الألغام الحوثية.. خطر يلاحق الرعاة والمدنيين
حزبي
منذ 11 ساعة
مشاركة

 

 

عاشت زوجة إسماعيل عطية ساعات من القلق والخوف، وهي تنتظر عودة زوجها ونجلهما الطفل محمد، اللذين خرجا لرعي الأغنام في منطقة حريب بمديرية نهم، شرقي محافظة صنعاء، الأسبوع الماضي، لكنهما لم يعودا في موعدهما المعتاد.

 

ومع حلول المساء، ازداد القلق في المنزل، فيما مضت الساعات من دون أن يظهر لهما أثر. بدأت الزوجة تسأل الجيران وأهالي القرية، لعل أحدا رآهما أو يعرف سبب تأخرهما.

 

ومع استمرار غيابهما، انطلق عدد من أهالي القرية للبحث عنهما، متجهين نحو المنطقة التي كان قد سُمع فيها دوي انفجار في وقت سابق.

قاد البحث إلى أحد الشعاب، حيث عثر الأهالي على إسماعيل عطية ونجله محمد وقد فارقا الحياة إثر انفجار لغم أرضي بهما أثناء رعي الأغنام.

 

ولم تكن حادثة إسماعيل وابنه سوى صورة جديدة لمشهد يتكرر في مناطق يمنية مختلفة، خصوصا مناطق التماس وتلك التي شهدت مواجهات مسلحة، حيث لا يزال السكان يعيشون تحت تهديد الألغام المزروعة خلال سنوات الحرب.

 

وتطال حوادث الألغام المدنيين في مناطق الرعي والزراعة ومحيط القرى والطرق، فيما سُجلت حالات مقتل وإصابة لرعاة ومزارعين وأطفال أثناء وجودهم في مناطق ملوثة بالألغام ومخلفات الحرب المتفجرة.

 

وسيلة قتل مؤجلة

 

ويقول المحامي والحقوقي عبدالرحمن برمان، في تصريح لـ«الصحوة نت»، إن الألغام ومخلفات الحرب لم تعد مجرد مخلفات للمواجهات، بل أصبحت، بحسب وصفه، «وسيلة قتل مؤجلة» تختطف أرواح المدنيين حتى في المناطق التي توقفت فيها العمليات العسكرية.

 

ويضيف برمان أن غالبية ضحايا الألغام وبقايا الذخائر والمتفجرات من المدنيين الذين يسقطون أثناء ممارسة حياتهم اليومية، موضحًا أن اللغم قد يقتل الطفل أثناء اللعب أو في طريقه إلى المدرسة، والمزارع في أرضه، والراعي أثناء بحثه عن مصدر رزقه، كما يهدد الأسر خلال خروجها لجلب الماء أو الحطب.

 

ويحمّل برمان جماعة الحوثي مسؤولية زراعة أعداد كبيرة من الألغام خلال سنوات الحرب، مشيرًا إلى أنها استولت، عقب سيطرتها على مخازن وزارة الدفاع، على أكثر من 300 ألف لغم كانت موجودة في تلك المخازن، قبل أن تتجه، وفق إفادته، إلى تصنيع الألغام باستخدام إمكانات ومعدات عسكرية، إلى جانب خبرات قال إنها قدمت من إيران وحزب الله.

 

وبناءً على حجم الألغام التي عُثر عليها في المناطق التي انسحب منها الحوثيون، يقدّر برمان أن الجماعة ربما زرعت أكثر من مليوني لغم، مؤكدا أن آلاف الأشخاص قتلوا وأصيبوا، فيما اضطرت أسر إلى مغادرة مناطقها ومزارعها بسبب انتشار الألغام.

 

ويصف برمان اللغم بأنه «القاتل الأعمى»، لكونه لا يميز بين مدني وعسكري، ولا بين طفل وامرأة.

 

وتكشف بيانات «مرصد الألغام» حجم الخسائر التي خلفتها الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة، إذ وثق المرصد 11,807 ضحايا منذ بدء عملية التوثيق، بينهم 4,262 قتيلًا و7,491 مصابًا، إلى جانب حالات لم يتحدد مصيرها، مشيرًا إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى من الأرقام الموثقة.

 

وخلال عام 2024 وحده، سجل المرصد 265 ضحية للألغام ومخلفات الحرب المتفجرة، بينهم 78 قتيلًا و187 مصابًا. وبلغ عدد المدنيين من إجمالي الضحايا 254 شخصًا، بينهم ما لا يقل عن 55 طفلًا.

 

جهود النزع والتطهير

 

وفي مواجهة هذا الخطر، تتواصل عمليات نزع الألغام عبر مشروع «مسام» لنزع الألغام في اليمن، التابع لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

 

ومنذ انطلاق المشروع في يوليو 2018 وحتى يوليو 2026، تمكنت فرق «مسام» من تطهير 573,625 لغمًا وعبوة ناسفة وذخيرة متفجرة، بينها 7,551 لغمًا مضادًا للأفراد، و152,059 لغمًا مضادًا للدبابات، و405,453 ذخيرة غير منفجرة، و8,562 عبوة ناسفة.

 

كما تمكن المشروع، وفق الأرقام الواردة، من تأمين أكثر من 82.7 مليون متر مربع من الأراضي.

 

القاتل الأعمى

 

ورغم جهود نزع الألغام، لا يزال الخطر قائمًا في مناطق الرعي والزراعة والقرى والطرق التي شهدت مواجهات مسلحة، في وقت تتطلب فيه عملية تطهير المناطق الملوثة وقتًا طويلًا وإمكانات فنية ومادية كبيرة.

 

ويشير برمان إلى أن خطر الألغام يمتد إلى ما بعد انتهاء المواجهات، موضحا، نقلًا عن خبراء دوليين تحدث إليهم أثناء إعداد تقرير «الألغام.. القاتل الأعمى»، أن الألغام المزروعة قد تظل فاعلة لعقود طويلة، ما يبقي المناطق الملوثة عرضة لحوادث جديدة حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

 

وتجسد حادثة إسماعيل عطية ونجله محمد هذا الخطر المستمر؛ فقد خرج الأب وابنه لرعي الأغنام، كما اعتادا، قبل أن تنتهي رحلتهما بانفجار لغم أرضي، في مأساة تعيد التذكير بما يواجهه السكان والرعاة والمزارعون والأطفال في المناطق الملوثة.

 

ومع استمرار هذا التهديد، تظل عمليات نزع الألغام وتأمين المناطق الملوثة ضرورة لحماية المدنيين، وتمكين السكان من العودة إلى أراضيهم ومزارعهم وممارسة حياتهم اليومية بأمان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية