يذكر التاريخ أنه في عام 1935م أسس الأستاذ النعمان (الأب) في ذبحان "مدرسة الحجرية"، كأول مدرسة تعلّم المناهج الحديثة من جغرافيا وتاريخ وحساب إلى جانب العلوم التقليدية، ولها طابور صباحي ومناشط تعليمية لم يكن اليمنيون يعرفونها إلا من سافر منهم خارج البلد، لكن هذا التوجه لم يرق لسلطة الإمام الكهنوتي "يحيى حميد الدين" الذي اعتبر المدرسة خطراً يهدد سلطته، وتخوّف من نشر الوعي والأفكار التنويرية والأناشيد الوطنية بين الطلاب، مما دفعه للتضييق على المدرسة وطرد معلمها الرئيسي وملاحقة النعمان.
مثلت الحادثة وصفاً كاملاً لتوجه الإمامة لمحاربة كل جهد ينتشل الناس من دائرة الجهل التي فرضها الإمام على اليمنيين في محاولة لمنعهم من مقاومته والثورة عليه، وقد خاب ظنه ووجدت الإمامة نفسها منبوذة مرمية في مزبلة التاريخ بعد أقل من ثلاثة عقود على هذه الحادثة.
نستعيد هذا الحدث التاريخي وأبناؤنا يستعدون لخوض جولة جديدة في معركة العلم والوعي وهم يدلفون أبواب عام دراسي جديد يعوّل عليه أن يصنع فارقاً في تفكيرهم العلمي والفكري والمهاري، وبهذا الوعي المتراكم يعبرون مسالك الحياة بعقول نيّرة لا تقبل الجهل ولا الاستغفال، وتفعل قواعد التفكير الناقد المبني على حقائق منطقية يحضر فيها دور العقل وتختفي الخرافة والتبعية العمياء التي تزهر في المجتمعات الجاهلة، وتنمو وتورق حين يتحول التعليم من أداة لتحرير العقل إلى وسيلة لإلغائه وتغييبه خدمة لجماعة سلالية طائفية تعتقد في قرارة نفسها أن تحرر العقول ومقاومة التجهيل كفيل بالتخلص من مشروعها وخرافاتها وهرقطاتها لأبد الآبدين.
منذ انقلابهم المشؤوم يحاول الإماميون الجُدد السير على نهج جدودهم في نشر الجهل وتغذيته تحت أقنعة وعناوين يبدو ظاهرها مغلفاً بشعارات "التربية والتعليم"، بينما يسعون في الحقيقة لتحويل الجيل إلى نسخة مهجنة تعتقد أن البلد وما يدب فيها وما خلق عليها كله موجه لخدمة السلالة وتمجيدها وتقبيل ركبها، بالإضافة إلى سعيهم لتجريف الهوية اليمنية الأصيلة وتزوير التاريخ بهدف سلخ اليمنيين عن عمقهم الحضاري والقومي العريق، وإحلال هوية جديدة دخيلة مستوردة تسعى لجعل اليمني تابعاً ذليلاً لنظام الملالي دون تفكير ولا تقدير.
اليوم ونحن نستقبل عاماً دراسياً ندرك جيداً أنه ليس من المنطقي بمكان الحديث عن استعادة الدولة اليمنية المختطفة دون السير الحثيث في طريق تحرير الجيل فكرياً من قيود الخرافة الكهنوتية، وما النصر العسكري إلا ثمرة ناضجة لمعركة الوعي التي تحتضنها القاعات الدراسية في المدارس والمعاهد والجامعات، فالجيل الذي يتسلح بالعلم وينبذ الجهل ويحاربه يغدو من المستحيل على هذه الجماعة الطائفية المارقة أن تروّضه أو تعيد إخضاعه ليتقبل خرافاتها، وهاهي جولة جديدة في معركة الوعي توشك على الانطلاق في مدارسنا العامرة بالشغف والتفاؤل والدافعية، ومن الحكمة أن نتعامل معها كمعركة مصيرية لا سبيل فيها ولا خيار إلا للظفر المؤزر المضمون.
دمتم سالمين.