زفّة أيوب.. أغنية تعزّز التعايش والسلام في تعز
مجتمع إنساني
منذ 16 ساعة
مشاركة

تُشكّل الموسيقى والأغاني لغة إنسانية تتجاوز اختلاف الثقافات واللهجات، وتؤدّي دورًا مؤثرًا في تعزيز القيم الاجتماعية وترسيخ روح الوحدة والسلام داخل المجتمعات. وفي اليمن، أدّت سنوات الحرب، التي اشتعلت في عام 2015، إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإضعاف الحياة الثقافية، وهو ما جعل الناس تتّجه نحو الفنون الشعبية المتوارثة بوصفها مساحات جامعة تُعيد وصل ما انقطع بين الناس. ومن بين هذه الفنون تتقدّم أغنية الزفة التعزية، ولا سيما الزفّات التي قدّمها الفنان أيوب طارش، بوصفها تقليدًا غنائيًا يجمع أبناء المجتمع في لحظات الفرح، متجاوزًا الفوارق الاجتماعية والمناطقية، وقد غنّى أيوب عددًا من الزفات الشهيرة مثل “رُشّوا عطور الكاذية” و “وا صبايا وا ملاح” و “هنّوا لقلبي عند قلبي ضيوف”، وهي أعمال استندت إلى نصوص شعرية قريبة من وجدان الناس وألحان مستمدّة من الإيقاع الشعبي.

هذا اللون الفني جاء امتدادًا لممارسة اجتماعية متجذرة في البيئة الريفية، ارتبطت بطقوس الزواج وتحوّلت مع الزمن إلى عنصر أساسي في الأعراس، محافظةً على حضورها كجزء من الذاكرة الثقافية باعتبارها أبرز المظاهر الفنية القادرة على استدعاء الذاكرة الجمعية وتعزيز الشعور المشترك بالانتماء. ويعبّر المواطن التعزي عبد الله أحمد عن هذا الأثر بقوله: “عندما أستمع إلى زفّة أيوب، أسترجع كلّ اللحظات الجميلة في حياتي، وأتذكّر أيام العرس، وأتمنّى أن يعود بي الزمن للخلف لأعرس من جديد، وأجد الناس كلّهم مجتمعين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم”. ويكشف هذا التفاعل العاطفي عن قدرة هذا الفن على استحضار لحظات التلاقي الإنساني وتجاوز الانقسامات، بما يعزز حضورها كطقس اجتماعي جامع.

انتقلت هذه الزفة من اعتبارها رمزًا فنيًا ملازمًا للأعراس، إلى مساحة وجدانية مشتركة توحّد مشاعر الناس في مناسبات الزفاف. ويرى الكاتب عارف محمد أنّ اعتمادها على لغة محليّة وألحان مستمدّة من الإيقاع التعزي يمنحها قدرة على خلق تفاعل جماعي بين الحاضرين، بما يعكس دورها في إعادة إنتاج روح الجماعة وتحويل لحظة الغناء إلى ممارسة اجتماعية تعزّز الانسجام، خصوصًا في ظل ظروف الحرب.

وتمثّل الزفة فضاءً اجتماعيًا يُعزّز التفاعل الجماعي، ويعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية. ويوضّح الصحفي جمال حسن أنّ زفات أيوب طارش نشأت في سياق ثقافي ريفي، وانتشرت في مناطق متعدّدة من اليمن، مستفيدة من بساطة إيقاعها وقُربها من الذائقة الشعبية. ويُبيّن أن الأعراس تمثل بطبيعتها مساحة التقاء للعائلات، حيث تؤدّي الزفة دورًا في خلق حالة من المشاركة الجماعية في الفرح. ويكشف هذا الامتداد عن وظيفة اجتماعية أعمق، تجعل من الزفّة أداة لتعزيز التلاحم وتقليص الفوارق بين الأفراد. وتجسّد منظومة من القيم الاجتماعية المرتبطة بالهوية المحلية والتكافل والفرح الجماعي.

ويُشير جمال حسن إلى أنّ كلماتها تُعبّر عن رؤية ثقافية تعتبر الزواج حدثًا يخصّ المجتمع بأكمله، كما أنّ استمرار تداولها رغم تغيّر الأذواق يعود إلى ارتباطها بالذاكرة الجمعية. ويؤكّد ذلك أنّ الزفة تمثّل إحدى أدوات حفظ الهوية الثقافية واستمرارها، بما يعزّز الشعور بالانتماء المشترك. ومن منظور اجتماعي، تؤدّي دورًا فاعلًا في خلق مساحات آمنة للتلاقي الاجتماعي في زمن الأزمات. ويرى الدكتور محمد الشميري أنّ هذه الزفة تُسهم في تعزيز التماسك المجتمعي بجمع الناس في لحظة فرح مشتركة، تعيد تنشيط العلاقات التي تضرّرت بفعل الحرب. ويشير إلى أنّها تستحضر ذاكرة جماعية تعزّز قيم التعايش والسلام. ويُبرز ذلك قدرتها على أداء وظيفة اجتماعية تتجاوز الغناء لتصبح وسيلة لإعادة بناء الروابط الإنسانية. وتستمدّ الزفة قوّتها من ارتباطها العميق بالذاكرة الشعبية الممتدة عبر الزمن.

ويؤكد الشميري أن حضور أيوب طارش في وجدان اليمنيين عبر مختلف مراحل حياتهم أسهم في ترسيخ هذا اللون الغنائي، حتى أصبح جزءًا من طقوس الزواج. ويوضّح ذلك كيف تتحول الممارسة الفنية إلى عنصر راسخ في الوعي الجمعي، يواكب تحوّلات المجتمع ويحافظ على استمراريته. وتُعدّ المشاركة الجماعية في الزفة أحد أهم عناصر تأثيرها. ويُشير الشميري إلى أن التحضير للأعراس وما يصاحبه من تعاون بين الأفراد يعزّز القُرب الإنساني ويُقلّل الحواجز الاجتماعية، ما يمنح الزفة قيمة تتجاوز الغناء إلى كونها تجربة اجتماعية مشتركة. ويؤكّد ذلك دورها في بناء شبكات العلاقات الاجتماعية وتعزيز روح التضامن، إلا أنّ انتقالها من الفضاءات المفتوحة إلى القاعات المغلقة صنع تحديًا ثقافيًا يهدّد أحد أهم أدوارها الاجتماعية. ويحذّر الشميري من أنّ هذه التحولات تُضعف الطابع الجماعي للزفة وتقلّص مشاركة المجتمع فيها. ويكشف هذا التحول عن تغيّر في طبيعة الفضاء الثقافي، حيث تفقد الزفّة جزءًا من وظيفتها كممارسة اجتماعية جامعة حين تُنقل إلى فضاء مغلق، ما يستدعي إعادة التفكير في الحفاظ على هذا الإرث ضمن سياقاته الأصلية.

تعتبر الزفة اليمنية جزءًا أساسيًا من الأغنية اليمنية العريقة وهوية ثقافية تمسّكت بها تعز في ظلّ التجريف الحاصل للفن وظهور الفرق الدخيلة على الفنّ اليمني واستبدال الأغاني بالزوامل ومحاولات تطييف الهوية. تمسّكَ الناس بالفن الشعبي؛ لأنه جامع لكلّ اليمنيين وهوية متجدّدة عبر الأجيال، وفي سنوات الحرب مع موجات النزوح من المدن للأرياف، تجدّدت ثقافة الفن الشعبي الذي نشأ في الريف، ومن هذه الثقافة زفّة أيوب التي تعود إلى جذور ريفية كُتبت بعض كلماتها لمناسبات خاصة، وتحوّلت إلى أغنية رسمية كما حدث في زفّتَي أيوب “وا صبايا وا ملاح”، “هنوا لقلبي” التي كتبها الفضول لعرسه خاصة، وغناها له أيوب في زفافه، غير أنها انتشرت وأصبحت رمزًا للزفاف في كثير من المدن والأرياف اليمنية، ولا سيما تعز، وذلك بفضل نصوصها وألحانها القريبة من الذائقة الشعبية اليمنية.

إنّ الامتداد التاريخي لزفّة أيوب، وما تحمله من حضور راسخ في الوجدان الشعبي، يؤكّد أنها ممارسة ثقافية تؤدّي دورًا حيويًا في ترميم العلاقات الاجتماعية وتعزيز قيم التعايش والسلام، لا سيما في مجتمع أنهكته الحرب والانقسام. وبعد ما عرضه المقال من شواهد على قدرتها في جمع الناس، وحفظ الهوية المحلية، وإحياء روح الجماعة، يصبح الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية ثقافية مشتركة تتطلّب دعمًا واعيًا من المؤسسات الثقافية والإعلامية والمجتمع نفسه، عبر إعادة الاعتبار للفضاءات الشعبية المفتوحة التي نشأت فيها هذه الزفات، وتشجيع حضورها في المناسبات بوصفها رمزًا جامعًا لكلّ الناس، فَصَون هذا الفن الشعبي ليس للحفاظ على ذاكرة تعز وحدها، بل حماية لقيمة إنسانية تذكّر اليمنيين بأن الفن ما يزال قادرًا على جمع ما فرّقته الحرب.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

The post زفّة أيوب.. أغنية تعزّز التعايش والسلام في تعز appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية