زوجات مفقودي غزة... معاناة نفسية وقانونية تحت وطأة الغياب
Arab
59 minutes ago
share
تطلب الكثير من المؤسسات والجهات الرسمية والإغاثية من نساء قطاع غزة إثبات حالة الزواج، ما يضع زوجات المفقودين في أزمات كبيرة، ويؤدي إلى لجوء الكثيرات منهن إلى استخراج "شهادة وفاة". تعيش زوجات المفقودين في قطاع غزة فراغاً قانونياً في ظل عدم معرفة مصير أزواجهن، وهل هم أحياء أم أموات، ما ينعكس على حقوقهن الشخصية والمالية والاجتماعية، إذ يواجهن مشكلات عديدة خلال التعامل مع سائر الهيئات والمؤسسات، وتبدأ الأزمات عادة عند طلب استخراج شهادة وفاة. وتعاني زوجات المفقودين نفسياً واجتماعياً نتيجة الأمل المعلق على الأيام بإمكانية ظهور الزوج الغائب، والذي يتحول البحث عنه إلى رحلة شاقة من التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الدولية والفلسطينية التي تعنى بالأسرى، مع مماطلات روايات جيش الاحتلال وتباينها في الرد على طلب معرفة المصير، فضلاً عن مهمة البحث بين الركام وفي الشوارع التي يعتقد أن المفقود سلكها، وبين رفات الشهداء الذين يجري انتشالهم. فقدت سندس الفرا (28 سنة) زوجها في 6 أغسطس/آب 2025، وهي أم لثلاثة أطفال أكبرهم يبلغ سبع سنوات، وأصغرهم رضيع عمره 15 شهراً. كان الزوج متوجهاً مع خالها إلى منزلهم الواقع بمنطقة "التحلية" شرقي مدينة خانيونس، للحصول على بعض الطعام بعد اشتداد المجاعة، ومنذ ذلك اليوم لم يعد الرجلان، ولا دليل يثبت استشهادهما أم أسرهما. تحكي الفرا لـ"العربي الجديد" أنه "في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وبعد توقيع وقف إطلاق النار، ذهب الناس إلى مكان حارتنا المدمرة بعد انسحاب جيش الاحتلال، ولم يعثروا على أي أثر لزوجي، وبعد التواصل مع الصليب الأحمر ومؤسسات أخرى، كان الرد أن جيش الاحتلال ينفي أي معلومات حول اعتقاله، ما جعل احتمال الاستشهاد أكبر. عانيت كثيراً منذ فقده، في البداية تحملت كافة أعباء الأسرة، ثم شعرت لاحقاً أنني أقاتل في معركتي الكبيرة وحدي". وتضيف: "كانت المعاناة الأكبر تتمثل في إثبات الحالة، فمعظم المؤسسات الدولية لا يوجد لديهم بند (مفقود)، وخلال التسجيل هناك خياران فقط، حي، أو متوفى، وعندما أخبرهم أني فقدت زوجي، يطلبون التسجيل على بند (زوجة مهجورة)، أو ليس لديها زوج، أي في حكم المعلقة. معظم أهالي المفقودين استخرجوا شهادات وفاة لأن الموضوع طال. في إحدى مؤسسات الإغاثة، طلب الموظف هوية زوجي، وعندما أخبرته أنه مفقود أصر على طلب الهوية، ما جعلني أبكي، فتدخل بعض الأفراد لمعالجة الأمر، ومنذ تلك اللحظة قررت العمل على إثبات أنه مفقود، واستخراج شهادة وفاة، لأنه من دونها لا يعتبرون أبنائي أيتاماً ولا أبناء أسير". لكن استخراج شهادة الوفاة ليس أمراً سهلاً، خاصة مع عدم وجود دليل على استشهاده. وفقده كالرفات أو الملابس. تقول سندس الفرا: "أقنعني أقارب بأنه حتى لو كان زوجي على قيد الحياة، واستخرجنا شهادة الوفاة فهذا لن يعني أنه استشهد، وطالما الاحتلال لم يعترف بوجوده في الأسر فليس هناك دليل. شهد بعض الأقارب أن إحدى العمارات سقطت عليه أثناء القصف، وبذلك تمكنت من استخراج شهادة وفاة مفقود في منتصف رمضان الماضي. كنت على أمل أن يتم كفالة أبنائي، لكننا لم نتسلم مساعدات سوى مرتين فقط". عاشت آلاء أبو جزر معاناة مماثلة، إذ فقدت زوجها كامل أبو جزر في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، حين كان متوجهاً من منطقة المواصي إلى مدينة رفح، وكان يرافقه شخصان، وتم العثور على جثتيهما، وجرى دفنهما، لكن لم يتم العثور على جثة زوجها، ويعتقد أن الجثة بقيت تحت ركام منزل. وتقول أبو جزر لـ "العربي الجديد": "تختلف حياة الزوجة التي تعرف مصير زوجها عن زوجة المفقود، فواقعنا أليم، ولا أحد يدعمنا. أبنائي يسألون عن والدهم، ولا أجد رداً. نعيش حالة من الموت البطيء، ونفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. قمت بعد ذلك باستخراج شهادة وفاة بعد تقديم شهادة شهود إلى المحكمة. أصبحنا مشتتين، وليس لدينا مصدر دخل. لدي ولدان أكبرهما عمره 12 سنة، والآخر 10 سنوات، والشهادة التي أصدرناها لم تغير كثيراً من وضعنا المادي رغم أننا سجلنا في العديد من المؤسسات، ما اضطرني إلى العمل لتوفير مصدر دخل لأطفالي". بدورها، استخرجت غادة مصلح شهادة وفاة لزوجها المفقود بعد ثمانية أشهر على فقدانه، على أمل أن يتحسن وضعها المعيشي بالحصول على المساعدات، وأن يتم الاعتراف بوضعها قانونياً. فُقد الزوج غسان مصلح (52 سنة) في 29 سبتمبر/ أيلول 2025، في أثناء محاولته تفقد منزله الواقع بحي النصر غربي مدينة غزة. وتروي الزوجة لـ "العربي الجديد" أن "غسان خرج من المنزل صباحاً تاركاً هاتفه، وأخبرني أنه سيعود عند العصر، لكنه لم يرجع، وتواصلنا مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فأبلغتنا أنه ليس في سجون الاحتلال. دُمر بيتي، وأصبحنا نعيش في الشارع. لدي أبناء يدرسون بالجامعة، ونحتاج إلى المساعدة. استخرجنا شهادة مفقود من المحكمة لأن المؤسسات الدولية تطلب إثبات الحالة". ويوضح قاضي المحكمة العليا رئيس لجنة المفقودين، الشيخ عمر نوفل، أن "المفقود هو الذي لا يعرف حياته من مماته، لكن المختلف في قطاع غزة أن هناك مفقودين لا يعلم مكان فقدهم، وهل هم أسفل ركام مبان مدمرة، أو في مناطق يتعذر الوصول إليها، ما يجعل التعريفات الدولية للمفقود غير صالحة في القطاع". ويوضح لـ "العربي الجديد" أنه "في الظروف العادية يحق للزوجة رفع دعوى إثبات وفاة مفقود بعد أربع سنوات من فقدان زوجها، لكن في حالة الحرب يحق لها رفع دعوى إثبات الوفاة بعد سنة من وقف إطلاق النار". ويتحدث نوفل عن معاناة زوجات المفقودين النفسية أمام المصير المجهول، ومواجهتهن لمشكلات عديدة مع المؤسسات والجمعيات التي تتعامل مع أهالي الشهداء والأسرى، وليس المفقودين، لذا سمح القضاء بحصول الزوجة على شهادة مفقود، ثم يحال الأمر إلى لجنة الوفيات لإصدار الحكم، وبالتالي تسهيل الأمور المعيشية من خلال عمل حجة وصاية، وحجة إعالة، وحجة حضانة وغيرها. وعن الإجراءات المتبعة لإثبات وفاة المفقود، يشير القاضي إلى أنه "يتم إصدار شهادة المفقود بعد تسجيل الأهالي على برنامج (صحتي) التابع لوزارة الصحة، ومن ثم يحال الأمر إلى القاضي لإصدار الحكم بعد الاستماع إلى الشهود وإحضار البينات. في الخطوة الأولى، يتم تعيين وصي على المفقود، وتقوم الزوجة برفع دعوى، وفي الخطوة الثانية يتم البحث والتحري، ثم يتم البحث من خلال جهاز المباحث والشرطة، والاستماع لشهادات وإفادات الجيران، وبعدها يحكم القاضي بإثبات الوفاة، وانتهاء عقد الزوجية، وعندها يمكن أن تقسم التركة". ويلفت نوفل إلى أن "أعداد الذين ظهروا أحياء بعد إصدار الحكم لا يتجاوز 8 أشخاص، وفي حال زواج زوجة المفقود بعد الحكم، وظهور أنه حي، يتم الحكم بفسخ عقد الزوج الثاني إذا لم يتم الدخول، ولو حدث الدخول قبل ظهور الزوج المفقود، يفسخ عقد الزواج الأول وتبقى مع الزوج الثاني".  ويوثق برنامج "صحتي" نحو 13 ألف شخص ليس لديهم وثائق من المستشفيات أو الدفاع المدني أو المشرحة تثبت الاستشهاد، من بينهم 8500 حالة تم إثبات وفاتهم بالفعل، ما يجعل 4500 حالة في حكم المفقود. ولا يعالج القانون الفلسطيني مسألة المفقودين، ولعل ذلك يعود إلى حداثة الظاهرة التي خلفتها الحرب الأخيرة على قطاع غزة. ويقول المحامي رائد البرش: "لم يقرر حكم بات في مسألة المفقودين بقانون الأحوال الشخصية، ولم يرد نص قانوني يعتبر الزوجة أرملة لمجرد فقد زوجها، ويفرض القانون صدور قرار أو حكم قضائي من المحاكم الشرعية، لكن القانون منح الزوجة حق طلب التفريق أمام القضاء إذ طال غياب الزوج أو تعذر معرفة مصيره، ويحدد المدة القانونية بأربع سنوات من الفقد في الظروف العادية، أو سنة إذا كان الفقد في ظروف يغلب عليها الهلاك، كالحروب والكوارث". وعلى صعيد القانون الدولي، يشير البرش إلى أن "اتفاقيات جنيف اعتنت بشكل نسبي بمسألة المفقودين، وأقرت الظروف الكارثية التي تعيشها زوجات وعوائل المفقودين، وأوجبت على السلطات البحث عن المفقودين، وكشف مصيرهم، وتمكين العائلات من الوصول إلى الحقيقة. لكن ثمة مشاكل جمة تواجه زوجات المفقودين أمام سائر الهيئات والمؤسسات، أولها عدم القدرة على إثبات الحالة القانونية للزوج، لا سيما أمام الجهات التي تستلزم معاملاتها وجود شهادة وفاة، أو حكم قضائي، مثل التنمية الاجتماعية، والتأمين والمعاشات". ويوضح أنه "من بين المشاكل الأخرى عدم قدرة الزوجة على استئناف المعاملات المدنية المتعلقة بزوجها، ومن ذلك ما يتعلق بالوكالات، والتصرف في الممتلكات، والتصرف بالأموال، لا سيما الراتب والمعاملات البنكية، وكذلك إشكاليات شخصية أمام المحاكم الشرعية، إذ لا تستطيع الزوجة الزواج إلا بعد الحصول على حكم قضائي بوفاة زوجها، أو الحصول على حكم بالتفريق، ما يجعلها معلقة. كما لا تستطيع الزوجة الحصول على المساعدات الإغاثية لأن مختلف الجهات تشترط وجود إثبات يتعلق بالترمل أو الطلاق، وذلك لعدم وجود قانون موحد يحكم مسائل المفقودين".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows