بين نيران الحرب وطوق الحصار الذي تفرضه مليشيا الحوثي الإرهابية منذ عام 2015، تقف مدينة تعز شاهدة على واحدة من أبرز قصص الصمود الشعبي في اليمن المعاصر.
فمنذ عشرة أعوام، أغلقت المليشيا الشرايين الرئيسية المؤدية من المدينة وإليها، وواصلت قصف الأحياء السكنية واستهداف المدنيين، في محاولة لكسر إرادة المحافظة التي رفضت الخضوع لمشروع الانقلاب، وظلت متمسكة بهويتها كعاصمة للثقافة ورافد أصيل لمشروع الدولة والجمهورية.
وأمام محاولات شل الحياة اليومية، ابتكر السكان وسائلهم الخاصة للمقاومة والبقاء. سلكوا طرقا جبلية وعرة، واستعانوا بالدواب لنقل الغذاء والمستلزمات الطبية والمرضى، وسط مخاطر يومية جعلت أبسط تفاصيل التنقل معركة مفتوحة مع الحصار.
حياة من بين الركام

يروي المواطن عبد الكريم محمد، 48 عاما، لـ"الصحوة نت" جانبا من معاناته اليومية في التنقل بين قريته والمدينة، سواء للعلاج أو زيارة أقاربه، قائلا: "كنا نمر عبر طرق جبلية أشبه بالانتحار. رأيت بعيني شاحنات محملة بالمواد الغذائية والاستهلاكية تنقلب، ورأيت أشخاصا يفارقون الحياة وهم في طريقهم إلى مستشفيات المدينة، لكن رغم كل هذه المعاناة لم نفكر يوما في الاستسلام لمن يحاصرنا".
ولم يتوقف الحراك التعليمي والثقافي في تعز رغم القصف وإغلاق الطرقات، إذ واصل آلاف الطلاب الوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم عبر طرق بديلة شاقة وخطرة، فيما استمرت جامعة تعز في تخريج دفعات جديدة من الطلاب سنويا.
وفي شوارع المدينة وأحيائها، وجدت المهرجانات الثقافية والمعارض الفنية طريقها من بين الركام، في رسالة تؤكد أن تعز لم تكن تقاوم بالسلاح وحده، بل بالحياة والتعليم والفن أيضا.
ومع الانقطاع الكلي للتيار الكهربائي الحكومي، وتوقف محطات ضخ المياه الرئيسية منذ الأشهر الأولى للحصار، واجهت المدينة شبح الظلام والعطش بوسائل بديلة. غطت ألواح الطاقة الشمسية أسطح المنازل والمدارس والمستشفيات والبسطات التجارية الصغيرة، لتعيد شيئا من النبض إلى الحركة اليومية.
وفي ظل وقوع محطات الضخ الرئيسية في مناطق سيطرة الحوثيين، لجأ الأهالي إلى حلول بسيطة لتخزين مياه الأمطار وتنقيتها، في مواجهة ما يصفه مراقبون بسياسة التعطيش ومحاولات التركيع.
ويتجلى هذا الإصرار في أحياء الجحملية والشماسي وحوض الأشراف والحصب وغيرها من المناطق التي غيرت الحرب ملامحها العمرانية. فواجهات المباني التي مزقتها القذائف تحولت إلى محال وبسطات شعبية، وبقيت الحركة اليومية فيها شاهدا على قدرة السكان على تحويل الركام إلى مساحة للحياة.
مدنية المجتمع
تتمتع تعز بخصائص اجتماعية ومدنية جعلتها أكثر رفضا للمشروع الحوثي وفكرته القائمة على العنف والسلالة والطائفية، وفق أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز الدكتور محمود البكاري.
ويقول البكاري لـ "الصحوة نت" إن تعز تُعد من أكثر المحافظات اليمنية مدنية وتحضرا في مختلف المجالات، ولذلك يصعب عليها تقبل الأفكار التقليدية أو العنصرية أو السلالية أو الطائفية.
ويرى أن المحافظة تمتلك رصيدا نضاليا وطنيا في مسار بناء الدولة المدنية والمجتمع الحديث، إلى جانب دورها الفاعل في نشر العلم والثقافة في مختلف أنحاء اليمن، بما يعنيه ذلك من تحديث وتنوير ومقاومة للمشاريع الماضوية التي تراهن على القوة والعنف لفرض رؤاها على المجتمع.

التعليم كوسيلة مقاومة
لم تكن المرأة التعزية بعيدة عن ملامح هذا الصمود. ففي قلب خطوط النار بمنطقة ثعبات، وتحديدا في حارة الحافة، وحين أُغلقت المدارس عقب اندلاع الحرب عام 2015، لم تقف فكرية صالح، وهي تربوية وناشطة مجتمعية، مكتوفة الأيدي.
حوّلت فكرية حوش منزل والدها إلى مساحة لتعليم أطفال الحي أساسيات القراءة، في مبادرة مجانية بإمكانات شبه معدومة، حملت شعار "من حقي أن أتعلم"، ووجدت دعما كبيرا من والدتها التي كانت تشجعها على الاستمرار، قبل أن تستشهد لاحقا في قصف عشوائي للحوثيين عام 2017.
تقول فكرية لـ "الصحوة نت": "كانت والدتي تستيقظ منذ الصباح الباكر، تفرش الحصير، وتجهز الماء لاستقبال الأطفال. كانت تؤمن بحقهم في التعليم وبضرورة إخراج جيل واعٍ. ورغم استمرار القصف بين حين وآخر، ظل الأهالي يدفعون بأبنائهم إلى التعليم، وكأنهم يقاومون الحرب بالطريقة التي يؤمنون بها".
وفي يوم احتفائي أقامته فكرية لتكريم الأطفال المتفوقين، باغتت قذيفة حوثية المكان، ليستشهد أحد الطلاب وهو يحمل في يده شهادة التكريم وهدية صغيرة.
تستعيد فكرية تلك اللحظة بمرارة: "في لحظة واحدة تحول الفرح إلى حزن، وتحول الحفل إلى عزاء. حزنت ثعبات كلها على ذلك الطفل الصغير. كانت صدمة أكبر من قدرتي على الاحتمال".
ورغم قسوة الفقد التي دفعتها إلى التوقف مؤقتا، عادت فكرية لتستأنف مشروعها، قبل أن تطوره لاحقا إلى "روضة الفكر الإبداعي". وترى أن هذا المشروع، الذي بدأ من بين أصوات القذائف، ليس مجرد روضة أطفال، بل حلم يحمل رسالة معمدة بدماء أم استشهدت وهي تجهز المكان للطلاب، وطفل رحل وهو يحمل شهادة نجاحه.
ترمومتر الجمهورية
سياسيا، يتجاوز صمود تعز فكرة الدفاع عن الأرض والنفس، ليتحول إلى ركيزة أساسية في معركة الحفاظ على مشروع الدولة اليمنية.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي عبد الواسع الفاتكي أن صمود تعز لأكثر من عقد شكّل تحولا استراتيجيا غيّر معادلة الحرب في اليمن، وحافظ على ما تبقى من رمق الجمهورية والدولة.
ويقول الفاتكي لـ"الصحوة نت" إن مليشيا الحوثي لم تكتف خلال السنوات الماضية بفرض حصار خانق على المدينة، بل وجهت آلتها العسكرية لقصف الأحياء السكنية والمدنيين، وارتكبت جرائم قنص طالت أطفالا ونساء وطلاب مدارس. ومع ذلك، ظلت تعز، وفق تعبيره، تسجل قصة صمود عجزت المليشيا عن كسرها.
وعن الأثر الجيوسياسي لمقاومة تعز، يرى الفاتكي أنها شكلت حائط صد أمام مشروع الحوثيين لاستكمال السيطرة على اليمن، وخط دفاع متقدم عن المحافظات الجنوبية، كما حافظت على حضور الشرعية والجمهورية، وحالت دون إخضاع اليمنيين للمشروع الطائفي.
ويشير إلى أن تعز، إلى جانب مأرب، قدمت نموذجا ملهما ودليلا حيا على أن المقاومة هي السبيل للحفاظ على الكرامة، في حين أثبتت الأحداث أن المحافظات التي تُركت لمشروع الحوثيين دفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها وحرياتهم، وفق قوله.
ويصف الفاتكي تعز بأنها "ترمومتر الجمهورية"، مستندا في ذلك إلى إرثها النضالي وعمقها البشري والاستراتيجي وتنوع كوادرها، باعتبارها محافظة تقاتل من أجل اليمن الكبير. ويرى أن هذا ما يفسر شدة عداء الحوثيين لها، ومحاولتهم تعويض عجزهم العسكري بالانتقام من المدنيين.
ولا تزال تعز، بعد عقد من الحرب والحصار، تواجه المنافذ المغلقة والقصف المتقطع وبنادق القناصة، لكنها في الوقت نفسه تواصل إنتاج مشهد آخر من الداخل: أسواق تعج بالحركة، جامعات تستقبل طلاب العلم، ومراكز ثقافية تصدح بالفن والحياة.
وبين الحصار والحياة، تثبت المدينة أن إرادة البقاء في تعز ما تزال أقوى من آلة الحرب والتجويع.