كيف نستعيد الانتماء في زمن الحرب؟
مجتمع إنساني
منذ 16 ساعة
مشاركة

في قلب الجبال اليمانية الشاهقة، حيث تُعانق السحب قِمم “القَبَّيطة” وتنساب الحكايات بين أزقة الحارات ومنحدرات السيول، ثمّة إرث قديم أودعه الأجداد في بطون الأرض وسهولها وجبالها، وفي أقبية الدُّور العتيقة، لم يكن كنزا من ذهب أو فضة، بل قيمة وطنية أخلاقية عُظمى تُسمّى “الانتماء” للأرض، للتراب، للهوية. واليوم ونحن نمرّ في متاهات نفق الحرب المظلم حيث تآكلت جدران الثقة بين الطبقتين الحاكمة والكادحة الحالمة، وتفرّقت الولاءات وتعدّدت الاتجاهات، نجد أنفسنا أمام سؤال مصيري يتردّد صداه بمرارة على الضمير: كيف يُمكننا استعادة انتمائنا الوطني و”الأمانة” التي استودعها أجدادُنا لدينا، بعد أن شعرنا حقّا بأننا قد فرطنا فيها؟ وكيف يمكننا ترميم ما تبقى من ذلك “الولاء” والانتماء الذي تمزّق بين مخالب الاستقطاب السياسي وأنياب الحاجة؟.

إن ما نعيشه اليوم يتجاوز كونه صراعًا على السلطة. إنه تحول بنيوي أدّى إلى تذرّر المجتمع، فقد فقدت الهوية الوطنية دورها مرجعيةً عُليا ناظمة للسلوك، وحلّ محلّها الانتماء للفئات الضيقة. هذا التآكل حوّل الوطن في وعي المواطن مِن مظلّة حماية إلى ساحة صراع نُخبوي، مما أضعف العقد الاجتماعي الذي يربط الفرد بالدولة.

لقد نشأ لدى المواطن شعور مرير بالاغتراب عن مفهوم الوطنية، ما جعله يرى في مؤسسات الدولة ملكيات تخصّ النخبة الحاكمة التي تُدير الدولة، أو غنيمة بيد القوى المتسلّطة، حتى باتت تتردّد في الأسواق وعلى أرصفة الطرقات عبارات تقطر وجعًا ويأسًا، مثل “الدولة دولتهم” و”البلاد بلادهم”. هذا الاغتراب النفسي عن فكرة الانتماء الوطني لم يتوقّف عند حدود اللفظ فحسب، بل تحوّل إلى سلوكيات مُدمّرة جعلت الفرد يزهد في حماية الممتلكات العامة، بل يستبيحُها ويشارك في العبث بها، كنوع من الانتقام “اللا واعي” من السلطة التي لا تمثّله، فغاب الولاء الجامع للملكية العامّة وحلّ محلّه تقديس الأشخاص والكيانات وصارت الأعلام الفئوية ترفع فوق هاماتنا بينما علم الوطن يطويه غبار الإهمال.

إنّ هذا التآكل الفظيع في معنى الانتماء نتيجةٌ بائسة لسنوات من التغريب المُمنهج الذي مارسته القوى المتصارعة. فقد عملت الحرب على هدم “السردية الوطنية الجامعة” في عقول الأجيال الناشئة. وشهدنا كيف تلاعبت بعض الأطراف بالمناهج التعليمية وكيف استُبدلت الأناشيد الوطنية، التي كانت توحّد إيقاع القلوب، وتوجّه بوصلتها نحو شيء اسمه الوطن، بصرخات فئوية أو أناشيد مناطقية تزرع بذور التشتّت الفكري والانتماء المناطقي في صفوف الصغار قبل الكبار. ومع تباين المشاريع السياسية، وتعدّد السرديات حول شكل المستقبل، تشتّت وعي الجيل الناشئ بين شعارات ورموز متباينة، مما أضعف صورة الوطن الواحد في وجدانهم، وجعل الانتماء يبدو كأنّه خيارات سياسية متنازعة، بدلًا من كونه حقيقة وطنية جامعة تتجاوز اللحظة الراهنة.

لقد ضاع الجيل الصاعد في متاهات هذه الولاءات الصغيرة، وأصبح الانتماء الحقيقي يُقاس بمدى قربك من “القائد” أو انتمائك “للحزب” أو “المنطقة”، وصار الدفاع عن “الفصيل” مقدّمًا على الدفاع عن “الوطن”. هذا الانقسام السياسي الحادّ، المصحوب بغياب القدوة الوطنية الحقيقية، خلق حالة من اليأس والإحباط والانكفاء على الذات لدى المواطن، ما جعله يشعر بأن الدولة ليست سوى جهاز للجبايات أو أداة لقمع الحريات، فقرّر الانسحاب من دائرة المسؤولية العامّة إلى مربعه الخاص، ومن الشعور الجمعي إلى الرغبة في تحقيق المكاسب الشخصية، وإن كان ثمن ذلك هو الوطن، تاركًا الشوارع للنفايات، والمواقع الأثرية للنهب، والمؤسّسات للعبث، ظنّا منه أنه ينتقم من “النظام” أو “الفصيل” بينما هو في الحقيقة يطعن وطنه في مقتل، ويُعدِم مستقبله ومستقبل أطفاله بيديه.

وهنا يبرز التباس جوهري في وعي كثيرين: هل الوطن هو النظام السياسي القائم بمشاكله، أم هو الأرض والإنسان؟ إنّ الخلط بين “فشل الإدارة” وبين “قيمة الوطن” هو ما جعل المواطن يشعر بالاغتراب، وكأنّ البلاد أصبحت إقطاعية خاصة للنخب، مما دفعه للتنصّل من مسؤوليته تجاه الفضاء العام.

إن الحقيقة التي يغفل عنها كثير، وتتعمّد الطبقة السياسية تجاهلها، وربما طمسها، هي عدم تقديم المفهوم الحقيقي للوطن بوصفه “الأرض والإنسان”، فالنظم تتغيّر والوجوه السياسية تتبدّل، والمناصب لا تدوم، لكن الجبال والوديان تظلّ شامخةً تهتف للأجيال: من هنا مرّ الآباء والأجداد وهنا أقاموا! أما المرافق والمؤسّسات والمدارس والجامعات والمستشفيات والشوارع والطرقات، فإرثنا الباقي الذي لا يملكه حزب ولا زعيم ولا فئة.

إنّ استعادة هذا الانتماء المفقود يتطلّب منا العودة إلى موروثنا الثقافي والقيمي العريق، حول مفهوم “الأمانة تجاه الأرض”، تلك القيمة النبيلة المتأصّلة في تراثنا اليمني الأصيل، لا تُباع ولا تُشترى. فالمزارع اليمني القديم الذي نحت الجبال وحولها إلى مدرجات زراعية تُبهر العالم، لم يكن يفعل ذلك بأمر من سلطة أو حكومة، بل بدافع حبّ الأرض. إنّه الإحساس الفطري تجاه الأرض. إنه يرى في كلّ حجر يضعه في مكانه أمانة تسلمها من والده ليسلمها إلى ولده، ويدرك يقينًا أنّ إهمال حجر واحد في سور مزرعته خيانة لتاريخ أجداده. هذا النوع من “الأمانة الموروثة” هو ما نحتاجه اليوم لفكّ الارتباط الوجداني بين كراهية النخب وبين التنصّل من المسؤولية الوطنية، فالوطن ليس عقدًا سياسيًا متنقلا من شخص إلى آخر، أو صكّا مملوكا لفئة أو جماعة، بل هو “حِمى” مشتركة، وسماء مفتوحة تحلّق في فضائها قصص حيّة وذكريات خالدة لأجداد عظماء نصبوا الأوتاد في أعماق الأرض؛ كي يأتي الأحفاد ليرفعوها فوق عنان السماء. وإدراكنا لهذه الحقيقة هو ما يجعلنا نرى الشارع بيتنا والمدرسة روضتنا والموقع الأثري ميراث أجدادنا وإرث أبنائنا، لا مجرد ممتلكات لوزارة معينة أو جهة إدارية محددة.

ورغم قتامة الواقع الاجتماعي، تَبرز ومضات ملهمة تثبت أنّ جينات أبناء سبأ وتبع ما زالت تحمل هذه الأمانة، وتنبض في عروق كل يمني حر، متحدّية كل محاولات التقسيم السياسي والتفتيت الفئوي والتصنيف الطبقي.

ولنأخذ مثالا حيّا في رجال ونساء قرى مديرية القبيطة بمحافظة لحج (سابقاً تعز)، ففي ظل غياب الدولة وانشغال النخب بالصراعات السياسية، شقّوا طرقًا جبلية وعرة، وبنوا المدارس والخزّانات بجهودهم الخاصة وبإرادة ذاتية جَبّارة. هؤلاء البسطاء لم ينتظروا مناقصات الدولة ولا توجيهات الأحزاب والقادة، بل انطلقوا من إيمانهم العميق بأنّ الأرض أرضهم، وأن حماية المصلحة العامّة هي أمانة لا تقبل التأجيل والتسويف.

في المحافظة نفسها، برز نموذج فريد للمواطنة الحيّة، وذلك في المؤرّخ حامد ذلك الرجل الذي لم تمنعه الظروف من أن يكون حارساً لذاكرة الوطن، لقد نذر حياته لجمع كلّ ما يتعلق بالموروث اليمني من كتب نادرة وأشرطة كاسيت تحفظ أصوات الفنانين والشعراء. إن ما يفعله حامد هو فعل مقاومة ثقافية يسعى منه لحفظ خيوط الانتماء التي تشكّل وجداننا المشترك.

وفي المدن أيضاً، نرى مبادرات شبابية مماثلة، تتحدّى الظلام وتكسر الجمود بإنارة الشوارع وتشجير الأرصفة، ممارسين مواطنة أخلاقية تجعل الانتماء للوطن سلوكًا حقيقيًا، ولو كان بسيطًا، يبدأ من وضع القمامة في مكانها، ولا ينتهي بحماية المنشآت العامة، بل يتعدّى ذلك كفعل حضاري لصيانة الهوية. هؤلاء هم “أبطال الظل” الذين يذكروننا بأنّ اليمن الأمثل ليس في خطابات السياسيين، بل في سواعد الذين يرمّمون ما أفسدته أيادي الغدر. إنّهم يقدمون لنا درسًا بليغًا في “الولاء الوطني” ليست بشعارات ترفع في المناسبات، بل هي سلوك واقعي يحمي النسيج الاجتماعي من التمزّق والقيم من الاندثار.

وبمنطق المصلحة المشتركة، فإنّ تخريب الممتلكات العامة أو إهمال النظافة وتلويث البيئة عمداً أو جهلاً هو انتحار جماعي، لا يضرّ النخب العُليا التي يتحامل عليها البسطاء، بل يضرّ السواد الأعظم من عامة الناس، فالمستشفى الذي يتوقّف اليوم عن العمل بسبب إهمال هو نفسه المكان الذي قد نحتاجه غدًا لإنقاذ حياة عزيز، والمدرسة هي التي ستبني جيلًا يصنع المعجزات إن صلحت، وإن خربت خرّجت جيلا ضائعًا سيقودنا لمزيد من الحروب. المنطق يقول إنّ المصلحة العامة هي مجموع مصالحنا الخاصة، وحمايتها هي حماية لأنفسنا ومستقبلنا من الضياع.

أما بالعاطفة فليس هناك وجع أشدّ من الشعور باليُتم الوطني، فالانتماء للوطن هو حاجة إنسانية للاستقرار والأمان، وحينما نحافظ على تراثنا وبيئتنا، فنحن نحافظ على حاضرنا ومستقبلنا، بل وذاكرة ماضينا، وهو المعنى الذي يمنح حياتنا قيمة. إننا اليوم أمام خيار تاريخي، إما أن نستمرّ في إذكاء حالة الاغتراب التي تمزّق نسيجنا الاجتماعي وتجعلنا عرضة لصراعات مستقبلية وأدوات ووقود لصراعات الآخرين، وإما أن نقرّر بشجاعة الوقوف صفّاً واحداً أمام التحديات تجاه وطننا بعيداً عن التعصب الفئوي والصراع السياسي، وأن نفصل بين “الدولة” بالمفهوم السياسي السلطوي وبين الوطن أرضًا وانتماءً، وأن نجعل “الأمانة تجاه الأرض” بوصلتنا الأخلاقية التي تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار حزبي أو فئوي.

إنّ بناء جيل يؤمن بأنّ الأرض أمانة مقدّسة هو الضمانة الوحيدة لتحصين المجتمع من دعوات التفرقة وتقديس الأشخاص. ولا شكّ بأنّ الأشخاص تتغيّر والأنظمة تسقط، لكن الوطن هو “الأرض والإنسان” والحفاظ عليه ضرورة لا بد منها، لضمان مستقبل أجيالنا وارتباطها بجذورها وأصولها.  كما أنّ الأمانة تجاه الوطن التزام أخلاقي بخدمة الإنسان وتحقيق مصلحته. فاستعادة روح الانتماء هي استعادة لكرامة المواطن اليمني؛ لأنّ الوطن المعافى هو الضمانة الوحيدة لصحة الإنسان، وتعليم أطفاله، واستقرار حياته. إننا نحمي الأرض لنحمي أنفسنا، وننتمي للوطن لنضمن حقّنا في مستقبل كريم. إنّ مصلحة الإنسان اليمني تكمن في وجود وطن معافى، وبناء هذا الوطن يبدأ من إيماننا بأننا نحن أصحابه الحقيقيون، وأن خدمته هي أسمى صور الخدمة للذات وللآخر، فبقدر ما نصون أرضنا، نصون إنسانينا، وبقدر ما نراعى أهلنا، نراعى وطننا.

 

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

 

The post كيف نستعيد الانتماء في زمن الحرب؟ appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية