى البحث عن طرق جديدة للظهور".

 وبين الخوف من الملاحقة والرغبة في التعبير، تتحول أوراق النقد في مناطق سيطرة الحوثيين إلى ما يشبه اللافتات الصامتة. لا تحمل أسماء أصحابها ولا وجوههم، لكنها تتنقل بين الناس كرسائل صغيرة تقول إن القهر لم يلغِ الرفض، وإن المجتمع الذي صودر صوته ما زال يبحث عن طريقته الخاصة لقول كلمته.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية