سبتمبر نت: مقال – صلاح القميري
إن تأكيد فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي على أن القضاء جزء أصيل من معركة استعادة الدولة وأحد أعمدتها في مواجهة مليشيات الحوثي، يؤكد أن المعركة ليست عسكرية وأمنية فحسب، بل هي في جوهرها معركة لاسترداد الشرعية وسيادة القانون، إذ لا تكتمل استعادة الدولة باستعادة الأرض والمؤسسات ما لم تستعد الدولة قدرتها على إنفاذ القانون وملاحقة الجريمة وتقرير المسؤولية وإنفاذ العدالة.
فالدولة لا تُستعاد بالبندقية وحدها. فالجيش يحمي الأرض والسيادة، والأمن يحمي المجتمع، بينما يحمي القضاء و سيادة القانون. ومن ثم فالسلطة القضائية مؤسسة سيادية لا تقل شأناً عن الجيش والأمن في معركة استعادة الدولة، لأن السلاح قد يستعيد أرضاً، لكن القانون هو الذي يمنح استعادتها معناها المؤسسي ويحولها إلى سيادة راسخة.
وفي مواجهة التمرد والانقلاب، لا تقتصر وظيفة القضاء على المسألة الجنائية بل تمتد إلى استعادة ولاية الدولة على الجريمة والعقاب. فالانقلاب يسعى إلى إحلال سلطة الجماعة الإرهابية المسلحة محل السلطة القانونية للدولة، ولذلك فإن فتح الملفات وتوثيق الجرائم، وحفظ الأدلة وملاحقة المسؤولين عنها، وإصدار الأحكام وإنفاذها، يمثل استرداداً عملياً لسيادة وكيان الدولة وسلطانها الدستوري القانوني التي سعى انقلاب مليشيات الحوثي الإرهابية إلى انتزاعها، وتأكيداً أن السيطرة المسلحة لا تنشئ شرعية ولا تحول الأمر الواقع إلى حق قانوني.
ومن هذا المنطلق، فإن الملاحقة القضائية لجرائم مليشيات الحوثي الإرهابية ليست مجرد استجابة لوقائع جنائية وإنما فعل من أفعال استعادة الدولة لسيادتها القانونية؛ فكل ملف يفتح وفق القانون هو استرداد لجزء من ولايتها ، وكل دليل يحفظ هو حماية لذاكرة العدالة، وكل مسؤولية تثبت بحكم قضائي هي إبطال لسلطة الإفلات من العقاب.
وتظل المسؤولية الجنائية شخصية، لا تقوم على الانتماء أو الخصومة، وإنما على فعل مجرّم تثبته الأدلة وفق الإجراءات القانونية. ومن ثم تمتد الملاحقة، على ضوء الأدلة لذلك، إلى الفاعلين والمحرضين والشركاء والمساهمين والممولين، مع التمييز بين الاتهام والإدانة، وصون حقوق المتهمين وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، تكتسب عبارة فخامة الرئيس «لا حصانة لمخرب ولا إفلات من العقاب» مضمونها القانوني؛ فلا قوة السلاح ينشئ حصانة ولا النفوذ يعطل القضاء، ولا يحول دون المساءلة، ولا للظروف السياسية أن تمحو الجرائم أو تهدر حقوق الضحايا، في حدود ما يقرره القانون. وفي المقابل، فإن قوة القضاء لا تقوم إلا على الشرعية الإجرائية واحترام ضمانات العدالة.
كما أن تحويل كل اعتداء إرهابي وكل جريمة جسيمة إلى ملف قانوني وقضائي مكتمل يمثل حفظاً للحقيقة وصيانة لحقوق الضحايا، ويمنع تحول الجرائم إلى وقائع منسية أو محصنة بمضي الزمن.
ومن هنا فإن بسط القضاء سلطانه القضائي يمثل فعلاً من أفعال استعادة الدولة؛ فالجيش يخوض معركة الميدان، والأمن يحمي المجتمع، والنيابة تحرك الدعوى الجزائية ، والقضاء يفصل في المسؤولية الجنائية ويصون سلطان القانون. وبهذا تتكامل مؤسسات الدولة في غاية واحدة: إعادة السلطة العامة إلى إطارها الدستوري والقانوني، ومنع القوة المسلحة من أن تحل محل الدولة.
وإن جوهر المعركة القضائية ليس الانتقام وإنما منع الماضي الإجرامي من أن يتحول إلى مستقبل محصّن من المساءلة؛ فالجريمة لا تصبح مشروعة بالتقادم، والقوة لا تتحول إلى شرعية، وحقوق الضحايا لا تسقط بتغير موازين القوى.
ولهذا فإن القضاء ليس مرحلة لاحقة لمعركة استعادة الدولة، بل إحدى جبهاتها السيادية وأدواتها الأساسية؛ فالمعركة العسكرية تستعيد الأرض،
أما المعركة القضائية فتستعيد معنى الدولة على الأرض، وتعيد رسم الحد الفاصل بين الشرعية والانقلاب،
وفي المحصلة، فإن انتصار الدولة لا يقاس بما تستعيده من جغرافيا فحسب، وإنما بما تستعيده من ولاية وسيادة وعدالة. فحين يستعيد الجيش الأرض، ويستعيد الأمن أمن المجتمع، ويستعيد القضاء ولايته، تكون الدولة قد قطعت شوطاً حقيقياً في استكمال استعادتها، وأسقطت آثار الانقلاب، واستردت سلطانها على الجريمة والعقاب.
فالقضاء جبهةٌ سيادية تُستعاد فيها الدولة بالقانون، وتُصان فيها الحقيقة بالعدالة، ويُغلق فيها الطريق أمام الجريمة والإفلات من العقاب.