حين يصبح السبق الصحفي “نيران صديقة”.. 8 تغطيات غيرت مسار المعارك لصالح الخصوم
أهلي
منذ ساعة
مشاركة

تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: يُعد الاعلام سلاح رديف الى جانب الأسلحة النارية في أرض المعركة، ويمارس مهامه قبل انطلاق المعركة وأثنائها وبعدها.

وتكمن أهمية وخطورة هذا السلاح في أنه يتعدى ميدان المعركة الى ما هو أبعد، فيصنع الانتصارات، ويبث الهزائم والرعب في صف الخصوم، لكنه قد يتحول الى سلاح معلوماتي يتسبب في خسائر ثمنها باهض.

يحدث ذلك عندما تتحول الكلمة والصورة الى معلومة عسكرية هامة، يحصل عليها الخصم مجاناً وبدون عناء، وكل ذلك لأن هاو أو قناة أو وسيلة إعلامية قدمت السبق الصحفي على الاستراتيجية العسكرية.

في هذا التقرير يسرد “يمن ديلي نيوز” ثمان قصص لعمليات عسكرية وأمنية في العالم تحولت التغطيات الإعلامية من سبق صحفي هدفه الوصول إلى المتابع، إلى مصدر معلوماتي مهم للعدو تسببت في تغيير مسار العملية.

وتزداد الخطورة اليوم نتيجة حمل الجنود للهواتف الذكية والتطبيقات التي لديها خاصية البث المباشر، حيث يتم ضخ سيل من المعلومات المباشرة من أرض المعركة دون وعي.

بي بي سي.. وكارثة السبق الإعلامي

أثناء النزاع العسكري بين بريطانيا والأرجنتين، خططت القوات البريطانية لهجوم مفاجئ ولأول مرة على موقع أرجنتيني حصين في منطقة “جوس جرين”.

قامت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ببث خبر مفاده أن “الكتيبة الثانية من القوات المظلية البريطانية تتهيأ للزحف واقتحام جوس جرين”.

 سمع القادة الأرجنتينيون الخبر عبر الراديو، فقاموا فوراً بتعزيز مواقعهم، وحفر خنادق إضافية، وجلب قوات دعم.

عندما وصلت القوات البريطانية، وجدت العدو في كامل جاهزيته، مما أدى لمواجهة دامية للغاية ومقتل قائد الكتيبة البريطانية “هربرت جونز” وعدد من جنوده قبل حسم المعركة.

 “سي إن إن” وحرب الخليج الثانية

في العام 1991 أثناء الحرب الخليجية الأولى، وفي معركة “الخفجي”، منطقة شرق المملكة العربية السعودية على حدود دولة الكويت، كانت حينها شبكة “سي إن إن” الأمريكية، هي الوسيلة الإعلامية الحصرية في التغطيات الإعلامية الأولى المباشرة في تاريخ الحروب.

كان المراسلون ينقلون مشاهد سقوط صواريخ “سكود” العراقية على المدن، وكانوا يحددون على الهواء مباشرة مكان سقوط الصاروخ بالتحديد (سقط على بعد كذا من مكان كذا، او سقط في منطقة فارغة).

استغل الجيش العراقي الذي يتابع الأخبار هذه المعلومة ويتلقى هذه التقييمات اللحظية ثم يقوم بـ”تصحيح الرماية”، فيقوم فوراً بتعديل إحداثيات ومستويات إطلاق الصواريخ التالية لتسقط بدقة في الأهداف سواء من القواعد العسكرية او في المدن، مما دفع القوات الأمريكية لمنع الإعلام من تحديد أماكن السقوط فوراً.

 معركة مطار “أنطونوف”

في الساعات الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية، نفذت قوات المظليين الروسية عملية إنزال جوي خاطفة للسيطرة على مطار “هوستوميل” القريب من كييف لتشكيل جسر جوي.

قام مراسل قناة “سي إن إن” أيضا بالاقتراب من جنود الإنزال والحديث معهم والبث المباشر من داخل المطار، موضحاً تحديداً من يسيطر على موقع المطار وفي أي نتوء تتمركز القوات.

اعتقد الروس أن ذلك السبق الإعلامي سيكون بمثابة الحرب النفسية على الأوكرانيين وأيضا لرفع معنويات الروس، لكن ما حدث كان العكس.

استغلت القوات الأوكرانية هذا البث لتحديد مواقع الجنود الروس بدقة وتحديد القوة التكتيكية المتواجدة، ووجهت ضربات مدفعية وصاروخية مكثفة للمطار، مما عطل المخطط الروسي.

الجنود وظاهرة “البث الحي” في مواقع التواصل

مع انتشار الهواتف الذكية والتطبيقات التي لديها ميزة البث الحي مثل “تيك توك، تلغرام، وفيسبوك” زادت خطورة هذه التطبيقات على سير المعارك وحياة الجنود، لتتحول تلك الهواتف من صديق الى عدو قاتل.

وهناك نماذج كثيرة للحروب الحالية التي وقع فيها بعض الجنود أو الضباط في أخطاء قاتلة دفعوا حياتهم وزملاءهم ثمنا لها، في أوكرانيا وفي السودان، وفي سوريا، وفي اليمن وغيرها من البلدان التي تشهد صراعات دامية.

قصف معسكر في اوكرانيا

قام بعض المتطوعين الأجانب والجنود بنشر فيديوهات وسيلفي بث مباشر من داخل القاعدة القريبة من الحدود البولندية.

 استغلت الاستخبارات الروسية المعالم الظاهرة في البث وتحديد الموقع الجغرافي وتم قصف الموقع بسلسلة صواريخ مجنحة أدت لمقتل العشرات.

تسريبات تطبيق “سترافا”

في حادثة مشابهة لكنها هذه المرة لم تكن أرض معركة، لكنها كشفت أسرار عسكرية هامة عن القواعد الأمريكية، في عام 2018، نشر تطبيق “سترافا” المخصص للرياضة خريطة حرارية مباشرة لأنشطة مستخدميه على مستوى العالم.

 استغل الخبراء العسكريون هذا البث الحراري الحي لتحديد القواعد العسكرية السرية للولايات المتحدة في أفغانستان وسوريا ومناطق أخرى، حيث ظهرت مسارات ركض الجنود داخل القواعد بوضوح تام وسط مناطق صحراوية مظلمة.

تعليما صارمة في المعارك والمواجهات

أدت هذه الحوادث إلى إنشاء مفهوم تكتيكي صارم خاصة للجنود المقاتلين أثناء المعارك يُعرف بـ “الانضباط العملياتي والإعلامي” وبسببه أصبح من القواعد الصارمة، وأهمها مصادرة الهواتف الذكية ومنع أجهزة التتبع للجنود في خطوط المواجهة الأمامية.

ثم بعد ذلك تفرض قيادة الجيش حظراً إعلامياً كاملا أثناء سير العمليات النشطة، إضافة إلى فرض تأخير زمني على أي بث حي بحسب الحاجة والمصلحة.

نماذج أمنية.. أزمة الرهائن في المانيا

لم تكن هذه الأخطاء محصورة على أرض المعركة فقد حدثت أيضا أثناء عمليات أمينة أدت الى فشلها أو تسببت في تأخرها، في خطأ غير مقصود ارتكبته وسائل اعلام كبيرة وهي تبحث عن السبق الإعلامي.

عام 1988 قام مسلحان (ديتر دوشكي وهانس مايك) بسرقة بنك في “غادبيك” واحتجاز موظفين كرهائن.

الحادثة وقعت في ولاية شمال الراين- وستفاليا، واستمرت 54 ساعة تحولت خلالها إلى عملية مطاردة واحتجاز متحركة عبر عدة مدن ألمانية وهولندية، كان الخاطفون يطلبون من الشرطة فدية مقابل الافراج عن الرهائن.

أدى التغطية الإعلامية البث المباشر والتلفزيوني المكثف إلى نقل كل تحركات الشرطة وقناصيها على الهواء مباشرة.

استغل المجرمون البث وكانوا يستمعون لراديو صغيرة داخل الحافلة التي يتنقلون بها ما مكنهم من معرفة تحركات الشرطة، وتفاصيل المفاوضات، وردود الأفعال أول بأول.

كما تمكنوا من متابعة التلفزيون في محطة وقود، شاهدوا تحركات الشرطة وأماكن تمركز القناصة مما أدى لإفشال عدة محاولات للاقتحام.

حادثة أولمبياد ميونخ

في الساعات الأولى من فجر 5 سبتمبر/ أيلول 1972، اقتحم 8 مسلحون ينتمون لمنظمة “أيلول الأسود” مقر البعثة الإسرائيلية، واحتجزوا 11 رهينة، للمطالبة بالإفراج عن 234 اسيرا فلسطينياً وعربيا في السجون الإسرائيلية وشخص الماني.

وبعد الظهيرة، خططت الشرطة الألمانية لاقتحام الشقة عبر السطح والنوافذ. ارتدت عناصر الشرطة بدلات رياضية وحملوا أسلحتهم، لكن التغطية الإعلامية كانت تبث تحركاتهم مباشرة على الهواء.
 
 شاهد المسلحون أفراد الشرطة وهم يعتلون السطح عبر أجهزة التلفاز داخل الشقة، وهددوا بإعدام الرهائن فوراً، مما أجبر الشرطة على إلغاء الخطة والانسحاب على الهواء مباشرة.

اقتحام السفارة الإيرانية

تعد هذه العملية من أشهر العمليات، ففي عام 1980، اقتحم مسلحون ينتمون لـ “الجبهة الديمقراطية الثورية لتحرير عربستان” “إقليم الأحواز” واحتجزوا 26 شخصاً كرهائن بينهم دبلوماسيون إيرانيون وموظفون بريطانيون وحارس أمن، للمطالبة باستقلال إقليم عربستان والافراج عن 91 سجينا.

رفضت إيران الخضوع لمطالبهم كما رفضت الحكومة البريطانية منحهم ممرا آمنا، واستمرت عملية التفاوض نحو 5 أيام دون احراز أي تقدم.

 في اليوم الخامس بدأت القوات الخاصة البريطانية (ساس) بالنزول من السطح عبر الحبال لاقتحام المبنى من النوافذ.

 كانت قناة “بي بي سي” البريطانية تبث الأحداث مباشرة من الشارع، من بينها استعداد القوات للاقتحام من سطح المبنى.

رأى الخاطفون عبر التلفاز الموجود داخل السفارة رجال الشرطة والقوات الخاصة وهم ينزلون من السطح قبل ثوانٍ من وصولهم للشبابيك، مما أفقدهم عنصر المفاجأة وأدى لمواجهة إطلاق نار فورية داخل المبنى.

تُعرف هذه الهفوات الإعلامية بـ “المعلومات المفتوحة المصدر للخصم” وكانت سببا رئيسيا في تشريعات حديثة تمنع القنوات من البث الحي والمباشر لتكتيكات الشرطة أثناء عمليات الاقتحام وتفرض تأخيراً زمنياً بعد عدة دقائق تصل الى 30 دقيقة من العملية.

هذه الأخطاء تُدرّس اليوم في أكاديميات الشرطة والإعلام تحت مصطلح “أخلاقيات البث المباشر أثناء الأزمات الأمنية”.

ظهرت المقالة حين يصبح السبق الصحفي “نيران صديقة”.. 8 تغطيات غيرت مسار المعارك لصالح الخصوم أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية