"آسيا فرحان".. سبعينية يمنية تتحدى الأمية وتحفظ القرآن سماعاً
حزبي
منذ 16 ساعة
مشاركة

 

تقف الحاجة آسيا أحمد فرحان إلى جوار ابنها، يحيط كتفها بذراعه، فيما ينسدل وشاح أحمر حول رأسها ووجهها. خلف هذه الصورة العائلية حكاية امرأة يمنية في الخامسة والسبعين، لم تتعلم القراءة والكتابة، لكنها شقت طريقها إلى حفظ القرآن الكريم بالسماع؛ بأذن تصغي، وذاكرة تحفظ، وهاتف يعيد الآيات مرة بعد أخرى.

 

في منزلها بقرية الشجابي، بمديرية شرعب الرونة في محافظة تعز، أمضت آسيا سبع سنوات تتنقل بين السور والآيات بالسماع والترديد. كانت تستمع إلى الآية، تعيدها خلف القارئ مرات عديدة، وتتوقف عند الكلمات التي يصعب عليها نطقها، قبل أن تعاود المحاولة حتى تستقيم على لسانها وتستقر في ذاكرتها.

 

وبهذه الطريقة، مضت سورة بعد أخرى، حتى أتمت حفظ القرآن كاملا، في رحلة لم يكن العمر عقبتها الوحيدة، بل غياب التعليم أيضا.

 

حياة مثقلة بالفقد

 

قضت آسيا جانبا كبيرا من حياتها في رعاية أسرتها وتربية أبنائها الاثني عشر، خمسة ذكور وسبع إناث، قبل أن تحمل إليها الحرب واحدا من أقسى اختبارات حياتها.

 

ففي عام 2015، فقدت أحد أبنائها، الذي تقول الأسرة إنه قُتل برصاص قناص تابع مليشيا جماعة الحوثيين.

 

ترك رحيله جرحا عميقًا في حياة الأم، لكنها لم تنكفئ على حزنها. ومع مرور الوقت، وجدت في القرآن مساحة للسكينة، قبل أن يتحول الاستماع إليه من عادة يومية إلى رغبة في الحفظ.

 

كانت المشكلة واضحة منذ البداية: آسيا لا تعرف القراءة ولا تستطيع أن تفتح المصحف لتتابع الكلمات بعينيها. لكن ذلك لم يمنعها من البدء.

 

هاتف بدل المصحف

 

صار الهاتف المحمول وجهاز تشغيل التلاوات أداتيها الأساسيتين في رحلة الحفظ. لساعات طويلة، كانت تستمع إلى صوت القارئ، ثم توقف التسجيل أو تعيد المقطع، وتردد الكلمات خلفه مرة تلو أخرى.

 

 

 

ولم يكن تثبيت الآيات في الذاكرة هو التحدي الأكبر دائما، إذ واجهتها صعوبة في نطق بعض الكلمات وضبط مخارج الحروف، وهي صعوبة ارتبطت بحرمانها من التعليم منذ صغرها.

 

ويقول نجلها عاصم عقلان، الذي يعمل مديرا لأحد أقسام الشرطة بمدينة تعز، إن والدته أظهرت إصرارا لافتا طوال سنوات الحفظ، وكانت شديدة الحرص على ألا تحفظ الكلمات فحسب، بل أن تنطقها بطريقة صحيحة قدر استطاعتها.

 

دموع "آل عمران"

 

ومن بين سنوات الرحلة الطويلة، بقي مشهد بعينه عالقا في ذاكرة عاصم. يتذكر أنه وجد والدته عندما وصلت إلى سورة آل عمران تبكي بشدة، بعد أن تعثرت في نطق بعض الكلمات كما تسمعها من القارئ.

 

 

 

ويقول لـ"الصحوة نت": "وجدتها تبكي بحرقة شديدة؛ لأنها كانت تتحسر على تعثرها في نطق بعض الكلمات بدقة مقارنة بالقراء".

 

لم يكن البكاء إعلانا عن الاستسلام، لكنه كشف مقدار الجهد الذي كانت تبذله. وفي تلك اللحظات، كان أفراد الأسرة يحيطون بها بالتشجيع، ويحثونها على ألا تجعل صعوبة بعض الكلمات توقف رحلة قطعت فيها شوطًا طويلًا.

 

ثم تعود آسيا إلى هاتفها من جديد: تستمع، تكرر، تخطئ، تُصحح لها القراءة، ثم تبدأ مرة أخرى.

 

ضرتها.. معلمة ورفيقة طريق

 

لم تخض آسيا الرحلة وحيدة. فإلى جانب أبنائها، وجدت مساندة لافتة من داخل منزلها، إذ لعبت ضرتها، الزوجة الثانية لزوجها، دورا مهما في مساعدتها على الحفظ.

 

والضرة معلمة وحافظة للقرآن الكريم، وهو ما جعلها أقرب إلى معلمة خاصة لآسيا؛ تستمع إلى تلاوتها، وتصحح لها أخطاء النطق، وتساعدها على ضبط مخارج الحروف، وتعيد معها الكلمات التي تتعثر فيها.

 

ومع الوقت، صار المشهد مألوفا داخل المنزل: صوت قارئ يخرج من الهاتف، وآسيا تردد خلفه، فيما يتدخل أحد أفراد الأسرة أو ضرتها لتصحيح كلمة أو إعادة آية.

 

وكانت كل سورة تنتهي بمثابة خطوة جديدة في طريق ظل يتقدم ببطء، لكنه لم يتوقف.

 

سبع سنوات إلى اللحظة المنتظرة

 

وبعد سبع سنوات من الاستماع والتكرار والتعثر والمحاولة، وصلت آسيا إلى نهاية الرحلة.

 

في منزلها، أمسكت هاتفها كما اعتادت طوال سنوات، واستمعت إلى آخر ما تبقى لها من الآيات، ثم راحت ترددها خلف صوت القارئ.

 

لكن المشهد هذه المرة كان مختلفا. ذلك اللسان الذي تعثر كثيرا في البدايات أصبح أكثر ثباتا، والمرأة التي بكت يوما لأنها لم تستطع نطق بعض الكلمات بالطريقة التي تريدها، كانت على بعد آيات قليلة من إتمام ما بدأت به.

 

وحين انتهت من آخر ما تبقى لها من الحفظ، غلبتها دموعها. لم تكن هذه المرة دموع تعثر، وإنما فرح ببلوغ نهاية رحلة استغرقت سبع سنوات من المثابرة.

 

 

 

ويصف نجلها عاصم تلك اللحظة قائلا: "غمرتني سعادة لا توصف؛ لأنها نالت أخيرًا ما كانت تتمناه وما أجهدت نفسها طويلا من أجله. في كثير من الأحيان كنت أشفق عليها من شدة الجهد والإصرار والتحدي الذي كانت تبذله ليلا ونهارا".

 

فرحة خرجت من البيت

 

لم يبق خبر إتمام آسيا الحفظ داخل الأسرة؛ إذ احتفت بها نساء من محيطها، وتناقل أبناء المنطقة قصتها باعتبارها تجربة غير مألوفة لامرأة بدأت رحلة الحفظ في سن متقدمة، من دون أن تستطيع قراءة الكلمات التي حفظتها.

 

وبالنسبة إلى أسرتها، لا تختصر القصة في عدد السور والآيات التي استقرت في ذاكرتها فحسب، بل في السنوات التي ظلت خلالها تعود كل يوم تقريبًا إلى صوت القارئ، رغم التعثر والتقدم في العمر.

 

واليوم، يبدو الهاتف الصغير الذي رافق آسيا طوال رحلتها أكثر من مجرد وسيلة اتصال. فمن خلاله سمعت الكلمات التي لم تستطع قراءتها، ورددتها حتى حفظتها.

 

وبين أول آية التقطتها أذنها وآخر آية استقرت في ذاكرتها، قطعت السبعينية اليمنية طريقًا طويلا لم تمحُ فيه أميتها من سجلات التعليم، لكنها استطاعت أن تتجاوز أحد أكبر الحواجز التي وضعتها أمام حلمها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية